قبل عام و3 أشهر، استعاد مريض بالشلل الرعاش عمره 69 عامًا قدرته على عيش حياة شبه طبيعية بعد زرع خلايا جلدية جرت برمجتها لإنتاج مادة الدوبامين في دماغه، إذ تمكن مجددًا من ربط حذائه وممارسة السباحة وركوب دراجته، وفق نتائج دراسة نشرتها آنذاك دورية (نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين)، ويعاني مرضى باركنسون من تلف وتحلُّل الخلايا العصبية التي تُنتج الناقل العصبي "الدوبامين"، الأساسي لأداء الحركة الطبيعية، ما يؤدي إلى ظهور أعراض المرض، وأبرزها الرُّعاش وتباطُؤ الحركة وتيبُّس العضلات وفقدان الحركات التلقائية، بالإضافة إلى تغيُّرات الكلام، وتغيُّرات في القدرة على الكتابة.

وتحقق العلاج الناجح لهذا المريض بعد نحو عامين من قيام فريق في جامعة هارفارد الأمريكية بزرع خلايا جلد الرجل نفسه لإنتاج خلايا عصبية تفرز الدوبامين؛ لكي يقللوا بدرجة كبيرة احتمالات رفض الجهاز المناعي لها.

لكن هذا لا يزال نموذجًا فرديًّا، إذ لم تجر بعد اختبارات سريرية على نطاق واسع لتجربة علاج باركنسون بالخلايا الجذعية، ورغم مرور عقود على زرع أول خلايا دماغية جنينية في الإنسان عام 1987 في جامعة لوند في السويد، إلا أن مصير هذه التجارب كان التعليق الدولي في 2003؛ لأن الدراسات التي وُصفت بالمبكرة على الخلايا الجنينية أسفرت عن نتائج متباينة يستحيل تفسيرها، قبل أن يعاد إحياء تلك التجارب مرةً ثانيةً في عام 2014.

وينتمي هذا العلاج الذي لا يزال في طور التجربة، إلى نهج جديد قد يساعد في علاج باركنسون أو الشلل الرعاش، وذلك عن طريق استخدام الخلايا الجذعية المُحفَّزة متعددة القدرات (iPS)، التي تُخلّق عبر إعادة برمجة خلايا أنسجة من الجسم، مثل الجلد، بحيث تعود الخلية إلى ما يشبه الحالة الجنينية، ويمكن أن تتشكل إلى نوع آخر من الخلايا.

ويتضمن العلاج القياسي لداء باركنسون عقاقير، منها دواء "إل-دوبا" (l-dopa)، المُعتمد منذ 2003، والذي يخفف من الآثار الجانبية للمرض، لكنه قد يسبب أيضًا آثارًا جانبية، أبرزها اضطرابات بالجهاز الهضمي واضطرابات عصبية.

في المقابل، تهدف العلاجات الخلوية إلى الاستبدال بالخلايا العصبية المفقودة خلايا منتجة للدوبامين (خلايا دوبامينية) من أدمغة الأجنة، أو خلايا مشتقّة من الخلايا الجذعية البشرية.

وفي خطوة نحو تعزيز هذا العلاج التجريبي واختباره، طور باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية نوعًا جديدًا من الهيدروجيل (جل)، قالوا إنه يمكن أن يُغيّر جذريًّا طريقة علاج باركنسون.

وأوضح الباحثون، في دراستهم المنشورة حديثًا في دورية (Advanced Functional Materials)، أن الهيدروجيل الذي جرى تطويره بالتعاون مع معهد فلوري لعلم الأعصاب والصحة العقلية في أستراليا، يوفر الأمل للمرضى الذين عانوا من حالات عصبية أخرى مثل السكتات الدماغية، ويمكن استخدامه أيضًا لعلاج الركبتين أو الكتفين.

يقول البروفيسور ديفيد نيسبت، من كلية الأبحاث الطبية بالجامعة الوطنية الأسترالية، والباحث الرئيسي للدراسة: إنه على الرغم من أن الأدوية المرتبطة بالدوبامين هي علاج يُستخدم بسهولة للأشخاص المصابين بمرض باركنسون، إلا أن العديد من الأدوية لها آثار جانبية غير مرغوب فيها تتفاقم مع مرور الوقت، لكن تقنية زرع الخلايا الجذعية التي يتم إجراؤها بواسطة هذا الهيدروجيل تُجنِّب المرضى العديد من هذه الآثار.

وأضاف لـ"للعلم" أن الهيدروجيل الجديد يمكن أن يوفر تدخلًا لمرة واحدة يحافظ على مستويات الدوبامين مع إمكانية تخفيف أعراض المرض لعقود قادمة، وعلى المستوى السريري، سيكون إجراءً بسيطًا نسبيًّا بأقل تدخل جراحي، وهذا ما يجعله اكتشافًا مهمًّا، وفق رأيه.

مكونات المادة الجديدة

وتتكون المادة الجديدة من الأحماض الأمينية الطبيعية (اللبنات الأساسية للبروتينات)، وتعمل كبوابة لتسهيل النقل الآمن للخلايا الجذعية إلى الدماغ واستعادة الأنسجة التالفة عن طريق إطلاق بروتين يساعد على النمو يسمى (GDNF).

ومن خلال وضع الخلايا الجذعية في الهيدروجيل (مادة هلامية)، فإنها تتعرض لضغط أقل عند حقنها في الدماغ، بحيث يتم دمجها بلطف مع فرص أكثر نجاحًا.

وأوضح "نيسبت" أن الأحماض الأمينية الطبيعية تجعل الهيدروجيل طبيعيًّا تمامًا، إنه أيضًا نظام ذكي بمعنى أنه يبدو مثل الهلام، وعندما يمتزج مع الخلايا الجذعية، يتحول إلى سائل يُحقن في الدماغ من خلال أنبوب شعري صغير جدًّا، وبمجرد دخوله، يعود الهيدروجيل إلى شكله الصلب، موفرًا الدعم للخلايا الجذعية لتحل محل خلايا الدوبامين المفقودة.

جرب الفريق تقنية الهيدروجيل على فئران التجارب التي أحدثوا فيها إصابات بالخلايا العصبية في الدماغ تشبه باركنسون، وأظهرت النتائج زيادة بقاء خلايا الدوبامين العصبية المطعمة لدى الفئران.

يرى "نيسبت" أن هذا بمنزلة اكتشاف مهم، قائلًا: "يعكس الهيدروجيل المطور بنجاح أعراض الحركة المرتبطة بإصابات مرض باركنسون لدى الحيوانات، لقد لاحظنا تحسنًا كبيرًا في حركة مخالب الحيوانات واستعادة الوظيفة الحركية بشكل عام".

تفاؤل حذر

محمد سلامة -الأستاذ المشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- اعتبر أن الدراسة حققت نتائج متميزة جدًّا على مستوى التجارب الأساسية التي تُجرى على الحيوانات، لكنه دعا إلى التفاؤل الحذر والحرص الشديد فيما يتعلق بالحديث عن مدى إتاحة العلاج للمرضى، كي لا نمنحهم أملًا كاذبًا في علاج لا يزال أمامه طريقٌ طويلٌ وسنوات من التجارب على البشر حتى يُعتمد بشكل كامل.

وأضاف لـ"للعلم" أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، أولها أن النتائج الجيدة التي حققها فريق البحث في تجارب على الحيوانات، لا تعني بالضرورة تكرارها على البشر، وهناك عشرات التجارب التي أُجريت من قبل في هذا الإطار، ولم تعطِ النتائج ذاتها بعد تجربتها على البشر، ولهذا السبب توقفت بحوث استخدام الخلايا الجذعية في علاج باركنسون عام 2003، بعد أكثر من 15 عامًا من التجارب غير المجدية.

وأوضح أن ثاني الأسباب، أن التجارب السابقة التي أُجريت على نقل الخلايا الجذعية إلى الدماغ البشري أعطت تحسُّنًا مؤقتًا وليس دائمًا، وبعد حوالي 10 سنوات اكتشف العلماء أن الضرر ينتقل إلى الخلايا المزروعة وأصبحت شبيهةً بالخلايا المعطوبة، وهذا لأن باركنسون لا يحدث في الغالب بسبب إصابات الدماغ أو ورم معين، لكنه مرض جهازي (Systemic disease)، وهذا يعني أن هناك عوامل خطر متنوعة تتداخل وتقود إلى حدوث خلل في الخلايا العصبية يسبب الإصابة بالشلل الرعاش، منها عوامل بيئية ووراثية بالإضافة إلى التعرُّض للسموم، وهذه العملية قد تستغرق 20 عامًا، لكن هذه الظروف لا تتحقق في حيوانات التجارب التي يُحدث العلماء فيها أضرارًا في خلايا الدماغ تشبه باركنسون، لكنها غير مصابة بالمرض فعليًّا، وهذا يقودنا إلى المشكلة الرئيسية في بحوث الأعصاب، وهي أن كثيرًا من العلاجات الجديدة ينجح على مستوى حيوانات التجارب، لكنه يفشل على مستوى البشر، لأنه لا يحاكي ظروف إصابة البشر الحقيقية بالمرض وملابساتها.

ثالث الأسباب، وفق "سلامة"، يتعلق بعدم المتابعة الجيدة لنتائج العلاج، ومدى استمرار التحسن الذي أحدثه، إذ تتم المتابعة في الغالب لعدة أشهر فقط لدى حيوانات التجارب، وعند ظهور تحسُّن ملحوظ ينتقل العلماء إلى التجارب السريرية على البشر، مشيرًا إلى أن معظم الدراسات التي أُجريت على البشر حققت نتائج مرضية في العام الأول، لكن المشكلة الرئيسية هنا في مدى استمرار هذا التحسن، وقد تكشَّف هذا بعد إجراء تقييم لفاعلية العلاج بعد 10 سنوات من تلقِّيه.

ونوه بأن هناك علاجات متاحة حاليًّا لباركنسون تُحدث تحسُّنًا مؤقتًا وليس دائمًا، مثل التحفيز العميق للدماغ، لكن تكلفته كبيرة جدًّا، بالإضافة إلى عقاقير مثل دواء "إل-دوبا" وغيره من العلاجات الشبيهة، وكلها يأتي بنتائج مؤقتة، وينتهي مفعوله بمرور الوقت، لأن الجسم يُحدث مقاومةً لتلك الأدوية.

نتائج جيدة

رحاب شمّا -الأستاذ المساعد بقسم الصيدلانيات والصيدلة الصناعية بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة- رأت أن النتائج تعتبر جيدة، إذ أثبتت التجارب أن الهيدروجيل يمكن أن يتيح توصيل الخلايا الجذعية للنهايات العصبية لدى مرضى باركنسون، بطريقة تحافظ على سلامة الخلايا الجذعية من التلف الذي يحدث خلال العمليات التقليدية لنقلها إلى المخ.

وأضافت لـ"للعلم"، أن فريق البحث حاول تقديم حل جديد لعلاج مرضى باركنسون، بدلًا من الأدوية المتاحة حاليًّا، التي تقلل من أعراض المرض لكنها لا تعالجه بشكل جذري.

وفيما يتعلق بالنتائج، أوضحت أن الفريق حاول إيجاد حل لإيصال الخلايا الجذعية إلى النهايات العصبية في المخ، لتعويض الخلايا المسؤولة عن الدوبامين؛ لأن المشكلة التي كانت تواجه الباحثين من قبل أنه في أثناء نقل الخلايا الجذعية للدماغ يحدث لها تدمير وتلف بشكل كبير، لأن المناخ الذي تنتقل فيه يكون غير ملائمًا، نتيجة الضغط الذي تتعرض له في أثناء نقلها عبر أنبوب إلى المخ، وقد ينجو منها نسبة ضئيلة لا تتعدى 5%، وكانت الفكرة أن يجد فريق الدراسة حلًّا لهذه المشكلة، لذلك ابتكروا هذا الهيدروجيل الذي يحافظ على جودة الخلايا الجذعية في أثناء نقلها إلى المخ من التلف.

وعن أهمية النتائج، أشارت "شمّا" إلى أن الدراسة تُقدم مؤشرات مبدئية، إذ أثبتت النتائج أن العلاج أظهر تحسنًا واضحًا في الحركة ونقل الإشارات العصبية بشكل جيد لدى فئران التجارب، واستمر هذا التحسن لعدة أشهر بعد الزرع، وهذه نتيجة مبشرة للغاية، يمكن أن تقدم حلًّا يباعد بين فترات تقديم العلاج، بحيث يُعطَى مرةً كل عدة أشهر، بدلًا من الأدوية التقليدية اليومية، لكنها تحتاج إلى تأكيد النتائج بعد الحصول على موافقات لاستخدامها في تجارب سريرية على البشر.

وعقّب "نيسبت" بأن الفريق لم يُجرِ تجارب سريرية بعد، لكنها تبدو واعدةً للغاية في ضوء النتائج التي تحققت على الحيوانات، وأشار إلى أن الهيدروجيل الجديد فعال من حيث التكلفة ويسهل تصنيعه على نطاق واسع وبكميات كبيرة، ما يعني أنه يمكن إتاحته بسهولة في المستشفيات عندما يكون جاهزًا للطرح، لكن يجب أن يخضع أولًا لتجارب إكلينيكية، وإذا تمت الموافقة عليه، أعتقد حقًّا أنه يمكن أن يُحدث ثورةً في علاج هذا المرض.

وعن خطواتهم المستقبلية، تابع: "هناك بعض التغييرات الصغيرة التي نُجريها على الهيدروجيل للتحقق من كيفية إدخاله إلى جسم الإنسان، يجب علينا بذل العناية الواجبة والتأكد من أننا نتحقق من السلامة والفاعلية ونحصل على الموافقة التنظيمية، قبل أن نتمكن من نقل هذه التكنولوجيا العلاجية إلى العيادة، والتي نأمل أن تكون متاحةً للاستخدام في المستقبل غير البعيد".