كشفت دراسة علمية عن جزيء جديد يُمكن أن يُساعد على عرقلة تحرير الجينات باستخدام تقنية "كريسبر"، التي تُعد إحدى التقنيات الواعدة والمهمة في مجال تحرير الجينات والإسهام في علاج عدد كبير من الأمراض الوراثية.

وتعمل تقنية كريسبر كمقص حيوي قادر على قطع شريط الحمض النووي في مناطق محددة، وإدخال الجينات السليمة محل المعطوبة، إلا أن تلك التقنية تواجه عددًا من التحديات الكبيرة، من ضمنها عدم وجود إجراء مُضاد لها، وأيضًا صعوبة التحكم في نواتجها.

لذا؛ سعى الباحثون طيلة السنوات الماضية للتفكير في طريقة تجعل تلك العملية أكثر دقةً وفاعليةً وأمنًا للتحكم في تقنيات التحرير الجيني وحظرها وعكسها.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "سيل" (Cell)، ربما يكون العلماء قد وضعوا أقدامهم في بداية ذلك الطريق؛ إذ يمكن للجزيء الجديد عرقلة عملية تحرير الجينات بسهولة، وغلق مسار الجينات غير المرغوب تحريرها، ما يعني أن تكون الأداة الرئيسية –كريسبر- قادرةً على تحرير الجين وتغييره، دون المساس بالجينات الأخرى.

ويقول "أميت شودري" -الباحث في برنامج علوم الأحياء بمعهد ماساتشوستس وجامعة هارفارد، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن القدرة على تسخير ذلك الجزيء في شكل عقار يتيح السيطرة المناسبة على تقنيات كريسبر، وهي السيطرة التي ستجعل تقنية كريسبر مناسبةً للاستخدام دون الخوف من نتائج تعديلها للجينات؛ إذ يُمكن استخدام المقص الجزيئي والدخول في المكان المراد فقط، وإزاله الجين المعطوب دون المساس بالجينات الأخرى، ودون أن تؤثر كريسبر عليها بأي شكل من الأشكال".

يعمل المركب المُصنع الذي يُطلق عليه "BRD0539" على منع الإنزيم المستخدم في تقنية كريسبر من الارتباط بالحمض النووي من الأساس. وهو ما يعني وجود تحكُّم شبه كامل في عملية تحرير الجينات، وفق "شودري".

حتى الآن، قام العلماء بتحديد العديد من البروتينات التي تستطيع غلق مسارات الإنزيم المستخدم في عملية تحرير الجينات، إلا أن تلك البروتينات غالبًا ما تكون كبيرة الحجم، وبالتالي لا تستطيع دخول الخلايا، كما لا يُمكن عكسها بسهولة، ويُمكن تمييزها ومهاجمتها من قِبَل الجهاز المناعي للجسم.

أما المركب الجديد، فقد استطاع التغلب على كل تلك القيود، فحجمه يتيح له التعامل مع كتل تزن أقل من 500 دالتون –وحدة صغيرة لقياس الكتلة تُساوي 1 على 12 من كتلة ذرة الكربون- وهو ما يعني قدرته على النفاذ إلى الخلايا، والاستقرار داخلها، ومنع تعديلها.

استغرق العمل على تلك الورقة 6 سنوات كاملة، قام فيها الفريق العلمي بفحص 15000 مركَّب محتمل؛ للعثور على الجزيء الأكثر فاعلية في تثبيط كريسبر.

ويضيف "شودري" أن "استقرار المركب في الخلايا لا يعني على الإطلاق صعوبة التخلُّص منه بعد إتمام عملية التحرير في الجين المطلوب؛ إذ يستطيع العلماء تنشيطه للخروج في بلازما الدم، ومن ثم سحبه بسهولة وفاعلية.

ورغم أن "شودري" يرى أن النتائج تضع الأساس للتحكم الكيميائي الدقيق في أنشطة "كريسبر-كاس9"، وهو الأمر الذي يتيح الاستخدام الآمن لهذه التقنية، إلا أنه يعود ويؤكد أن التطبيق "غير جاهز فيما يخص البشر"؛ إذ لم يجر اختبار الجزيء أو فاعليته في الكائنات الحية.

يقول "شودري": تلك الدراسة تقدم دليلًا على مفهوم إمكانية تحرير الجينات تحت السيطرة الكاملة، والخطوة التالية ستتضمن البحث حول مدى أمان استخدام الجزيء في الكائنات الحية.