بالرغم من تراجع معدل انتشار داء "التقزم" على الصعيد العالمي من 29.5% إلى 22.9% بين عامي 2005 و2016، إلا أنه لا يزال 155 مليون طفل، دون سن الخامسة، في جميع أنحاء العالم، يعانون من أحد أشكاله، وفق تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم"، المنشور في عام 2017 على موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

يُعرِّف التقرير التقزم بأنه "انخفاض الطول بالنسبة إلى السن، ويرجع إلى الحرمان التغذوي طويل الأجل"، ومن أهم أعراضه كبر حجم الرأس، وانحناء العمود الفقري والساقين، وتصلُّب المفاصل والتهابها، والشعور بألم أسفل الظهر أو تنميل في الساقين، وتزاحُم الأسنان.

تتناول دراسة حديثة، أجراها فريق من الباحثين في جامعة تكساس حالة من حالات التقزم تسمى "خلل التنسج الضموري المشوه"، أو "خلل التنسج الكاذب"، (Pseudoachondroplasia)، وهو نوع من التقزم ينتج عنه قصر الأطراف، مقترِحةً آليةً جديدةً لعلاجه.

ويؤدي الاضطراب الجيني الذي ينشأ عنه ذلك المرض إلى تثبيط نمو الهيكل العظمي في المقام الأول في الأطراف؛ إذ ينجم عن طفرة جينية تؤدي إلى احتباس غير طبيعي لبروتين (COMP)، الذي يؤدي دورًا مهمًّا في السلامة الهيكلية للغضروف داخل الشبكة الإندوبلازمية الخام (ER).

والشبكة الإندوبلازمية الخام هي شبكة من الأنابيب يتم من خلالها نقل المواد الخام بين أجزاء الخلية إلى الخلايا المنتجة للغضاريف.

جرى تشخيص هذا الشكل للمرة الأولى في عام 1959. ويتم التعرف عليه في عمر يتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، وينجم عن الإصابة به حدوث اضطرابات عضلية هيكلية خلقية تؤثر على كلٍّ من الجمجمة وعظام الوجه، وتؤدي إلى قِصَر غير متناسب مع باقي أعضاء الجسم، وارتخاء المفاصل، كما يعاني الشخص من هشاشة العظام في وقت مبكر.

آليات متقدمة للعلاج

في الدراسة المنشورة في الدورية الأمريكية لعلم الأمراض (أمريكان جورنال أوف باثولوجي)، يصف فريق من الباحثين كيف يؤدي تراكم هذا البروتين إلى إجهاد الشبكة الإندوبلازمية، حيث تبدأ مجموعة من التغيرات المرضية، آملين أن تفتح هذه النتائج طرقًا جديدةً لعلاج خلل التنسُّج الضموري المشوه وغيره من الأمراض المرتبطة بإجهادات الشبكة الإندوبلازمية، مثل السكري من النوع الثاني وألزهايمر والسل.

ففي الحالات الطبيعية، يتم تصنيع بروتين comp في خلايا الغضاريف، ثم يخرج من تلك الخلايا إلى المساحات الموجودة بين الخلايا للعمل على تماسكها، لكن في حالات الإصابة بالقزامة تحدث الطفرة في أثناء عملية تصنيع البروتين، ما يؤدي إلى احتباسه، ومنع خروجه من الخلية، وتراكمه داخلها، مما يتسبب في حدوث التهابات داخل الخلية نتيجة إفراز مواد كيميائية تقوم بتدمير الحمض النووي دي إن إيه DNA للخلية والغضروف النامي الذي يقوم ببناء العظام.

استخدم الباحثون مجموعةً من فئران التجارب لحقنها بمضادات للأكسدة ومضادات للالتهاب لإيقاف المتسلسلة المرضيه للالتهاب، وتقليل تراكُم بروتين Comp، مما ساعد على وقف تطور المرض.

تقول "كارين بوسي" -الباحثة في قسم طب الأطفال بمدرسة الطب في هيوستن التابعة لجامعة تكساس، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تستهدف فهم التفاصيل الجزيئية لهذا النوع من التقزم لتطوير آليات متقدمة لعلاجه".

ووفق الدراسة فإن هذه النتائج سيكون لها آثار مهمة على الوظائف الخلوية، بما في ذلك آليات البلعمة الذاتية، وتخليق البروتين، والسلامة الخلوية.

توضح "بوسي" بقولها: وجدنا أن إعطاء الفئران جرعات من الأسبرين والأدوية المضادة للالتهاب يمكنه تثبيط الأمراض التي تصيب الخلايا الغضروفية، وانتهينا إلى أن وجود توليفة دوائية من عقار الـ"راباميسين" والأدوية المضادة للالتهابات والأكسدة قد يكون مفيدًا إذا تم التحكم في الآثار الجانبية، التي تتمثل في تثبيط الجهاز المناعي، وزيادة مخاطر الإصابة بالعدوى، والسرطان، وضعف التئام الجروح.

وتضيف أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وافقت على استخدام الراباميسين، لكن تكلفة الحصول عليه لمدة شهر واحد، في الولايات المتحدة الأمريكية، تتراوح بين 143 و450 دولارًا شهريًّا، مشددةً على أن "الأهداف العلاجية الجديدة للتقزم من شأنها أن تساعد في علاج مجموعة واسعة من الاضطرابات، مثل أمراض السكري من النوع الثاني وألزهايمر والسل".

ويشدد تقرير صادر عن البنك الدولي، على أن التقزم يمثل مشكلة اقتصادية طويلة الأمد للبلدان، موضحًا أن "الدول تفقد في المتوسط 7% من إجمالي نصيب الفرد من دخلها القومي لأنها لم تقض على التقزم عندما كان عمالها الحاليون في سن الطفولة".

من جهته، يقول "يحيى جاد" -أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث- في تصريحات لـ"للعلم": إنه "لايمكن الأخذ بنتائج الدراسة الآن، خاصةً أنها لا تزال في مرحلة التجارب على الفئران".

في حين يرى "ياسر البطراوي" -أستاذ جراحة العظام بجامعة الأزهر- أن الدراسة على جانب كبير من الأهمية، ويجب البناء عليها في رحلة التعرف على "التقزم" وتطوير آليات علاجه.

ويقول "البطراوي"، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "إن الدراسة تفتح آفاقًا جديدةً في مجال علاج التقزم"، موضحًا أن علاج المرض شهد تطورًا كبيرًا خلال الفترة الماضية ارتكز على بُعدين: الأول نفسي يستهدف مساعدة المرضى على تقبُّل حالتهم، والثاني جراحي يتم عن طريق إجراء عمليات إطالة عظام مَن يعانون منه.

ولا ينصح "البطراوي" بالتدخل الجراحي قبل بلوغ الطفل عمر الـ10 سنوات، ولا ينصح قبل ذلك بأية خطوات سوى الحفاظ على صحة العظام من خلال التعرض لأشعة الشمس والحفاظ على نسبة جيدة من فيتامين "د"؛ حتى لا يصاحب قصر القامة لين عظام وتقوس.

مشروع أوروبي

يُذكر أن الاتحاد الأوروبي يمول في الوقت الحالي مشروع تطوير بروتين يمكنه استعادة النمو للأطفال الذين يعانون التقزم نتيجة حدوث طفرة في جين FGFR3، وهو جين يشارك في نمو الخلايا الليفية ويؤدي دورًا مهمًّا في العديد من العمليات الخلوية المهمة، بما في ذلك تنظيم نمو الخلايا وانتشارها وتحديد نوع الخلية، وتشكيل الأوعية الدموية والتئام الجروح، وتطوير الجنين.

ويعمل الباحثون في المشروع على تطوير بروتينات تحل مكان البروتينات المعيبة للمحافظة على اتصال عوامل النمو مع المستقبلات بشكل سليم؛ إذ وجدوا أن حَقن مجموعة من فئران التجارب ببروتين FGFR3 القابل للذوبان، الذي ينتجه الجين الذي يحمل نفس اسمه، ساعدها على استئناف نموها الطبيعي.