"مشكلة مذهلة!"، هكذا وصف العالم الهولندي "بيرنارد فيرينجا" -الحائز جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2016- مشكلة إعادة تدوير غاز ثاني أكسيد الكربون للتعامل مع الكميات الهائلة من انبعاثات هذا الغاز في غلافنا الجوي، والذي يُعَد أحد الأسباب الرئيسية في ظاهرة الاحتباس الحراري ومشكلة التغير المناخي.

وأوضح فيرينجا -في تصريحات لـ"للعلم"- أن المشكلة الأساسية التي تواجه فكرة إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون هي أنه مركب مستقر للغاية، وبالتالي فإنه يحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة من أجل تحويله إلى مركب كيميائي آخر. وللتغلب على تلك المشكلة ينبغي استخدام عامل محفز يمكنه خفض الطاقة اللازمة لعملية تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مركب آخر.

ويؤكد فيرينجا أيضًا أن "التحدي الحقيقي هو تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل، فتتحول دورته إلى دائرة مغلقة ويصبح قابلًا لإعادة التدوير؛ إذ سنتمكن من استخدام ثاني أكسيد الكربون المنبعث من حرق الوقود لإنتاج وقود جديد، ونكون بذلك قد أوجدنا حلًّا مستدامًا لمجابهة الانبعاثات الهائلة لذلك الغاز".

البحث عن حلول

يبدو أن هذه "المشكلة المذهلة" في طريقها إلى الحل. فقد تمكن فريقان بحثيان تابعان للأكاديمية الصينية للعلوم من تطوير عوامل حفازة جديدة، يمكنها تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى وقود الجازولين.

فقد استطاع العلماء استحداث محفزات كيميائية من الزيوليت (مجموعة معادن تحتوي على نسبة كبيرة من الماء، منها سيليكات الألومنيوم والصوديوم والكالسيوم)؛ وذلك لتحويل غازي ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين إلى مركبات تضم سلاسل كربونية تتراوح أطوالها بين 5 ذرات و11 ذرة من الكربون، تحت درجة حرارة عالية. الأمر الذي يعني إنتاج مركبات هيدروكربونية مستقرة في صورة سائلة يمكن استخدامها وقودًا مثل الجازولين. وقد نُشرت تلك النتائج في دوريتي "نيتشر كيميستري" و"نيتشر كومينيكيشن" منتصف العام الجاري.

الجازولين

استطاع الفريق البحثي الأول -بقيادة عالِم الكيمياء الصيني "يو هان صن"، بمعهد شنغهاي للأبحاث المتقدمة- تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى الجازولين عبر استخدام عامل حفاز يتكون من أكسيد الإنديوم المختزل جزئيًّا (Partially-reduced Indium Oxide)، بالإضافة إلى زيوليت سوكوني موبيل-5 (Zeolite Socony Mobil-5).

وتحدث عملية التحويل في خطوتين؛ إذ يعمل أكسيد الإنديوم على تحويل ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين إلى الميثانول (الكحول الميثيلي)، ثم يعمل الزيوليت على تحويل الميثانول إلى مركبات هيدروكربونية أكثر استقرارًا يمكن استخدامها وقودًا. وبتلك الطريقة يمكن تحويل نحو 13% من ثاني أكسيد الكربون الداخل في التفاعل إلى وقود.

في السياق ذاته، استخدم الفريق البحثي الثاني -من معهد داليان للفيزياء الكيميائية بقيادة عالِم الكيمياء "كينجي جي"- خليطًا مختلفًا من العوامل الحفازة؛ إذ استُخدم الماجنتيت المختزل جزئيًّا (Partially-reduced Magnetite) بجانب الزيوليت. وباستخدام هذا المزيج المختلف جرى تحويل نسبة أكبر من ثاني أكسيد الكربون الداخل في التفاعل إلى وقود الجازولين لتصل إلى 22%.

التحديات

يوضح جي -في تصريح لـ"للعلم"- أن "الطريقة الجديدة لتحويل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل يمكنها أن توفر حلًّا مستدامًا لمشكلة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المستقبل".

وعن التحديات التي تواجه تلك الطريقة الجديدة يقول جي: "بطبيعة الحال هناك العديد من التحديات التي نواجهها، أبرزها توفير مصادر لغاز الهيدروجين بجانب كيفية احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون، إلا أن الفريق البحثي يعمل حاليًّا على التغلُّب على تلك الصعاب وتطوير العامل الحفاز الجديد كي يصبح صالحًا للاستخدام على نطاق واسع، وإذا صار كل شيء على ما يرام، آمل أن يتم استخدام العامل الحفاز الجديد لتصنيع الجازولين من ثاني أكسيد الكربون في غضون 5 سنوات".

وتُعَد إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون أحد أهم التحديات التي تواجه علماء الكيمياء في العصر الحالي. إذ احتل هذا الملف قائمة الموضوعات التي جرت مناقشتها في الدورة الـ67 لملتقى لينداو السنوي لحائزي جائزة نوبل والذي عُقد في يونيو الماضي وجرى تخصيصه لعلوم الكيمياء. ويُعَد ملتقى لينداو أحد أهم الملتقيات العلمية التي تهدف إلى استشراف حلول علمية للتحديات الضخمة التي تواجه البشرية كلها.

وخصص الملتقى جلسةً لمناقشة إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون في صورة وقود اصطناعي، شارك فيها علماء حاصلون على جائزة نوبل والعديد من السياسيين وصناع القرار العالميين، بجانب شباب العلماء والباحثين.

الاحتباس الحراري

إن حرق الوقود الأحفوري -كالبترول والفحم والغاز الطبيعي- لإنتاج الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء أو تشغيل المصانع أو تسيير المركبات تنتج عنه كميات هائلة من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون قُدرت بحوالي 36 مليار طن في عام 2015 فقط.

وتُسهِم تلك الانبعاثات في رفع درجة حرارة الأرض، فيما يُعرف باسم "ظاهرة الاحتباس الحراري"، التي تشمل تأثيراتها ذوبان الجليد عند قطبي الكرة الأرضية، الذي سيؤدي بدوره لارتفاع منسوب مياه البحر وبالتالي غرق العديد من المدن الساحلية المكتظة بالسكان مهددًا الأنشطة الاقتصادية. بجانب هذا ستزداد نسبة التصحر والجفاف فيتراجع إنتاج المحاصيل الرئيسية كالقمح والذرة، مما ينذر بكارثة في ظل النمو السكاني العالمي المتسارع.

بالإضافة إلى ذلك ستزداد درجة حموضة المحيطات، مما سيهدد حياة الكائنات البحرية. وفي العموم سيصبح 30% من أنواع الكائنات الحية عرضةً للانقراض. ما يعني أن إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون تُعَد تحديًا مهمًّا لعلماء الكيمياء لمواجهة العديد من الأزمات المتوقعة وإنقاذ البشرية.

أبولو كيميائي

من جهتها، دعت عالِمة الكيمياء الشابة "أنا إيبل" -من جامعة جراتس للتكنولوجيا بالنمسا- إلى توحيد جهود العلماء من مختلِف أنحاء العالم لمواجهة ذلك التحدي العالمي، قائلةً: "نحتاج إلى مشروع أبولو كيميائي لإعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون"، في إشارة إلى مشروع أبولو الضخم، الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته لإرسال البشر إلى القمر!