تمكَّن باحثون مصريون من إيجاد علاج آمن وفعال ورخيص الثمن لمرض البهاق، الذي يُعَدُّ أحد الأمراض الجلدية التي تؤثر تأثيرًا بالغًا على نفسية المصاب، خاصةً إذا أصاب بشرة الوجه والأطراف.

 استعان الفريق البحثي بعقارين: أحدهما يُستخدم لتثبيط الجهاز المناعي، والثاني لعلاج السرطان.

وكما أوضح الباحثون بقسم الأمراض الجلدية والتناسلية جامعة طنطا، في دراسة نشروا نتائجها في دورية "كوزماتيك ديرماتولوجي" (Journal of Cosmetic Dermatology) أنهم جربوا عقار "تاكروليموس" (Tacrolimus) المستخدم لخفض مناعة جسم الإنسان الذاتية، وتقليل ظاهرة رفض الأعضاء المزروعة، وعقار "فلورويوراسيل-5" (5‐Fluorouracil) الذي يستخدم لعلاج أنواع عدة من السرطان، وبخاصة سرطان الجلد.

ووفق الدراسة، جرب فريق البحث طريقةً تعتمد على وخز البشرة بالإبر الصغيرة أو الـMicro Needling لإيصال المراهم بصورة أفضل إلى طبقات الجلد الداخلية، وعقب وضع المادة الفعالة للعقارين موضعيًّا، قاموا بلف الجلد بمادة بلاستيكية رقيقة تُستخدَم عادةً للتغليف؛ للاحتفاظ بالمراهم لأطول فترة ممكنة، وإيصال جرعة كبيرة من المادة الفعالة إلى داخله.

جرت تجربة العلاج على 25 مصابًا بالبهاق، وكان لدى كل مريض بقعتان مخروطيتان، عولجت كل بقعة منهما بأحد العقارين. وكان المرضى يتلقون جلسةً علاجيةً مرةً كل أسبوعين، لمدة 6 أشهر، بإجمالي 12 جلسة، وبعد الانتهاء من البرنامج العلاجي، جرت متابعتهم لمدة 3 شهور إضافية.

والبهاق أحد الأمراض الجلدية التي ليس لها علاج فعال حتى الآن، وتُعرف بزوال اللون الطبيعي للجلد، بحيث يظهر على شكل بقع بيضاء واضحة تتسع بالتدريج، بسبب فقدان الخلايا الملونة melanocytes التي تنتج مادة "الميلانين".

وينتج البهاق عن تحطُّم خلايا "القتامينية" المتخصصة في إنتاج صبغة الجلد، ونتيجة لذلك، تظهر رقع بيضاء على أجزاء مختلفة من الجلد، حتى إن الشعر الذي ينمو في المناطق المصابة يبيضُّ لونه في العادة.

مقارنة النتائج

وبالمقارنة بين تأثير العقارين، وجد الباحثون أن عقار "فلورويوراسيل-5" حقق نتائج أفضل من عقار "تاكروليموس"، إذ تحسنت 48% من البقع المنتشرة في المناطق الداخلية من الجسم التي عولجت بالعقار الأول، مقابل 16% للعقار الثاني.

وأثبتت الدراسة أيضًا أن 40% من البقع الموجودة في الأطراف حققت نتائج ممتازة بعدما عولجت بعقار "فلورويوراسيل-5"، في حين لا يوجد تحسُّن ممتاز لبقع الأطراف التي عولجت بعقار "تاكروليموس".

علاج الأطراف

من جانبها، قالت "لمياء الجارحي" -أحد أعضاء فريق البحث الرئيسيين، والباحثة في قسم الأمراض الجلدية والتناسلية، جامعة طنطا- إن العلاج بكلٍّ من "فلورويوراسيل-5" و"تاكروليموس" أثبت أنه آمن وفعال في علاج البهاق، وخاصة بالنسبة للأطراف التي تُعَد من أصعب مواضع البهاق التي لا تستجيب بسهولة للعلاجات التقليدية، وعندما عولجت بعقار "فلورويوراسيل-5" تحسنت بصورة ممتازة بنسب بلغت 40%، في حين لا تتعدى نسب النجاح في الطرق التقليدية 5%.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، أضافت الجارحي أن نسب نجاح العلاجات التقليدية، التي تتمثل في العلاج بالمراهم الموضعية أو العلاج بالأشعة فوق البنفسجية، التي تنشط الخلايا في محيط البقع المصابة بالبهاق، لا تتعدى 20%، وقد تستمر مدة العلاج شهورًا، وربما سنوات؛ حتى تحقق نتائج جيدة.

وعن الآثار الجانبية التي ظهرت على المرضى، أوضحت أن البقع التي عولجت بعقار  "فلورويوراسيل-5" صاحَبَها ظهور احمرار والتهاب بسيط على الجلد، وكان يختفي خلال أيام، أما عقار "تاكروليموس" فلم تظهر له أي آثار جانبية؛ لأن هذا العقار المناعي يُستخدم في الأساس لعلاج الأمراض الالتهابية.

وأكدت الجارحي أن العلاج بالعقارين يُعَد رخيصًا نسبيًّا مقارنة بالعلاجات التقليدية، إذ يتوافر العقارين بأسعار معقولة، فمرهم المناعة لا يتعدى سعره 40 جنيهًا، أما العقار المعالج للسرطان فيبلغ حوالي 20 جنيهًا، وتكون التكلقة وفق عدد الجلسات، وحجم البقع الموجودة بالجسم.

وعن الخطوات المقبلة للفريق، أشارت إلى أن الفريق يتطلع لإجراء دراسة على نطاق واسع، تشمل عددًا أكبر من مرضى البهاق، بالإضافة إلى زيادة عدد جلسات العلاج، ومراقبة النتائج النهائية.

طرق مختلفة للعلاج

ورأت "منى الفنجري" -رئيس قسم الأمراض الجلدية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا- أن النتائج التي توصل إليها فريق البحث، تُعَدُّ جيدة، وخاصةً بالنسبة لعلاج البهاق الذي يصيب الأطراف.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضافت أن الأطراف من المناطق التي عادةً ما تقاوم العلاج بالطرق التقليدية، لذلك عادةً ما نبحث لها عن طرق مختلفة لكي تحقق نتائج جيدة.

لكن في المقابل، أشارت إلى أن مادة "5-فلورويوراسيل" الموجودة في عقار الأورام، قد تكون لها آثار جانبية، كإصابة المنطقة المعالجة بالقرح، لذلك يُستحسن ألَّا تُستخدم في مناطق واسعة من الجلد، بل يقتصر استخدامها على بقع البهاق الصغيرة، لتلافي تلك الآثار.

ونوهت الفنجري بأن "تاج الدين عنبر"، أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة المنيا، كان من أوائل مَن استخدموا مادة "5-فلورويوراسيل" لعلاج البهاق في مصر، لكنه اعتمد على سنفرة الجلد بالليزر، لإيصال تلك المادة إلى طبقات الجلد الداخلية، وكانت النتائج إيجابية.

وأوضحت أن طريقة وخز البشرة بالإبر الصغيرة التي تساعد على إيصال الأدوية بصورة أفضل إلى الجلد ليست بالجديدة، وتُستخدم منذ مدة طويلة، مضيفةً أن النسب التي وصل إليها الفريق في علاج البهاق تُعَدُّ جيدة، لكنها بالطبع أُجريت على عينة صغيرة، وتحتاج من الفريق إلى مواصلة الأبحاث لتشمل التجارب عينةً أكبر من المرضى لمراقبة النتائج.