يقول المصور الأمريكي الكندي يوسف كاريش -الذي وصفته مجلة التايم الأمريكية بأنه أحد أعظم مصوري القرن العشرين-: "انظر وفكر قبل أن تفتح مصراع الكاميرا، فقلبك وعقلك هما العدسة الحقيقية".

كان كاريش يؤمن بأن أحساس المُصور واختيار الزوايا هما ما يُعطيان الصورة حياة، وأن عدسة الكاميرا مجرد أداة، صحيح أنه لا غنى عنها، ولكنها لا تصنع المعجزات دون موهبة.

 وطيلة عقود، حاول المُصنِّعون تطوير عدسات الكاميرات في الوقت الذي تدرَّب فيه المُصورون على استخدامها، لكن يبدو أننا على شفا حقبة جديدة ستصبح فيها عدسات الكاميرا شيئًا من الماضي.

فقد تمكن علماء من معهد كاليفورنيا للتقنية «كالتيك» من ابتكار تقنية جديدة تمثل بديلًا لعدسة الكاميرا التقليدية. يعتمد الابتكار على تكنولوجيا لاستشعار الضوء، تُسمي بـ«المصفوفات الطورية الضوئية optical phased array»، إذ يجري إحلال مجموعة طبقات رقيقة جدًّا من السيليكون تتميز بقدرة عالية على تجميع الضوء وتركيزه لتكوين الصورة محل الزجاج المنحني اللازم لتصنيع العدسات. ويأمل الباحثون في أن تُسهِم دراستهم في إكساب مجموعة واسعة من الأسطح المسطحة خاصية جمع الصور والتقاطها.

وتستخدم المصفوفات الطورية في الاتصالات اللاسلكية وأجهزة الرادار، وهي عبارة عن مجموعة من أجهزة الإرسال الفردي تصدر إشارات في صورة موجات. تتداخل هذه الموجات بعضها مع بعض بشكل بَنَّاء وآخر مدمر، إلا أنها يمكنها تضخيم الإشارة في اتجاه واحد في حين يجري إلغاء ذلك في أي اتجاه آخر. وهكذا، تستطيع المصفوفة أن تخلق حزمة محكمة التركيز للأشعة، يمكن توجيهها في اتجاهات مختلفة عبر تدوير توقيت عملية الإرسال في نقاط مختلفة.

قُدمت الدراسة في مؤتمر جمعية البصريات الأمريكية (OSA) حول الليزر والبصريات الكهربائية (CLEO) ونُشرت من قِبَل OSA على الإنترنت في مارس 2017.

أسرع 100 مرة

تتميز المكونات السيليكونية التي ترتكز عليها صناعة الكاميرات الجديدة بأنها شديدة الحساسية للضوء، ورقيقة من حيث السُّمك، وخفيفة الوزن جدًّا. ويجري تلقِّي موجات الضوء من قِبَل كل عنصر حساس للضوء في المصفوفة؛ حيث تتداخل معًا، بحيث يلغي أيٌّ منها الآخر، إلا من اتجاه واحد فقط. في هذا الاتجاه، تعمل الموجات على تضخيم وتقوية بعضها بعضًا لخلق التركيز المطلوب الذي يمكن التحكم به إلكترونيًّا.

ووفق الدراسة المنشورة مؤخرًا في مجلة البصريات الأمريكية، فإن المصفوفة المستخدمة لديها حساسية عالية لموجات الضوء، وهي قادرة على تجميع الأشعة الضوئية من كافة الاتجاهات، ما يجعلها ذات قدرة عالية على التصوير في الأماكن خافتة الإضاءة، بسرعة لا تُصدق، على حد قول رضا فاطمي، الباحث بالمعهد، لموقع معهد كاليفورنيا للتقنية، والذي جاء فيه أن خاصية تجميع الضوء بواسطة المصفوفات السيليكونية تجعل الاستغناء عن الأجزاء الميكانيكية في الكاميرات التقليدية ممكنًا، وبالتالي فإن الوقت اللازم لتحريك الجزء الميكانيكي تم اختزاله في عملية تشكيل الصورة، ما جعل التصوير أسرع 100 مرة على الأقل من المعتاد.

غير أن الباحث الرئيسي في الدراسة، وأستاذ الهندسة الكهربائية في كالتيك، علي حجميري، يقول في تصريح لـ«للعلم»: إن الابتكار لا يزال في بداية الطريق، فجودة الصورة «متدنية»، ولا يجب مقارنتها بالصور الرقمية، كما أن درجة التباين لا تزال منخفضة، بسبب طبيعة المصفوفة التي تمت صناعتها، وعدد الخلايا «القليل جدًّا». إلا أنه عاد وأكد أنه وفريقه سيُدخلون مزيدًا من التعديلات على النموذج الأولي لابتكارهم الجديد، على أمل أن يحل محل العدسات في الكاميرات العادية وكاميرات الهواتف المحمولة.

توقيت الفيمتوثانية

في الكاميرات الرقمية التقليدية، تُستخدم العدسات لتركيز الضوء على جهاز استشعار رقمي، وتُصنع بواسطة دمج مجموعة من العدسات المقعرة والمحدبة يختلف عددها وترتيبها وفق نوع العدسة ووظيفتها، وعند توجيها لتصوير مشهد ما، تعمل العدسة على تجميع الضوء المنعكس على الجسم المراد تصويره.

 يدخل الضوء من فتحة العدسة عبر بوابة من الشرائح المعدنية تتحكم في نصف قطر العدسة بواسطة غالق ميكانيكي يتحكم في الفترة التي يتعرض لها المستشعر للضوء. ينكسر الضوء داخل العدسة بزاوية يُحددها البُعد البؤري للعدسة الذي يختلف تبعًا لنوعها والغرض منها، ويصل إلى المستشعر الرقمي الصغير المكوَّن من شريحة إليكترونية تقوم بتحويل الضوء إلى إشارة كهربائية تسري في دائرة إليكترونية وصولاً إلى معالج الكاميرا، الذي يقوم بتحويلها إلى صورة رقمية وتخزينها على كارت الذاكرة الذي عادةً ما يكون مدمجًا في الكاميرا.

ويقوم المُصور -أو الكاميرا المزودة بخاصية التركيز التلقائي- بضبط تركيز الصورة للتحكم في كمية الضوء الوارد إلى الكاميرا، فكلما زادت كمية الضوء تقل مساحة فتحة العدسة للحفاظ على التبايُن، والعكس صحيح.

غير أن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة للكاميرا الجديدة؛ إذ إنها تمتلك عوضًا عن العدسة 64 من المستقبِلات الضوئية عالية الحساسية والمصفوفة بشكل متقاطع على هيئة مربع مُكون من خلايا بعدد 8*8، يجري توجيهها للمشهد المراد التقاطه، فتقوم بتجميع الضوء اللازم للتصوير، وإسقاطه على معالج رقمي بسيط يقيس فرق السطوع، ويُكوِّن الصورة في جزء من مليون من الثانية، من خلال التحكم في توقيت اللقطة بسرعة لا تزيد عن الفيمتوثانية.

يقول حجميري لـ«العلم»: "إن الابتكار الجديد أمامه ما لا يقل عن 5 سنوات حتى يُطرح في الأسواق". يستطرد: "حينها ستحدث ثورة تعيد التفكير في الأسس التي يقوم عليها عالم تقنيات التصوير اليوم"، على حد قوله، مشيرًا إلى الأسباب التي تقف وراء ذلك: "إذ إن سمك المصفوفة الضئيل سيجعل الكاميرات مسطحة تمامًا، كما أن سعرها الرخيص ووزنها الخفيف سيجعلانها في متناول الجميع".

هواة التجريب

هناك أنواع مختلفة من عدسات التصوير، منها العدسات الطويلة التي تُستخدم لتصوير لقطات بعيدة ولها القدرة على إظهار الجسم المستهدف بتفاصيل دقيقة، وعدسات التقريب التي تقوم بتصوير اللقطات المقربة للأجسام الصغيرة، وعدسات الزاوية العريضة المناسبة لتصوير التجمعات، لذا يستبعد مصور الوكالة الصينية، أحمد جمعة أن تحل المصفوفات الطورية البصرية محل العدسات التقليدية في المستقبل القريب، فـ"حتى مع قدرتها على تجميع الضوء لن تصلح المصفوفات في تجميعه مع المسافات البعيدة" وفق رأيه. ويضيف جمعة: "إن الابتكار الجديد ربما يتم استخدامه في مجال التصوير الثابت من مسافات قريبة".

ويرى جمعة -الذي اطلع على نتائج الدراسة كاملة- أن المخاطرة باستخدام الابتكارات الجديدة في مجال التصوير "لا تروق للمحترفين"، على حد قوله؛ فـ"الثقة في إمكانيات الكاميرات التقليدية" تجعل الانتقال لتقنية أخرى "قفزة كبيرة" قد لا يستوعبها سوق التصوير، مشيرًا إلى أن دقة الصورة المصنوعة بواسطة المصفوفات "لا تزال ضئيلة لدرجة تجعل من الاستحالة استخدامها في الوقت الراهن، خصوصًا مع التطور الهائل في مجال تصنيع العدسات العادية"، غير أنه يعود ويؤكد أن التقنية الجديدة قد تكون مناسبة للاستخدام بالنسبة «لهواة التجريب».