وُلد من دمٍ، وخاض معركةً ملحميةً للسيطرة على الكون، هو ابن "غايا" –إلهة الأرض- ومن ظهر "أورانوس" –إله السماء- لطالما استخدم الأشجار كالرماح، وخاض المعارك مستقبِلًا النيران بصدرٍ مفتوح، أحد عمالقة الأساطير اليونانية، لكن نهايته كانت حزينة، فـ"زيوس" –كبير الآلهة- قرر القضاء عليه، طرده من نعيم السماء، وتحت جبل "إتنا" في صقلية دفنه، فكان مرقده الأبدي، أسفل بركانٍ خامد لم يثر منذ سنوات.

قرونٌ مضت، وانتهت أسطورة العملاق "إنسيلادوس" Enceladus، سقط في ذاكرة النسيان، ثم عاد -في وقتنا الراهن- ليتردد اسمه على الألسن، لا بصفته عملاقًا أسطوريًّا من عمالقة اليونان، لكن بوصفه قمرًا من أقمار كوكب زُحل، المنتمي لمجموعتنا الشمسية، والذي قد يحوي سرًّا قد يُغير مجرى دراسات الفضاء.

فوفق دراسة علمية نُشرت مؤخرًا في دورية "نيتشر كوميونيكيشن"، يُمكن لبعض الميكروبات أن تنمو وتنتج الميثان من تفاعلات غازي ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين ضمن الظروف المُناخية المميزة للقمر.

ويقترح مؤلفو الدراسة أن الهيدروجين الكافي لدعم هذه الميكروبات يُمكن أن يَنتج عن تفاعلات جيوكيميائية تحدث في النواة الصخرية لذلك القمر.

فبالإضافة إلى المحيط المائي الموجود تحت قشرته الجليدية، يحتوي إنسيلادوس على مركبات الحياة المختلفة، كغازات الميثان وثاني أكسيد الكربون والأمونيا، علاوةً على الهيدروجين الجزيئي الذي يُمكن أن يُنتح، أو يُستخدم في نمو الكائنات الحية الدقيقة.

بقعة ساخنة

إن الكشف عن جزيئات الغبار الغنية بالسيليكا، والتي تُعَد مؤشرًا على النشاط الهيدروحراري المستمر hydrothermal activity في سطح إنسيلادوس، بالإضافة إلى وجود جزيئات الماء والجزيئات العضوية، جعل من القمر الجليدي لكوكب زحل "بقعةً ساخنة" في جهود البحث عن الحياة المحتملة خارج كوكب الأرض.

وتقول الدراسة إن الحياة يُمكن أن تزدهر في ظل الظروف المتوقعة على القمر باستخدام تلك الغازات، إذ تتغذى تلك الكائنات الدقيقة عليها وتقوم بتوليد الميثان –كمنتج ثانوي- لتفرج عنه في غلافه الجوي.

وبذلك ينضم إنسيلادوس إلى كلٍّ من كوكب المريخ وقمر المشتري المعروف بيوروپا، بوصفه واحدًا من الأماكن المحتملة في المنظومة الشمسية التي تحوي حياةً خارج الأرض. وإنسيلادوس هو أحد أقمار كوكب زحل، ويشغل الترتيب السادس بينها من حيث الحجم.

ووفق المؤلف الرئيسي للدراسة "سيمون ريتمان"، الذي يدرس علوم الأحياء الدقيقة بجامعة فيينا، فإن النتائج التي توصل إليها فريقه البحثي تُشير إلى احتمالية وجود حياة على المستوى المجهري في القمر "إنسيلادوس"، قائلًا -في تصريح خاص لـ"للعلم"-: "علينا أن نزود البعثات الفضائية المستقبلية إلى الأقمار الجليدية -وبخاصة إنسيلادوس- بأجهزة قادرة على الكشف عن الحياة المجهرية على أسطحها".

رحلة كاسيني الثورية

في أكتوبر من العام 1997، أرسلت وكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا" مركبتها الثورية "كاسيني"؛ لبدء مرحلة جديدة كُلِّيًّا من الاكتشافات، كان الغرض منها الوصول إلى كوكب زُحل لدراسة حلقاته، وأقماره، عبر الاقتراب منه وتصوير سطحه.

زودت تلك المركبة البشر بالكثير من المعلومات حول الكوكب، الذي يبعد عن الأرض بنحو 1.2 مليار كيلومتر، كما كشفت عن بعض المعلومات حول قمره "إنسيلادوس" الصغير، الذي يبلغ قطره نحو 500 كيلومتر.

قبل وصول "كاسيني" إلى النظام الكوكبي لزُحل، ظل العلماء يُلمِحون إلى وجود شيء مثير للاهتمام في "إنسيلادوس"؛ ففي العام 1980، أرسلت المركبة الفضائية "فوياجر" صورًا للقمر وضَّحت وجود "لمعان غير عادي في سطحه".

أما "كاسيني" فقد كشفت عن وجود شيءٍ ما أكثر من مجرد اللمعان؛ إذ قالت البيانات التي أرسلتها المركبة إن ثمة عالمًا خفيًّا تحت القشرة الجليدية، عالم من مياه مالحة سائلة، ومواد كيميائية تتدفق بسرعة 400 متر في الثانية، لتشكِّل أعمدةً تمتد لمئات الكيلومترات في الفضاء.

وقالت البيانات إن ذلك القمر ينفث أبخرةً لسوائل يُشتبه في كونها دافئةً، تشبه الأبخرة نظيرتها الموجودة على الأرض، والتي ترتبط بوجود الحياة.

كما كشفت المركبة آنذاك عن وجود جسيمات نانوية غريبة، وسيليكا، يُمكن أن تتولد فقط في حالة تفاعُل الماء السائل مع الصخور في درجات حرارة أعلى من 90 درجة مئوية، وقتها، قالت "ليندا سبيكر" -عالِمة مشروع كاسيني في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا-: إن إنسيلادوس غيَّر وجهة نظر العلماء تجاه علوم الكواكب إلى الأبد.

البحث عن دليل دامغ

الحياة –كما نعرفها- تحتاج إلى ثلاثة عوامل للازدهار: كيمياء وطاقة ومياه، ولحسن الحظ، ووفق ما زودتنا به المركبة "كاسيني"، فإن تلك العوامل تتوافر على سطح القمر "إنسيلادوس"، وفق سبيكر.

لكن، هل يعني وجود تلك العوامل احتمالية وجود حياة على ذلك القمر في أي وقت مضى؟

الإجابة عن السؤال يُقدمها "كريستوفر ماكاي"، الباحث في مجال بيولوجيا الفضاء لدى ناسا، والذي قال -في تصريح خاص لـ"للعلم": إن الحياة على سطح ذلك القمر "ممكنة جدًّا من الناحية النظرية".

ويُشير ماكاي إلى أن عددًا من الدراسات السابقة طرحت مجموعةً من البيانات التي تعضد من احتمالية نشوء حياة على المستوى المجهري في إنسيلادوس، لكن وللأسف –والكلام لا يزال على لسان ماكاي- لم تكن المهمة كاسيني مزودةً بأجهزة لتتبُّع الآثار البيولوجية للكائنات الحية واكتشافها، "ما يجعل الدراسات مُجرد تكهنات لا ترقى إلى مستوى الدليل العلمي الدامغ".

أدلة مماثلة على الأرض

على سطح كوكبنا الأزرق الذي يعج بالحياة، كائنات دقيقة تُعرف بمُولدات الميثان Methanogen، قديمة قدم الحياة، تقوم تلك الكائنات –كروية أو عصوية الشكل- باستهلاك غازي الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، لتنتج الميثان، في بيئات خالية تمامًا من الأكسجين، وتُعد تلك العملية إحدى أكثر العمليات الحيوية دعمًا لنشوء الحياة على سطح الأرض؛ إذ هي المرحلة الأخيرة لإنتاج الكربون، وهي مسؤولة بشكل أساسي عن دعم العمليات الإيكولوجية على سطح الأرض.

تجري تلك العملية على النحو التالي: تقوم الكائنات الدقيقة بأكسدة غاز الهيدروجين، واختزال ثاني أكسيد الكربون، لإنتاج الميثان والماء، ضمن عملية تُثبت القدرات الحيوية الهائلة لتلك الكائنات، والتي يُمكنها العيش في ظروف قاسية، ترتفع فيها الضغوط والحرارة أو تنخفض إلى درجات لا يُمكن أن يتحملها كائن آخر.

قدمت دراسة سابقة نُشرت في مجلة "ساينس" دلائل قاطعة على أن تلك العملية أَسهمَت في تكوين الميثان ضمن الظروف المناخية الأكثر تطرفًا على كوكب الأرض، الرصيف الجليدي في نورث جرينلاند.

مزيد من المتابعة

في مُحاولة لفهم سلوك الميكروبات التي يُحتمل وجودها على "إنسيلادوس"، قام العلماء الذين نفذوا الدراسة الجديدة بزرع مجموعة من الكائنات الحية الدقيقة داخل المعمل، تحت ظروف تركيبات الغازات ونسبها والضغوط المماثلة لتلك الموجودة على قمر زحل.

بعد إتمام عملية الزرع داخل المعمل، عمل الفريق البحثي على مراقبة تلك الكائنات، ليكتشفوا أن أحد أنواع تلك الكائنات "ميثانوثرموكوكوس أوكيناوينزيس" أنتج غاز الميثان عبر أكسدة الهيدروجين واختزال ثاني أكسيد الكربون.

"ترجع أهمية الدراسة الجديدة إلى أن الفريق العلمي تمكَّن من الإثبات –بشكل تجريبي- أن الميثانوجينات –الكائنات المُولدة للميثان- يُمكن أن تعيش في الظروف المناخية للقمر إنسيلادوس"، يقول "كريستوفر"، مشيرًا إلى أن تلك الدراسة "خطوة يجب أن تتبعها خطوات أخرى، أهمها إرسال بعثة جديدة مزودة بالأجهزة اللازمة لكشف الآثار البيولوجية للكائنات الدقيقة المحتمل وجودها على سطح إنسيلادوس أو في أعماقه".

ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة "سيمون ريتمان" إن الحياة يُمكن أن تزدهر "من حيث المبدأ" خارج المنطقة الكلاسيكية القابلة للسكنى، غير أنه يعود ويؤكد أن الدراسة التي استغرق تنفيذها 5 سنوات كاملة "تحتاج إلى مزيد من المتابعة"؛ فإعلان وجود حياة خارج كوكبنا الأزرق "إعلان ضخم، يقتضي دليلًا كبيرًا غيرَ متوافر في الوقت الراهن".