"أن توقد شمعة يعني أن تلقي ظلًّا"، هكذا كتبت أورسولا كيه لي جوين في روايتها الخيالية الشبابية التي صدرت عام 1968 تحت عنوان "ساحر إيرثسي" A Wizard of Earthsea، حيث كانت الملحوظات الشعرية التي استخدمتها لي جوين تتعلق بالجوانب الغامضة من السحر، لكنها تصف ببلاغة أيضًا السعي التكنولوجي الحثيث منذ قرون للقضاء على الظلام، وكذا أحد أعظم إنجازاته: اختراع المصباح الكهربائي.

للإضاءة الكهربائية جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها؛ فمن الصعب العمل أو السفر أو القراءة في الظلام، لكن بمجرد الضغط على زر واحد تختفي هذه المشكلة. والفوائد الاقتصادية للإضاءة كثيرة ومتشعبة، بحيث يمكنك رؤية تأثيرها من الفضاء السحيق، في الشبكات المضيئة للأنوار الليلية التي تحدد معالم حضارتنا العالمية المزدهرة؛ غير أن حبنا المعاصر لليالي المشعة بأضواء مبهرة له الكثير من الآثار الجانبية: إهدار الطاقة، الإخلال بالنظام البيئي، وفي بعض الحالات الإضرار بصحة الإنسان. وكما هو مفصّل في "أطلس العالم الجديد للإضاءة الليلية الصناعية للسماء" The New World Atlas of Artificial Night Sky Brightness الصادر في يونيو الماضي، فإن الإضاءة نفسها التي تزين كوكبنا وتكشف وجودنا للفضاء الخارجي هي أيضًا التي تعوق رؤيتنا للنجوم. ويمكنك الاطلاع على الأطلس في دورية "ساينس أدفانسيس" Science Advances.

ووفقًا للأطلس -الذي اعتمد إنتاجه على تحليل عشرات الآلاف من الصور فائقة الدقة للإضاءة الليلية على الأرض، التي التقطها القمر الصناعي الخاص بالشراكة الوطنية ذات المدار القطبي ساومي (Suomi National Polar-orbiting Partnership satellite) التابعة لوكالة ناسا والوكالة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA- فإن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص تقريبًا على الأرض لا يمكنهم رؤية مجرة درب التبانة عندما ينظرون إلى السماء ليلًا. وترتفع هذه النسبة في حالة الأمريكيين؛ حيث يمنع التلوث الضوئي أربعةً من كل خمسة أشخاص من رؤية المجرة التي ننتمي إليها كنهر رقيق وشفاف من الضوء يظلل سقف كوكبنا. ونادرًا ما يتمكن سكان البلدان التي تعاني نسبة مرتفعة من التلوث الضوئي -مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وقطر- من رؤية النجوم على الإطلاق، وبدلًا من ذلك فإنهم يقضون لياليهم في ظل "شفق صناعي" مستمر. وبعيدًا عن المحيطات المفتوحة والأراضي القطبية المقفرة نسبيًّا، فإن نسبة الجزء المأهول من الكوكب الذي لا يزال يتمتع بسماء معتمة بشكل طبيعي تقتصر على المناطق التي لم تطلها يد الحضارة في دول مثل تشاد وبابوا غينيا الجديدة، ومدغشقر، وهي في تقلص مستمر.

يقول فابيو فالكي -المؤلف الرئيسي للدراسة التي نتناول نتائجها في هذا المقال، وهو مدرس فيزياء في إحدى المدارس الثانوية بمدينة تييني في إيطاليا، أصبح مهتمًّا بخطر التلوث الضوئي المتزايد في تسعينيات القرن العشرين بعد أن بدأ يؤثر على هوايته في علم الفلك-: "قبل عشرين عامًا، لم يكن التلوث الضوئي يمثل مشكلة سوى للفلكيين فحسب. وقد تطورت الحياة على كوكب الأرض عبر ملايين السنين على أساس تعاقب الظلام والضوء، كل منهما يسيطر على الكوكب لنصف الوقت، لكننا الآن أصبحنا نغلف كوكبنا بغيمة مبهرة من الضوء. لقد أصبح التلوث الضوئي مشكلة بيئية حقيقية على المستوى العالمي".

ويضيف فالكي: "إن رؤية السماء وهي مرصعة بالنجوم مشهد يلامس الروح. والجوانب المختلفة من حضارتنا -من دين وفلسفة وعلم وفن وأدب- تضرب بجذورها في نظرتنا إلى السماء ورؤيتنا لها، لكننا الآن نفقد هذه الميزة، ولا نستطيع معرفة العواقب الكاملة لهذا الأمر. فما الذي يمكن أن يحدث عندما نفقد مصدر إلهامنا المتمثل في النظر إلى السماء ليلًا؟".

بالاعتماد على ما يزيد عن 35 ألف صورةٍ ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى قياسات أرضية تفصيلية لسطوع السماء، توضح هذه الصورة التفاعلية من الأطلس العالمي الجديد للإضاءة الليلية الصناعية للسماء الأماكن التي يحجب فيها الوهج السماوي الناتج عن الإضاءة الصناعية النجومَ والكوكبات النجمية. وتشير الأماكن الأكثر سطوعًا إلى مستويات أعلى من الوهج السماوي الناتج عن التلوث الضوئي.

 

وبعيدًا عن السلبيات الواضحة للتلوث الضوئي –مثل تذمر الفلكيين، وخروج السلاحف البحرية الوليدة والطيور المهاجرة عن مسارها بسبب الأضواء الساطعة– فإن معظم التأثيرات المرتبطة به يصعب تحديدها بصورة مثيرة للدهشة. فلا يزال الباحثون يفتقرون إلى فهم عميق للعلاقات المعقدة بين العديد من الحيوانات الليلية المفترسة والفرائس، ناهيك عن تأثير المستويات المتفاوتة من الإضاءة الصناعية عليها وكيف يتسبب في تغييرها؛ وبالنسبة للبشر أيضًا فإن تأثير التلوث الضوئي عليهم غامض ومحير. بناءً على العديد من الدراسات الوبائية، أصدرت منظمة الصحة العالمية عام 2007 والجمعية الطبية الأمريكية عام 2012 بيانات تحذيرية تفيد أن التعرض الطويل للضوء ليلًا يزيد من خطر الإصابة ببعض أنواع مرض السرطان، على الأرجح عن طريق التغييرات في إيقاع الحياة اليومية ومستويات الهرمونات المرتبطة بها. ومع ذلك، فإن معظم هذه الدراسات لم يميز بين التعرض لمصادر خارجية، كالإضاءة في الشوارع، أو مصادر داخلية مثل شاشات التليفزيون والهواتف الذكية.

غير أن الصعوبة الأساسية تكمن في أنه لا أحد يعلم بالتحديد مدى حدة هذه المشكلة. لا مشكلة في حساب المستويات الإجمالية للإضاءة الليلية عن طريق صور الأقمار الصناعية، فقد نجح العلماء في هذه المهمة على مدار عقود، لكن تحديد مقدار "الوهج السماوي" الذي تسببه كل هذه الإضاءة في أثناء انتشارها في الغلاف الجوي للأرض مهمة شائكة. وقد حصل فالكي وزملاؤه على تقديراتهم للتلوث الضوئي عبر تطبيق بيانات القمر الصناعي "سيومي" على نموذج للغلاف الجوي، يعمل على حساب الوهج السماوي في السمت الرأسي (إلى الأعلى مباشرة) في سماء خالية من السحب، ثم مقارنة هذه النتائج بقياسات حقيقية لسطوع السماء مأخوذة من مواقع مختلفة على الأرض تتميز بصفاء سمائها. وقد كان الحد الأدنى للتلوث الضوئي الخطير في ذلك النموذج هو أن تكون السماء فوق رؤوسنا مباشرة أكثر سطوعًا في الليل بنسبة 1% من حالتها الطبيعية شديدة العتمة.

وفقًا للمؤلف المشارك في الدراسة دان دوريسكو، وهو عالم لدى خدمة المتنزهات الوطنية الأمريكية، وفر العديد من قياسات سطوع السماء، فإن تغيرًا بنسبة 1% في درجة سطوع السماء فوق موقع القياس مباشرة أكثر خطورة مما قد يبدو عليه الأمر، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن ما يزيد على نصف أنواع الحيوانات التي تعيش على الأرض حيوانات ليلية. ويقول دوريسكو: "الموقع الذي يكون فيه سطوع السماء أعلى بنسبة 1% فوق السمت الرأسي الطبيعي غالبًا ما تكون درجة الوهج السماوي له أعلى بالقرب من الأفق؛ لأنه على الأرجح يقع داخل القبة الضوئية لشيءٍ آخر على بعد مئات الكيلومترات. وهنا تكمن نقطة قوة النموذج في توقع تهديدات التلوث الضوئي من المدن البعيدة في الوقت الراهن وفي المستقبل. ومع ازدياد التعداد السكاني وانتشار توزيع السكان، سيصبح العثور على المناطق التي ليس بها آثار إضاءة صناعية أكثر صعوبة".

علاوة على ذلك، يمكن لتأثير السحب أن يزيد بشكل كبير من مستويات التلوث الضوئي، حتى وإن كانت طفيفة. ولهذا السبب فإن الأطلس الجديد يقدم فقط قيمة أـساسية صغرى لمستويات أعلى بكثير على الأرجح من التلوث الضوئي، وذلك وفقًا لما يقوله ترافيس لونجكور، المتخصص في علم البيئة الحضرية في جامعة كاليفورنيا الجنوبية في دورنسايف، والذي لم يشارك في هذه الدراسة؛ إذ يقول: "يمكنك الحصول بسهولة على إضاءة أعلى عشر مرات من السماء الملبدة بالغيوم… وبالنسبة للمواقع التي يوضح فيها الأطلس أن القيمة الأساسية لدرجة سطوع السماء الصافية مساوية للشفق أو قمر نصف مكتمل، فغالبًا ما يتم استبعادها كموطن لأنواع معينة من الحيوانات تحتاج إلى غطاء الظلام الدامس لتستمر في الحياة والازدهار".

بالنسبة للبشر، فإن أكثر الملحوظات التي كشف عنها الأطلس إزعاجًا هي تأثيرات التحول المستمر نحو مصابيح الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (LED) كمصادر للإضاءة الخارجية بدلًا من مصابيح الإضاءة المتوهجة القديمة. وتتميز مصابيح الصمامات الثنائية بأنها موفرة للطاقة ومعمرة وقابلة للتعديل ديناميكيًّا أكثر من المصابيح المتوهجة القديمة، وتحث الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى على استخدامها بقوة. لكن أكثر مصابيح الصمامات الثنائية توفيرًا للطاقة تصل لأقصى درجات سطوعها بالتدرج الحاد للونين الأزرق والأبيض، ونظرًا لأن الغلاف الجوي يشتت الضوء الأزرق (إذا أردت دليلًا على ذلك يكفي أن تنظر إلى السماء الصافية المشمسة)، فإن نموذج فالكي يشير إلى أن التحول واسع النطاق إلى مصابيح الصمامات الثنائية زهيدة الثمن للإضاءة الخارجية يمكن أن يزيد من الوهج السماوي زيادة كبرى، حتى وإن ظل إجمالي الضوء المنبعث ثابتًا. وإلى جانب أن هذه المصابيح ليست جذابة من الناحية الجمالية بالنسبة للكثيرين، ثمة بعض المخاوف من أنها قد تشكل خطرًا. ويقول جورج برينارد -عالم الأحياء الضوئية بجامعة توماس جيفرسون، والذي لم يكن مشاركًا في دراسة فالكي-: إن ذروة حساسية البشر البصرية تكون تجاه الجزأين الأصفر والأخضر من الطيف المرئي. ويؤكد برينارد أن الضوء الأزرق-الأبيض، وهو بالتحديد الضوء الذي ينبعث من مصابيح الصمامات الثنائية زهيدة التكلفة- هو الذي يسيطر على تنظيم إيقاع الحياة اليومية وغيره من الدورات البيولوجية المهمة لجسم الإنسان. فيقول برينارد: "نعم، إن الاستخدام واسع النطاق لمصابيح الصمامات الثنائية سيعود علينا بالنفع في توفير قدر هائل من الطاقة، لكن السؤال هو: هل يؤدي هذا التوفير في الطاقة إلى المخاطرة بصحة البشر والنظام البيئي؟".

ربما تكون القيمة الأكبر لهذه الدراسة التي أجراها فالكي وزملاؤه هي القيم الأساسية التي حددتها من أجل النقاشات السياسية حول التلوث الضوئي وأي تغيرات مرتبطة بها في مستويات الإضاءة الليلية. ويقول لونجكور إن النتائج التي توصل إليها أطلس فيما يتعلق بالتأثيرات المدمرة للوهج السماوي الناتج عن مصابيح الصمامات الثنائية ذات الضوء الأزرق-الأبيض "تمثل رسالة بأن الحث المستمر على التحول لاستخدام هذه المصابيح خطأ فادح على مستوى السياسات".

ويردف لونجكور: "إذا توجهت بصفتي أستاذًا جامعيًّا إلى المجلس المسؤول عن الأبحاث وأخبرتهم أني أود إجراء تجربة على شعوب بأكملها من خلال تقديم أطوال موجية من الضوء ترتبط بقوة بتأثيرات بيولوجية وبيئية ضارة، فإنهم سيسخرون مني بشدة، بل ربما أفقد وظيفتي. ولحسن الحظ يمكننا الآن استخدام مصابيح صمامات ثنائية تنبعث منها إضاءة تميل للألوان الدافئة التي يمكنها التخلص من ارتفاع اللون الأزرق في الطيف المرئي، والذي يتسم بأنه مضر نظرًا لأنه يتشتت بقوة في الغلاف الجوي للأرض".

بالإضافة إلى التوجه إلى استخدام مصابيح الصمامات الثنائية التي تنبعث منها إضاءة تميل للألوان الدافئة، يقول مؤلفو الدراسة إننا يمكن أن نتفادى فقدان رؤية السماء المرصعة بالنجوم بسبب التلوث الضوئي أو نعكس هذا التأثير عبر اتخاذ سلسلة من الإجراءات، مثل فرض قوانين أكثر صرامة حول استخدام الإضاءة الصناعية، وكذلك البدء في استخدام السيارات بدون سائق التي تحتاج إلى إضاءةٍ أقل في الشوارع. وعلى أية حال، ثمة حل أكثر بساطة.

يقول دوريسكو: "أود أن أخبر الجميع أن من مميزات الإضاءة الخارجية إمكانية التخلص من آثارها البيئية على الفور، كل ما عليك فعله هو أن تطفئ النور".