لم تكن "بروك تاتا" تدرك حقيقة ما يحدث لها؛ فالمراهقة الشابة عانت في البداية من مشكلات مستمرة في دورة الطمث، أحيانًا كانت لا تستطيع تحديد بدايتها نظرًا لعدم انتظامها، وأحيانًا كانت تأتيها لأيام أقل من المعتاد، وأحيانًا كانت تنقطع بالكامل عدة شهور.

معاناة "تاتا" مع عدم انتظام "الطمث" لم تكن مشكلتها الرئيسية؛ فالفتاة التي كانت تنتظر ظهور علامات الأنوثة على جسدها، لاحظت بدلًا من ذلك أن لديها زيادةً في حب الشباب ونموًّا غير طبيعي للشعر في بعض مناطق الجسم.

لجأت "تاتا" للأطباء، فكان تشخيص حالتها أنها مصابة بـ"متلازمة تكيُّس المبايض"، وأخبرها الطبيب أن عليها تناول أقراص منع الحمل التي تحتوي على هرمونات الأنوثة من أجل تنظيم دورة الطمث، وأن هذا المرض قد يصيبها بنقص الخصوبة أو العقم في المستقبل، ما يهدد حلمها بالإنجاب، ومن هنا اختارت "تاتا" التخصص في دراسة متلازمة تكيس المبايض، وإجراء العديد من الدراسات بشأنها، والتي كان آخرها دراسة نشرتها دورية "نيتشر ميديسن" مؤخرًا.

وتعرف منظمة الصحة العالمية العقم بأنه مرض يصيب الجهاز التناسلي ويتسبب في فشل حدوث الحمل بعد 12 شهرًا أو أكثر من الجماع غير المحمي (أي دون استخدام وسائل الوقاية التي تتسبب في منع حدوث الحمل)، وتقدر المصابين به بواحد من كل أربعة أزواج في البلدان النامية. وبشكل عام يمكن القول إن الرجل يكون مسؤولًا عن عدم الإنجاب في ثلث الحالات، وأن المرأة تتحمل نسبةً مماثلة، في حين تكون الأسباب غير معروفة أو مشتركة في الثلث الأخير.

بينما تتعدد أسباب العقم خاصة لدى السيدات، فإن "متلازمة تكيس المبايض" التي تتراوح نسبتها بين 6 و10% لدى النساء وفقًا لبعض الدراسات، وقد تصل إلى 18% وفقًا لبعضها الآخر، تأتي على رأس قائمة الأمراض المسببة للعقم.

نتائج مثيرة

وفي محاولة لفهم كيف يتكرر مرض "متلازمة تكيس المبايض" عبر الأجيال، عمل باحثون من عدة جامعات ومعاهد أبحاث أوروبية، من بينهم "بروك تاتا" -باحثة ما بعد الدكتوراة بالمعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية بفرنسا- على مقارنة مستويات هرمون يُعرف بـ"الهرمون المضاد لمولر" anti-Müllerian hormone (AMH) لدى السيدات الحوامل المصابين بتكيس المبايض وفي الحوامل الطبيعيات، وفهم تأثير هذا الهرمون على الأجنة حاليًّا ومستقبلًا.

وجاءت النتائج التي نشرها الباحثون مثيرةً للاهتمام؛ فقد تَبيَّن أن مستوى الهرمون يرتفع بالفعل لدى الحوامل المصابات بالمرض أكثر من الحوامل في المجموعة الضابطة من غير المصابات.

اختبر باحثو الدراسة هذه النتائج واحتمالات ظهور المرض في الأجيال القادمة، في الفئران، وقد تبيَّن لهم بالفعل أن معالجة الفئران الحوامل بـ"الهرمون المضاد لمولر" أدت إلى ظهور ما يشبه تكيُّس المبايض في النسل الناتج من هذه المعالجة في المستقبل.

تقول "بروك تاتا"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك عددًا قليلًا من العصبونات تفرز هرمونًا يُعرف بالهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية، وإذا لم تكن تعمل بطريقة صحيحة ودقيقة، فإن هذا قد يتسبب في زيادة مستوى هرمونات الذكورة. وسينتقل تأثير هذا الاضطراب في أثناء الحمل بطبيعة الحال عبر المشيمة إلى الجنين، بما يؤثر على الأجنة في المستقبل".

تضيف "تاتا": قررنا دراسة هذه النقطة على مستوى فئران التجارب من خلال استخدام هرمون AMH، الذي يرتفع في حالات تكيس المبايض مع ارتفاع هرمونات الذكورة".

وتستطرد بقولها: عملنا بعدها على دراسة التغيرات التي تطرأ على المخ والمبيض في هذه الحيوانات، ليس فقط في الإناث، ولكن في الذكور أيضًا. وتضيف: وجدنا أن تكيُّس المبايض لدى الأجيال القادمة ينتج من زيادة مستوى هرمونات الذكورة للأجنة في أثناء الحمل، وأن هذه الزيادة تؤثر على وظيفة المبيض في المستقبل.

من جهتها، تقول "ريبيكا كامبل" -الباحثة الرئيسية في الدراسة، والباحثة بقسم الفسيولوجي ومركز أمراض الغدد الصماء العصبية في جامعة "أوتاجو" في نيوزيلندا- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا التغيير يحدث من خلال التأثير المبكر لهذه الهرمونات على خلايا المخ العصبية التي تؤثر على الأعضاء التناسلية، لتتحول هذه الخلايا إلى النمط الذَّكَري في بداية تكوُّن الأجنة، وهو ما يؤدي إلى استمرار هذا النمط فيما بعد".

سبب مجهول

وتُعَد نتائج الدراسة الأخيرة شديدة الأهمية، فعلى الرغم من أهمية مرض "متلازمة تكيس المبايض"، لم يتمكن الأطباء والباحثون من معرفة سبب محدد لحدوثه؛ إذ أشارت الاتهامات إلى زيادة إفراز هرمون الإنسولين ومقاومة الجسم لتأثيره (وهو الهرمون المسؤول عن التحكم في مستوى الجلوكوز الذي يمثل مصدر الطاقة الرئيسي). إذ تتسبب هذه المقاومة في ارتفاع مستوى السكر في الدم (وهو ما يفسر الإصابة بالسكري)، كما تتسبب في زيادة أكبر في إفراز الإنسولين، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة إفراز هرمونات الذكورة.

وفي المقابل، تتحدث النظريات الأخرى عن وجود جينات قد ترتبط بحدوث المرض، وهو ما يفسر حدوثه لدى العديد من أفراد العائلة الواحدة. لكن التفسير الجيني ليس مقنعًا للبعض؛ إذ يرى باحثون أن الجينات التي جرى التعرف عليها حتى الآن لا تفسر نسب الإصابة العالية بالمرض.

وقد يعني هذا أن بعض تغيُّرات البيئة المحيطة التي قد تحدث خلال فترة نمو الجنين تؤدي الدور الأكبر في حدوثه. وهذه التأثيرات قد تكون عصبية أو هرمونية؛ إذ يرتفع مستوى الهرمون المُلَوتِن، وكذلك "الهرمون المضاد لمولر" بنسبة كبيرة في المصابات بالمرض بالمقارنة بالسيدات الطبيعيات. وتقدم الدراسة تفسيرًا جديدًا مدعومًا بأدلة علمية جديدة في هذا الإطار.

تنظيم دورة الطمث

لفهم طبيعة مرض "متلازمة تكيس المبايض"، ينبغي بدايةً معرفة كيفية تنظيم دورة الطمث لدى السيدات؛ إذ يجري تنظيم هذه الدورة من خلال "الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية" (GnRH)، الذي تفرزه الخلايا العصبية من غدة الهيبوثلامس أو غدة تحت المهاد، التي تقع أعلى الغدة النخامية.

ويسبب هذا الهرمون إفراز "الهرمون المحوصل"، الذي يحفز المبيض لإنضاج "حويصلة جراف" المحتوية على البويضة، و"الهرمون المُلَوتِن" الذي تفرزه الغدة النخامية في المخ بدقة في توقيتات معينة، ويتحكّم في وظائفِ الخصيتين عند الرجال والمبيضين عند النساء.

وتؤثر هذه الهرمونات على وظيفة المبيض في المراحل المختلفة من الدورة، ففي حالات تكيس المبايض عادةً ما يرتفع مستوى "الهرمون المُلَوتِن" ارتفاعًا كبيرًا، ما يؤدي إلى حدوث اضطرابات الدورة وزيادة مستوى هرمونات الذكورة لدى النساء.

بالإضافة إلى العقم واضطرابات دورة الطمث، يرتبط مرض "متلازمة تكيس المبايض" بنسبة أعلى من الإصابة بالسمنة، وارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري، وبعض اضطرابات النوم. كما تعاني المريضة عادةً من زيادة نسبة ونمو الشعر في الوجه والجسم، وظهور حبوب الشباب، وهو الأمر الذي ينتج من زيادة إفراز هرمونات الذكورة.

تَغيُّر قواعد اللعبة

وكانت دراسة أخرى سابقة أجراها الفريق الأوروبي نفسه تقريبًا، ونشرتها "نيتشر كوميونيكيشنز" في عام 2016، قد استهدفت فهم دور هرمون AMH وتأثيره على المخ، وتحديدًا على الخلايا العصبية المرتبطة بإفراز "الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية" باعتباره الهرمون الذي يتحكم في إفراز الهرمونات من المبيض والخصية، والتي تحدد بدرورها ظهور الصفات الجنسية الذكرية والأنثوية.

ووجد الباحثون أن هرمون AMH يتسبب بالفعل في استثارة الخلايا التي تفرز الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية، وبالتالي زيادة مستوى الهرمون المُلَوتِن، وهو الهرمون الذي يرتفع مستواه في تكيس المبيض. وهذه النتائج كانت المفتاح لفهم دور AMH في تكيس المبيض من خلال التأثير على المخ، وفتحت الباب أمام البحث عن خيارات علاجية للمرض.

تقول "تاتا": نعتقد أننا غيَّرنا بعض قواعد اللعبة في مجال تكيس المبيض. وهذه النظرة الكلية للمرض ستساعد الأطباء في المستقبل على التعامل مع المرض والمريض بوصفهما كلًّا متكاملًا، وليس فقط من خلال معالجة إحدى مشكلات الجهاز التناسلي. ويمكن لهذا الفهم أن يفتح أبوابًا عديدة جديدة لعلاجات سهلة ومتاحة. وليس هذا فحسب، لكن الوقاية كذلك يمكن أن تكون ممكنةً من خلال تعامل الأطباء وتعليمهم للمرضى عن المرض وطرق العلاج الجديدة التي يمكن أن تكون متاحةً في المستقبل.

خيار علاجي

لقد اكتشف الباحثون أن إناث الفئران التي شملتها الدراسة كانت تعاني نشاطًا زائدًا في الخلايا التي تستجيب لـ"الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية" نتيجةً لزيادة مستوى هرمون AMH، لذا استخدموا أحد الأدوية المضادة لهذا الهرمون، يسمى "سيتروليكس"، ووجدوا أن استخدامه يمكن أن يستعيد صفات الإناث الطبيعية في النسل المريض، وهو ما يمكن أن يفتح الطريق أمام تجربة هذا العلاج في البشر للتعامل مع هذه الحالات في المستقبل.

تعلق "تاتا" بأن هذه النتائج كانت مثيرةً للغاية بالنسبة للفريق البحثي، مضيفةً أن "هذا العلاج لم يتسبب فقط في استعادة الخصوبة لدى الفئران، بل أدى أيضًا إلى استعادة نمط الهرمونات الطبيعي لدى الإناث، التي بدأت في فقدان الوزن، وفي الانجذاب للجنس الآخر". وتقدم هذه النتائج لنا خيارات علاجية جديدة لمنع انتقال المرض من الأم إلى الأبناء، ولعلاج المرض نفسه.

وفي المقابل، تشدد "كامبل" على ضرورة توخِّي الحذر في تجربة أي علاج مع الحوامل، موضحةً أنه إذا جرى استخدام مضادات "الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية" في أثناء الحمل لدى مرضى تكيس المبايض، فإنه قد يقلل مستوى هرمونات الذكورة، لكنه قد يتسبب أيضًا في زيادة احتمالات الإجهاض، كما أن تأثيره على الأجنة ليس معروفًا، وفق قولها.

وتضيف أن "استخدام هذه الأنواع من الأدوية في المريضات غير الحوامل يبدو مثيرًا للاهتمام. لكن علينا أن نحدد الجرعة المناسبة والتوقيت الذي يمكن فيه تناول هذه الأدوية؛ حتى لا تتعارض مع إفرازات الهرمونات الطبيعية داخل الجسم".

بدورها، تشير "تاتا" إلى أن بعض التجارب السريرية لاستخدام هذا العلاج على وشك البدء في كلٍّ من فرنسا وفنلندا وألمانيا ونيوزلندا، مضيفةً: "أعتقد أن هذه التجارب ستتم وتنتشر حين يدرك الأطباء المعالجون هذا التغيُّر في المفاهيم المتعلقة بالمرض، وينقلون هذه المفاهيم إلى العامة. وهذا التواصل سيساعد على تقليل معاناة المريضات اللاتي كنت منهن، واللاتي لم يكنَّ يعانين من المرض فحسب، بل أيضًا من عدم فهم طبيعة المرض وما يمثله من مشكلات لهن ولأبنائهن في المستقبل".