منذ اكتشف المجري ألبرت ناجيرابولت -الحائز جائزة نوبل عام 1937- مركبات الفلافونيدات، أصبح السعي إلى اكتشاف المزيد منها مجالًا مهمًّا يتنافس فيه العلماء، بحثًا عن مصادر مختلفة لتلك المركبات، التي لا تزال تبوح بالجديد فيما يخص علاج العديد من الأمراض.

ومؤخرًا، توصل فريق بحثي من شعبة الصيدلة بالمركز القومي للبحوث في مصر إلى تعريف مركبين فلافونيين جديدين لم يُكتشفا من قبل في نبات السلق، وهما المركبان فلافونيد كربون جلايكوسيد وفلافونيد هيربستين 3أ –بيتا– زايلوزيل جلايكوسيد، بالإضافة إلى أربعة أخرى من الفلافونيدات التى سبق أن تعرف عليها من قبل، فريقٌ بحثي آخر.

فوائد متنوعة

وتوجد المركبات الفلافونية التي يتجاوز عددها الـ4 آلاف مركب، في كثير من الفواكه والخضراوات وبعض النباتات الأخرى، وعُرفت بفوائدها المتنوعة. وهناك اهتمام متزايد في البحث العلمي حول استخلاص الفلافونيدات من المصادر الغذائية المختلفة، وذلك بسبب تزايد الأدلة التي أبرزتها بحوث علمية عديدة حول فوائدها الصحية.

ويرتبط مردود الفلافونيدات الصحية مباشرة مع ما يجري تناوله يوميًّا من مواد غذائية غنية بهذا النوع من المركبات، لذا أصبح من المهم تقييم مصادر الفلافونيدات في الأغذية. فلا يزال هناك صعوبة في القياس الدقيق لمتوسط معدلات الاستهلاك اليومي من الفلافونيدات، بسبب عملية التعقيد المصاحبة لوجودها في المواد الغذائية المختلفة، وكذلك تنوُّع الثقافة الغذائية من شعب لآخر ومن منطقة جغرافية لأخرى، بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة جدًّا من المركبات الفلافونية في الطبيعة.

في الآونة الأخيرة، توسعت البحوث التي تجرى للكشف عن الجوانب الصحية للمركبات الفلافونية وتأثيرها على البشر توسعًا سريعًا. فوفق دراسة علمية أجريت حول الفوائد الطبية المحتملة للفلافونيدات، أظهر العديد من هذه المركبات نشاطًا مضادًّا للأكسدة، وقدرة على التخلص مما يعرف بالجذور أو الشوارد الحرة المسببة للعديد من الأمراض. كما ظهرت قدرتها على الوقاية من أمراض القلب والشرايين، وكونها من مضادات الإصابة بالسرطان، في حين أظهر بعضها قدرات محتملة لتثبيط عمل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).

كما خلصت دراسة علمية حديثة، أجراها باحثون بجامعة شرق أنجليا البريطانية، بالتعاون مع باحثين من جامعة هارفارد الأمريكية، ونُشرت نتائجها في 14 يناير/ كانون الثاني 2016 في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية، على الفواكه الغنية بهذه المركبات قدرتها على الحد من خطر إصابة الرجال بالضعف الجنسي.

وقبلها بعامين، كشف باحثون أمريكيون في دراسة نشرتها "المجلة الأمريكية للتغذية السريرية" في 10 يوليو 2014، أن أصباغ الـ"أنثوسيانين" وهي فئة من مركبات الـ"فلافونويد" (Flavonoids) التي توجد بالباذنجان تقلل من خطر الوفاة بأمراض القلب.

ومؤخرًا، بدأ خبراء من معهد شينجيانغ التقني للفيزياء والكيمياء في الصين دراسات سريرية على فاعلية 20 مركب فلافونيد مستخلصة من نبات القطن في علاج مرض ألزهايمر. وكان الخبراء قد اختبروا هذه المركبات منذ عام 2013 على الفئران واكتشفوا دورها في تحسين الذاكرة، فبدأوا في يناير/ كانون الثاني 2016 خطوات أخرى أوصلتهم إلى إنتاج أقراص أدوية لاختبارها على متطوعين من البشر.

والخطوة التي توصل لها الفريق البحثي الصيني هي الخطوة الأخيرة التي يسعى لها أي بحث علمي طبي، في حين لا يزال الفريق البحثي المصري عند مرحلة اختبارات الفئران، والتي أثبتت من خلال التجارب التي أُجريت عليها أن المركبات الفلافونية التي أمكن عزلها من نبات السلق لها وظيفة في حماية الكبد.

وتشرح د. أماني هاشم -عضو الفريق البحثي هذه التجارب التي نشرت نتائجها مجلة "Die PHARMAZIE" الألمانية في شهر إبريل 2016-: "جرت تغذية الفئران بوجبات عالية المحتوى الدهني، ونتيجة هذه التغذية أصيبت بارتفاع في مستوى الكوليسترول في الدم، والذي يُعَد من أهم العوامل المسببة لأمراض الكبد والسبب الرئيسي لتصلب الشرايين وأمراض القلب".

وتضيف الباحثة لموقع "للعلم": "عن طريق قياس إنزيمات وظائف الكبد المختلفة، بالإضافة إلى قياس مستوى الدهون وتشمل قياس معدلات الكوليسترول والبروتين الدهني العالي الكثافة والبروتين الدهني المنخفض الكثافة والدهون الثلاثية، وإجراء تحليل هيستوباثولوجي لشرائح الكبد، تم التوصل إلى فائدة المستخلص الكحولي المائي لأوراق السلق في حماية كبد الفئران وإنقاصه معدلات نسب دهون الدم في الفئران".

وعن الخطوة التالية للوصول بهذا البحث إلى نتائج تطبيقية، توضح الباحثة أنهم بحاجة في البداية لاستكمال مرحلة التجارب على الفئران؛ لمعرفة الآلية التي بسببها حدثت تلك الآثار الإيجابية.

وتابعت: "لدينا بعض الاحتمالات، مثل أن يكون هناك تأثير حدث لإنزيم "الليبيز" المسؤول عن هضم الدهون، أو أن يكون هناك تأثير حدث لمستقبِلات الخلية، والدراسة التالية تحسم ذلك".

وكان الفريق قد تألف من الباحثين د. محمود نوار، ود. أماني هاشم، ود. محمود سليمان، ود. منال حامد، ود. نهى سويلم، بالتعاون مع الباحثة الألمانية أولريكا ليندكويست من جامعة "هومبولدت" في ألمانيا.

إضافة مهمة ولكن

إن ما توصل له الفريق البحثي يعتبره د. ممدوح محمد أحمد -الأستاذ بكلية العلوم جامعة المنصورة- إضافة مهمة، ينقصها معرفة الفرق في الفائدة بين ما توصل له الفريق المصري وما عُرض مؤخرًا في مؤتمر الجمعية الكيميائية الأمريكية.

ويقول د. ممدوح لـ"للعلم": "كان أحد الأبحاث الأمريكية المعروضة في المؤتمر الـ252 للجمعية يتناول تأثير مركبات فلافونية مصدرها البرتقال والليمون وفواكه حمضية أخرى في تقليل تضرر خلايا الكبد الناتج عن كثرة أكل الدهون".

ويضيف: "أتصور أننا بحاجة لمعرفة ما هي الإضافة العلمية لمركبات نبات السلق، فضلًا عما تؤديه مركبات الفلافونية المشار إليها بهذه الفواكه، لا سيما أن الفواكه التي يتناولها البحث الأمريكي متداولة عند أغلب الناس، على عكس نبات السلق الذي لا يحظى بالانتشار ذاته".

في صالحنا لا ضدنا

الملحوظة التي أبداها د. ممدوح، يعتبرها د. محمود نوار -عضو الفريق البحثي- في صالح البحث لا ضده. ويقول د. نوار: "البحث العلمي وظيفته أن ينبه إلى ما هو غير معتاد، فإذا كان ما توصلنا إليه سينبه الناس إلى أهمية نبات السلق ليدخل بكثرة في النظام الغذائي، مثل الفواكه التي تناولتها الدراسة الأمريكية، فهذا في حد ذاته أمر محمود".

وتابع: "بالإضافة إلى ذلك، فإن البرتقال والليمون من الفواكه التي يجري تصديرها، فإذا كان بالإمكان الحصول على فوائدهما من مصدر آخر لا يجري تصديره وهو نبات السلق، فهذه ميزة إضافية".

ويُطهى نبات السلق في مصر مع بعض الأكلات الشهيرة مثل القلقاس والسبانخ، كما يفضل البعض استخدام أوراقه في طبق السلطة، ويأمل الفريق البحثي المصري أن تتسع فوائده ليدخل في صناعة دواء خاص بالكبد.

ويحتاج تطوير أي نتائج بحثية وتحويلها لمنتج دوائي إلى المرور بست محطات، تبدأ بالاختبارات المعملية ثم التجربة على "فئران التجارب"، تليها "التجربة على حيوانات ثديية أكبر"، ثم "التجربة على متطوعين من البشر"، وتمر هذه المحطة المهمة بثلاث خطوات، هي اختبار الدواء مع أصحاء لدراسة آثاره الجانبية، ثم مع عدد قليل من المرضى، وبعد ذلك مع عدد أكبر من المرضى.

ويقول د. نوار: "نحن -قسم كيمياء تصنيف النباتات بشعبة الصيدلة- يتوقف دورنا عند اكتشاف أسرار النبات، من خلال التجارب على الفئران، أما توظيف هذه الأسرار في المراحل الخمس التالية، فيحتاج إلى عمل من نوع آخر، يمكن أن نكون أعضاء في الفريق البحثي الخاص به، لكننا لسنا الأساس".

الأماني ممكنة

ويرى د. محمد عز العرب -استشاري بالمعهد القومي للكبد، والمستشار الطبي للمركز المصري للحق في الدواء- أن تجاوُز مرحلة فئران التجارب إلى المراحل الخمس التالية ليس صعبًا، لكن الأمر يحتاج لبعض من التنظيم، في ظل محدودية التمويل الموجه للبحث العلمي.

ويقول د. عز العرب: "لدينا عشرات الأبحاث التي تعاملت مع نباتات لها فائدة إيجابية في تحسين وظائف الكبد، وسيكون من الصعب توجيه أموال لكل هذه الأبحاث، للانتقال بها إلى مرحلة أبعد".

ويتساءل: "ما المانع أن تُعرض كل هذه الأبحاث على لجنة علمية متخصصة في أكاديمية البحث العلمي لاختيار أحدها وفق معايير عادلة وموضوعية يتم وضعها ويتم توجيه كل الدعم لها".

ويقترح د. عز العرب أن يكون من بين تلك المعايير مدى انتشار النبات في مصر، وإمكانية استزراعه على نطاق واسع، حال قررنا استخدامه في إنتاج الدواء.

السلق في المقدمة

بالنسبة للمعيار الذي أشار إليه د. عز العرب، يشير د. شعبان أبو حسين -الباحث بالشعبة الزراعية بالمركز القومي للبحوث- إلى تحقُّقه مع نبات السلق.

وينمو نبات السلق في مصر برِّيًّا في بعض المناطق أواخر فصل الخريف مع بدايات سقوط الأمطار في شهري أكتوبر ونوفمبر، وتزداد وتيرة نموه في أثناء فصل الشتاء، وإلى جانب ظهوره برِّيًّا في بعض المناطق، يمكن زراعته في مناطق أخرى، حيث توجد بذور خاصة به.

ويقول د. أبو حسين: "هذه المزايا لنبات السلق تضعه في المقدمة، إلى جانب أنه نبات يؤكل في الأساس، ومن ثَم فإن نسبة السمية فيه تكاد تكون منعدمة، وبالتالي لا يحتاج تحويله لدواء إلى دراسات تستغرق وقتًا طويلًا".

ويؤكد د. أبو حسين هذه الرؤية بالاستناد إلى تاريخ نبات السلق، والذي عرفه العرب القدماء كعلاج للعديد من الأمراض، ومنها مرض ترقق وهشاشة العظام، لاحتوائه على فيتامين K، وهو من أهم العناصر التي توقف نشاط الخلايا المسؤولة عن هذا المرض.