في عام 2003، كانت "جودي بيركنز" امرأةً في الثامنة والثلاثين من عمرها، تعيش حياة عادية تمامًا في ولاية فلوريدا الأمريكية، تعمل مهندسة، متزوجة، وتستعد لإنجاب طفلها الثالث، وفي أثناء أحد الفحوصات الطبية الروتينية، قال لها الأطباء إنها تُعاني من سرطان الثدي، طمأنها الجميع بأنها لا تزال في المرحلة الصفرية، أي أن الخلايا السرطانية متمركزة في منطقة صغيرة للغاية لا تتجاوز بعض المليمترات.

قرر الأطباء إجراء جراحة لاستئصال الثدي الأيسر، تمت الجراحة بنجاح، وطوال 10 سنوات، لم تُصب "جودي" بالمرض الخبيث، إلا أنها في أثناء عملية فحص ذاتي تدربت عليها على أيدي خبراء، لاحظت وجود كتلة في الجانب ذاته، فتوجهت مرةً أخرى إلى الطبيب، الذي أخبرها بإصابتها بورم جديد، وللأسف، لم يكن في مرحلته الصفرية؛ إذ أثبتت الخزعات وفحوصات الأشعة أنها مُصابة بسرطان منتشر في مرحلته الرابعة.

الحياة الهادئة انقلبت رأسًا على عقب؛ فقد بدأت سلسلة فاشلة من العلاجات الكيميائية والهرمونية، وخلال خريف عام 2015، وبعد عامين من محاولات مُضنية للعلاج، كانت خطط "جودي" الوحيدة هي مشاهدة التلفاز وقراءة الكتب انتظارًا للموت، بعد أن قال لها الأطباء إن أمامها أقل من 3 سنوات قبل أن تقضي، من جَرَّاء المرض القاتل.

يأسٌ قاتل، وحياة ممتلئة بطعم المسكنات الأفيونية، وآلام بلا حدود تعانيها "جودي"، ومن الظلام وُلد بصيص من أمل، بعد أن قرأت عن تجربة سريرية جديدة، تحت رعاية المعاهد الأمريكية للصحة، تهدف إلى اختبار نهج جديد من العلاج المناعي، لم يكن لدى "جودي" ما تخسره، ووجدت أن تلك الفرصة ربما تمهد طريقًا للشفاء من السرطان في المستقبل.

أتت الرياح بما تشتهي السفن، فبعد عامين من العلاج المناعي على أيدي خبراء المعاهد الصحية الأمريكية، اختفت الأورام على نحوٍ عجيب، وأصبحت "جودي" في حكم المتعافية، لتدخل التاريخ، بكونها السيدة الأولى التى عادت من حافة الموت.

نهج علاجي جديد

فوفق دراسة بحثية نُشرت في دورية "نيتشر ميديسين" العلمية Nature Medicine، يونيو الحالي، نجح فريق بحثي أمريكي من المعهد الوطني لبحوث السرطان من تطبيق نهج جديد للعلاج المناعي على "جودي"، والقضاء على خلايا سرطان الثدي بشكل كامل، مما يوفر إمكانيةً لعلاج السرطانات في الحالات المتقدمة بالمراحل الأخيرة، والتي فشلت معها من قبل العلاجات التقليدية كلها.

والعلاج المناعي هو أحد أنواع العلاجات التي تقوم على تنشيط الجهاز المناعي للمريض، عبر أخذ الخلايا التائية من دمه أو من الورم، وتعديلها وراثيًّا، ومن ثَم حقنها مرةً أخرى داخل جسد المريض؛ لتتعرَّف خلايا الأورام وتدمرها.

لكن، لم تفلح تقنيات العلاج المناعي في شفاء المرضى بالأورام الصلبة (تجمُّع خلوي في مكان واحد يتكاثر على نحوٍ غير طبيعي)؛ إذ تصلح فقط لعلاج أولئك المُصابين بأورام الدم، غير أن التجربة السريرية الجديدة التي أجراها الفريق البحثي فتحت بابًا جديدًا أمام هذا النوع من العلاج.

ووفق القائمين على الدراسة، لا يزال هذا البحث، حتى الآن، في مرحلة التجريب. ولكن، ولأن النهج الجديد يعتمد على الطفرات، وليس على نوع السرطان، فمن المتوقع أنه يجري استخدامه لعلاج أنواع عديدة أخرى من السرطانات في المستقبل.

ويُعَد هذا النهج شكلًا معدلًا من نقل الخلايا بالتبني (ACT). نجح ACT نجاحًا فعالًا في علاج سرطان الجلد الذي يحتوي على مستويات عالية من الطفرات الجسدية، أو المكتسبة.

ومع ذلك، فقد كان أقل فاعليةً مع بعض السرطانات الظهارية الشائعة، أو السرطانات التي تبدأ في بطانة الأعضاء، ولديها مستويات أقل من الطفرات، مثل سرطان المعدة والمريء والمبيض وسرطان الثدي.

القدرة على التسلل للورم

بدأ تصميم التجربة السريرية التي شاركت فيها "جودي" في نهاية ديسمبر 2015، ومع بداية يناير من العام التالي، بدأ الفريق البحثي بقطع أجزاء صغيرة من الأنسجة الورمية، ودرسوا حمضها النووي للعثور على الطفرات الخاصة بالسرطان، ثم سحب الفريق خلايا الدم البيضاء من المريضة؛ لإجراء برمجتها وراثيًّا، وإكسابها القدرة على التسلُّل للورم، تُعرف تلك الخلايا باسم الخلايا الليمفاوية المتسللة TILs.

بعد أن استخلص الأطباء الخلايا المناعية من خزعات الورم وبرمجوها وراثيًّا، قاموا بتنميتها داخل المختبر، وبعد أن وصل عددها للمليارات -80 مليار خلية مناعية- بدأ الفريق البحثي في حقنها مرة أخرى داخل مجرى دم "جودي".

السير في الاتجاه الصحيح

حُقنت "جودي" بالخلايا، وأيضًا بالبمبروليزوماب Pembrolizumab، وهو دواء منشط للإنترلوكين (مجموعة من البروتينات التي تحفز المناعة في الجسم)، انتشرت الخلايا سريعًا في جسم المريضة، لتكوِّن مجموعةً من المستضدات والخلايا القاتلة الطبيعية، وتنعش الخلايا الليمفاوية (أحد أنواع خلايا الدم البيضاء)، التي بدورها هاجمت الأورام جميعها، لتختفي على نحو درامي مذهل.

كانت الآثار الجانبية بالغة الصعوبة، خمول بدني، وشعور بالإرهاق، وآلام شديدة، اضطرت "جودي" إلى تناوُل أدوية مسكنة للألم، أصيبت بالإمساك، ثم الإسهال، وفي مرحلةٍ ما، كانت لديها رعشات شديدة، وتقلُّصات عضلية حادة، اضطر معها الأطباء إلى إعطائها أدوية مُرخية للعضلات.

في البدء، شعرت "جودي" بأنه "ما من أمل في العلاج"، ولكن وبعد نحو شهرين، بدأ الورم الأصلي الموجود تحت عظام القص (تشكل جزءًا رئيسيًّا في تكوين الجدار العظمي للصدر أو القفص الصدري) في الاختفاء، ومعه ذهب بعض الألم، وهنا أدركت "جودي" أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.

استمر العلاج، وزاد التحسُّن، وحين عادت جودي للطبيب في مارس من العام ذاته، أخبرها أن الورم انخفض حجمه بشكل ملحوظ، وبحلول شهر أبريل، كان لديها القوة الكافية للقيام برحلة جبلية، وتسلُّق قمة "روجرز" Mount Rogers  الشهيرة.

"كان الأمر غريبًا.. كُنت أستعد للموت، وفجأة أحسست بالتحسن"، تقول جودي في مقال كتبته على موقع "وومن هيلث"، وبحلول مايو أخبرها الأطباء أن جسدها أصبح خاليًا من السرطان، وأن "كل شيء عاد إلى طبيعته الأولى".

أجرت "جودي" تنظيرًا جراحيًّا للقولون، وأشعة بالصبغة، وفحصًا ذريًّا على كامل الجسد، لتُفاجأ بكونها سيدة عادية دون سرطانات. غير أن العلاج استمر مدةً أطول، حتى تأكد الأطباء تمامًا أنها أصبحت سليمة.

العلاج الشخصي

يقول "ستيفن روزنبرج" -رئيس الفريق العلمي بالمعهد الأمريكي للسرطان، والمؤلف الأول للدراسة-: إن المريضة أصبحت الآن بعد مرور عامين ونصف على العلاج خالية تمامًا من الخلايا السرطانية، مُشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن البحث الجديد يؤكد أن العلاج المناعي يحمل أفضل الفرص للمرضى في حالات أورام الثدي النقيلي (مرحلة متقدمة من الورم)، وهو الورم السرطاني القابل للانتشار إلى الأعضاء أخرى.

يُعد السرطان ثاني سبب رئيسي للوفاة حول العالم، وفق منظمة الصحة العالمية، التي تقول إنه حصد أرواح 8.8 ملايين في عام 2015، وتَسبَّب سرطان الثدي –الذي يصيب واحدةً من كل ثماني سيدات- وحده في مقتل نحو 571 ألف حالة هذا العام.

ويُشير "روزنبرج" إلى أن العالم يحتاج إلى نموذج جديد لعلاج السرطان، مؤكدًا أن العلاجات الشخصية أصبحت ضروريةً إذا أردنا إحراز تقدُّم في علاج السرطانات الشائعة.

"عرضنا البحث على مجلس الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان في الأشهر القليلة الماضية، يقول ذلك البحث إن نحو 80% من المرضى الذين يعانون من الأورام الشائعة لديهم خلايا ليمفاوية تائية قادرة على مكافحة سرطاناتهم"، يقول ستيفن في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مؤكدًا أن مفهوم العلاجات الشخصية يحوي أيضًا مجموعةً من التعقيدات التي "تُخيف" أطباء الأورام، من ضمنها التكلفة الباهظة؛ "إذ إن العلاج يتطلب تضافُر جهود 3 شركات مرةً واحدة لخروجه إلى النور".

يقول "ياسر عبد القادر" -أستاذ علاج الأورام بجامعة القاهرة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن تقنيات العلاج المناعي أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة بعض أنواع السرطان؛ فـ"المركبات الحيوية المُنتجة معمليًّا وتشبه تلك التى تفرزها الخلايا المناعية قادرة بامتياز على تحفيز الجهاز المناعي وتدمير السرطان".

ويشير عبد القادر إلى أن مرضى السرطان في المرحلة الرابعة، الذين لا تزيد متوسطات أعمارهم المتوقعة عن أعوام معدودة، "قد يعيشون سنوات مديدة" بفضل تقنيات العلاج المناعي التي يُمكن استخدامها حاليًّا بكفاءة لعلاج سرطانات الرئة والثدي أيضًا.

ولمرض سرطان الثدي أربع مراحل أساسية، في المرحلة الأولى يكون الورم -في مكان الإصابة فقط- مجموعةً من الخلايا النشطة غير معروف على وجه الدقة ما إذا كان نشاطها سرطانيًّا أم لا، أما في المرحلة الثانية، فتكون الإصابة سرطانية تم التأكد منها عن طريق أخذ خزعات (عينات) من الورم ذاته، وتشمل المرحلة الثالثة إصابة العقد الليمفاوية بالمرض، وتكون المرحلة الرابعة هي مرحلة سرطان الثدي النقيلي؛ إذ تنتشر الخلايا السرطانية في مناطق خارج منطقة الورم الأساسي.

الحاجة إلى تجارب أخرى

"آلان مليشر"، أستاذ العلاج المناعي في معهد أبحاث السرطان بلندن، وهو باحث مستقل لم يُشارك في الدراسة، قال في تصريحات صحفية إن الأسلوب الجديد يُمكن أن يُطبَّق -من حيث المبدأ- على مجموعة أخرى من الأورام التي لم ينجح معها العلاج المناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن العلاج "معقد ومكلف"، والأهم من ذلك أنه "يتطلب من الأطباء العثور على ما يكفي من الخلايا المناعية للتسلل في ورم المريض بسبب قلة أعدادها"؛ فقبل سنوات، حاول الأطباء استخدام الفكرة نفسها لعلاج مريض بسرطان البروستاتا، "غير أنهم فشلوا تمامًا بسبب عدم وجود تلك الخلايا".

يحذر الخبراء من أن العلاج أثبت ذاته في تجربة سريرية واحدة فقط، ويؤكدون ضرورة تكرارها للتأكد من جدواه، يقول "سايمون فينست" -مدير الأبحاث بمعهد سرطان الثدي- في تصريحات صحفية: "إن النتيجة واعدة"، لكن "يجب رؤية هذا التأثير في العديد من مريضات سرطان الثدي النُّقيلي قبل إعطاء الأمل لعلاج مناعي جديد لذلك النوع من السرطانات المستعصية على الشفاء".

"كان من الصعب عليَّ مشاهدة أصدقائي المرضى يموتون، أنا الاستثناء، الذي سيصبح قاعدةً في المستقبل، بفضل تلك التقنية الهائلة"، تقول "جودي"، الناجية الأولى من سرطان لم يَنجُ أحد قبلها منه، معربةً عن أملها في استمرار التجارب لأجل عالم أكثر أملًا للمحارِبات ضد ذلك السرطان المميت.