حاز فهم الشخصية البشرية اهتمامَ الفلاسفة والعلماء لآلاف السنين؛ إذ جرى تناوُلها وفق نظریات عدیدة مختلفة ومتباینة، فالبعض يرى أن الشخصية تصف تأثير الصفات الجسمیة والعقلیة والوجدانیة للشخص في الآخرین، بينما يرى آخرون أنها تشمل شعور الفرد وتصوُّره عن ذاته.

أما على صعيد التعريف اللغوي، فتُشتق كلمة "الشخصية" أو "personality" باللغة الإنجلیزیة من كلمة "Persona" لاتينية الأصل، وتعني القناع الذي یلبسه الممثل في العصور القدیمة حین یقوم بتمثیل دور أو بغرض الظهور بمظهر معین أمام الناس، وذلك في دلالة على أن الشخصیة هي ما یُظهره الشخص في مواقف الحياة.

فما هي الشخصية؟ وما أبرز سماتها؟.. هذه الأسئلة وغيرها هي ما حاولت الإجابة عنه دراسةٌ حديثة نُشرت في دورية نيتشر هيومان بيهيفيور. ومن خلال دراسة بيانات أكثر من 1.5 مليون شخص، استطاع باحثو الدراسة تحديد أربع مجموعات مميزة من أنماط الشخصية، وهي: المتوسط​​ "العادي"، والمتحفظ، والأناني "ذاتي التركيز"، والقدوة.

محاولات عدة

حاول الناس تصنيف أنواع الشخصية منذ زمن أبقراط، لكن الأدبيات العلمية السابقة وجدت أن كثيرًا من هذه التصنيفات لا قيمة له. الدراسة الأخيرة تُعَد هي الأضخم، من حيث حجم البيانات التي استندت إليها؛ إذ شملت استبانةً للرأي بمشاركة ما يزيد على مليون ونصف مليون شخص حول العالم، وتراوحت الأسئلة المتضمنة في الاستبانة من 44 إلى 300 سؤال، تم تطويرها من قِبَل الباحثين على مدى عقود سابقة؛ لرصد الاختلافات بين الشخصيات المختلفة وفهمها. وقد جرت الاستجابة لهذه الأسئلة من قِبَل المشاركين عبر الإنترنت بعدما تم اجتذابهم بتلقِّي التقييم حول شخصيتهم بعد إتمام الاستبانة.

وتُعَد نتائج الدراسات العلمية في هذا الصدد من الأهمية بمكان، خاصةً مع ما تحظى به من اهتمام واسع وكبير لدى العديد من الفئات الحيوية داخل المؤسسات المختلفة، كمديري الموارد البشرية في الشركات، أو مقدمي الرعاية الصحية العقلية، أو مندوبي شركات التأمين.

وكان الفلاسفة قد حاولوا كثيرًا التقاط الفروق الفردية في السلوك والعاطفة وتنظيمها لفهم شخصية الإنسان، لكن في العقود القليلة الماضية فقط ظهر توافُق في الآراء حول البنية الأساسية للشخصية في شكل نموذج يُعرِّف السمات الفردية الخمس: (العصابية، والانبساط، والانفتاح، والتوافق، والضمير).

جرى تحديد هذه السمات الخمس واختبارها على نحوٍ موثوق في العديد من الدراسات التجريبية عبر لغات وثقافات مختلفة، وثبت أنها تنبئ جيدًا بأنماط السلوك، مثل الرفاه والصحة النفسية، والأداء الوظيفي والعلاقات الزوجية، كما وفرت أيضًا إطارًا مفيدًا في مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك التقييمات السريرية لاضطرابات الشخصية.

الفريق البحثي بقيادة البروفيسور "لويس أمارال" -أستاذ الهندسة الكيميائية والبيولوجية بجامعة نورث ويسترن الأمريكية- استند إلى بيان مدى صحة التصنيف السائد للشخصيات، الذي يُعرف بالسمات الشخصية الفردية أو الأساسية الخمس.

يؤكد "أمارال" أنه بالرغم من مختلِف الأبحاث العلمية التى تناولت أنماط الشخصية بالدراسة، إلا أنها في غالبيتها جرت على مجموعة محدودة من حيث حجم العينة (ألف مشارك)، وهو ما يَحُدُّ من القدرة على الوصول إلى نتائج حاسمة عن الشخصية، قائلًا: "نضع هنا نهجًا بديلًا لتحديد أنواع الشخصية، التي نطبقها على أربع مجموعات من البيانات كبيرة العدد، تضم أكثر من 1.5 مليون مشترك".

ويعلق الباحث المشارك "ويليام ريفيل" -أستاذ علم النفس بكلية واينبرغ للفنون والعلوم بجامعة نورث وسترن- على نتائج الدراسة بقوله: "حاول العلماء وضع تصنيف لأنواع الشخصية منذ زمن أبقراط، ولكن الأدبيات العلمية السابقة لم تستطع الوصول إلى نتائج محددة".

واستطرد "ريفيل"، المتخصص في قياسات الشخصية: "الآن تُظهر لنا هذه البيانات وجودًا أقوى لأنماط محددة من الشخصية"، مشددًا على أنه لا يزال مفهوم أنماط الشخصية أمرًا مثيرًا للجدل في علم النفس، خاصةً مع صعوبة العثور على دليل علمي قوي يدعمها. ويضيف: "لقد أدت المحاولات السابقة القائمة على مجموعات بحثية صغيرة إلى نتائج غير قابلة للتكرار في كثير من الأحيان".

العلاقة بين النموذجين

يبقى أن نعرف مميزات وعيوب السمات الخمس المتعارف عليها قبل هذه الدراسة (العصابية، والانبساط، والانفتاح، والتوافق، والضمير)، وهي معروفة على نطاق واسع، وجرى التعاطي معها للتعرف على أبعاد الشخصية البشرية، ثم إيجاد العلاقة بينها وبين النموذج الجديد المستند إلى نتائج الدراسة الأخيرة، لنعرف مَن نحن، وكيف يرانا الآخرون.

فعلى سبيل المثال تشمل العصابية كلًّا من القلق، والغضب، والعدائية، والاكتئاب، والوعي الذاتي، والاندفاعية، وعدم قدرة الفرد على تحمُّل الضغوط، والشعور بالعجز واليأس.

بينما تفرض سمة الانبساط على الشخص أن يكون أكثر اجتماعيةً ويكون محبًّا للحفلات باحثًا عن الإثارة، ويمتاز بسرعة الحركة والعمل، كذلك يميل للإيجابية كالشعور بالبهجة والمتعة وسرعة الضحك والابتسام والتفاؤل، أو كما يراه الآخرون ودودًا حَسَن المَعشر، وقد يُظهر رغبةً لتوكيد الذات من حب السيطرة والتنافس والزعامة.

أما سمة التوافقية، فمن صفات أصحابها الطيبة والوداعة، وتظهر جليةً في تعبير الشخص بالثقة تجاه نفسه والآخرين، وعادةً ما يكون هذا الشخص متواضعًا، ومستقيمًا، ومخلصًا، وصريحًا، وتجده في تعامله مع الآخرين يُظهر التعاون والتعاطف والدفاع عن حقوقهم.

أما هؤلاء الذين يتميزون بسمة الانفتاح، فيسهل أن تعرفهم من خلال نمط حياتهم المفعمة بالخيال، فتجدهم قادرين على التأمل، محبين للفن والأدب، تظهر انفعالاتهم على وجوههم، وعادةً ما يرغب هؤلاء في تجديد الأنشطة والذهاب إلى أماكن لم يسبق لهم زيارتها، رغبةً في التخلص من الروتين اليومي، أما على صعيد الأفكار فنجدهم ذوي عقل متفتح يمتاز بالفطنة وعدم الجمود، والتجديد في الأفكار، كما نجدهم يميلون إلى إعادة النظر في القيم الاجتماعية والسياسية والدينية.

وأخيرًا يأتي أصحاب يقظة الضمير، وهؤلاء غالبًا ما يصفون بالبراعة والكفاءة والتصرف بحكمة مع المواقف الحياتية المختلفة، وغالبًا ما ينطبق عليهم وصف النظام، والتهذيب، والالتزام بالواجبات، والتقيُّد بالقيم الأخلاقية، كما تجدهم مناضلين في سبيل الإنجاز، متسلحين بصفات الطموح، والمثابرة، والاجتهاد، وضبط الذات، والتخطيط الجاد، وغالبًا ما يكون هؤلاء أكثر تمهلًا ونزوعًا إلى التفكير قبل القيام بأي فعل، ولذلك يصفهم الآخرون بالحذر والحرص.

وبناء على هذه الصفات يمكن إعادة فهم الأنواع الأربعة للشخصية التي انتهت إليها نتائج الدراسة الجديدة، كما يقول "عبد الله عسكر"، أستاذ علم النفس بكلية الآداب بجامعة الزقازيق، وهي:

 أولًا: النمط العادي أو المعتدل، وترتفع لديه عوامل العصابية والانبساطية، مقارنةً بانخفاض عامل الانفتاح، بينما نرصد توازنًا لعوامل الطيبة ويقظة الضمير عليه.

ثانيًا: نمط الشخصية التحفظية، وتتوازن لديه عوامل الانبساطية والطيبة ويقظة الضمير، في حين تنخفض عوامل العصابية والانفتاح.

ثالثًا: نمط المتركز حول الذات أو الأناني، ونجد لديه ارتفاعًا ملحوظًا في الانبساطية بينما تنخفض باقي العوامل.

رابعًا وأخيرًا: نمط الشخصية القدوة، وتنخفض لديه العصابية بينما ترتفع باقي العوامل.

أكبر مجموعة من البيانات

عالجت الدراسة -وفقًا لتصريحات البروفيسور أمارال لـ"للعلم"- الجدل المتعلق بالشخصية من خلال الاعتماد على آليات الجمع بين النهج الحسابي لتجميع مجموعات البيانات الكبيرة، والتي تتضمن ردود مئات الآلاف من مستخدمي الاستبانات المستندة إلى الويب.

يقول "أمارال": "إن مجموعات البيانات هذه هي من أكبر المجموعات المتاحة للعموم، وتتيح التيقن مما إذا كانت الشخصية تنقسم إلى أنواع موجودة حقًّا".

 ويضيف أن هذا الثراء في البيانات لا يسمح فقط بتكوين رؤية مباشرة عن سمات الشخصية، بل يمكِّننا أيضًا من صياغة نماذج قوية لتقييمها.

تعكس نتائج هذه الدراسة -كما يرى "عسكر"- التطور التكنولوجي الحادث في مجال القياس النفسي على المستوى العالمي العابر للحدود من خلال شبكة المعلومات الإلكترونية، وهو ما يجعلها بمنزلة نموذج متطور للمعالجة الإحصائية لبيانات قياس الشخصية التي سبق تناوُلها قديمًا، موضحًا أن هناك العديد من المحاولات البحثية حول وضع تصنيفات إحصائية للشخصية البشرية استنادًا إلى نظريات السمات الشخصية.

القياسات العربية مقيدة

ولكن هل تُعَدُّ هذه النتائج صالحةً للقياس عليها عند تقييم الشخصية العربية، أم أن الوضع مختلف؟ ولماذا لا نرى أبحاثًا مشابهةً تقيس أنماط الشخصية العربية وما فيها من متغيرات؟

وهو ما يجيب عنه "عسكر"، قائلًا: "نماذج الدراسات البحثية المتوافرة عربيًّا غالبًا ما تكون محدودة العينة، وحتى الآن لا توجد دراسة مسحية واحدة عن سمات الشخصية العربية".

ويرى أن البحوث العربية متخلفة في هذا المجال؛ نظرًا للقيود المفروضة على عمليات المسح الشامل لخصائص الشخصية العربية. ويستطرد: نأمل أن نرى في القريب بحوثًا بالمتغيرات نفسها ولكن على أنواع مختلفة من البيانات؛ من أجل تقييم القدرة على تعميم النتائج التي تم التوصل إليها، أو أن نرى دراسات للمقارنة حول اتساق هذه الأنواع الأربعة للشخصية في المجتمعات العربية وباقي العوامل الديموجرافية الخاصة بها، بما في ذلك السن، والنوع، والطبقة الاجتماعية، ومستوى التعليم على سبيل المثال.

الفطرة والمؤثرات المجتمعية

أشارت الدراسة أيضًا إلى الدور القوي لكلٍّ من عاملَي العمر والنوع في تحديد سمات الشخصية، وهو ما اتضح بصفة خاصة في الشخصيات "القدوة"؛ إذ كانت نسبة المستجيبين الأصغر من 21 سنة أقل تمثيلًا، بالمقارنة بمَن هم أكبر من 40 سنة الذين أظهروا تمثيلًا قويًّا في هذه المجموعة من الشخصيات، وهو الأمر الذي امتد إلى نوع المشاركين، إذ أظهرت الإناث حضورًا أكثر ضمن المجموعة القدوة، مقارنةً بالمجموعة ذات سمات الأنانية، وكانت ملاحظة التأثير الأقوى للإناث الأكبر سنًّا من 60 سنة من العمر.

وهو ما يجعل الدراسة تقدم أدلةً مُقنِعةً على حدٍّ سواء من الناحية الكمية والنوعية، على حد قول "أمارال"، معتبرًا أن الاتساق مع قياسات المتغيرات الخارجية -مثل الجنس والسن- يضيف المزيد من الدعم إلى قوة التصنيف الذي أظهره منهجنا التحليلي، ومضيفًا أيضًا أن الاعتماد على استبانة ذات قياس متعدد الأسئلة يُعَدُّ نقطة قوة للدراسة؛ إذ يسمح بالتعبير أكثر عن الشخصية.

ومن جانبها، تشدد "سامية خضر" -أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس- على أن محددات الشخصية ترتبط بالجانب البيولوجي، كالنوع أنثى أم ذكر، وكذلك الشكل ولون الشعر وطول الجسد وغيره من المورثات التي يرثها الفرد في الأغلب من الوالدين والأسرة، إذ تؤدي دورًا مهمًّا في بناء شخصيته ونظرته لنفسه وللآخرين.

وتؤكد أنه مع بداية حياة الفرد تتداخل العوامل الاجتماعية في تشكيل نفسيته، ويؤثر الجانب البيئي وما يتصل به من مستوى السكن والتعليم ونوعية الأصدقاء.

من جانبها ترى "خضر" أن تتبُّع تطور الشخصية على نطاقها الفردي ليس كافيًا وحده لفهمها، بل لا بد من تتبُّع الوسط الذي تتطور فيه، فكل شخصية هي تلخيص للواقع الاجتماعي والتربوي والثقافي والتاريخي الذي تعيشه.

وتضيف أن السلوك الصادر عن الشخصية يتحدد بدرجة كبيرة بخصائصها ومميزاتها الخاصة، دون أن ننفي ظروف الموقف، لذا نجد أن شخصيةً ما، يختلف سلوكها تمامًا من موقف إلى آخر، كما نجد الشخصين المختلفين يسلكان سلوكًا مختلفًا، حتى ولو كانت الظروف متماثلة.

أثبتت الأبحاث العلمية أن نمو مكونات الشخصية يكون بطريقة توافقية ومنسجمة بين دوافع الفطرة والعوامل البيئية، وفق "خضر"، التي تقول: "إن الشخصية السوية المتكاملة هي التي تمتاز بالتوافق النفسي والاجتماعي معًا بطريقة متكاملة؛ إذ تتوافق مكونات الشخصية مع نفسها والمحيطين من الأسرة والزملاء والأصدقاء، وإٕذا لم يحدث هذا التكامل تنتج الصراعات والأمراض النفسية بين أفراد المجتمع".

وتختتم كلامها بأن الشخصية من أهم عناصر النجاح في تحقيق معدل التنمية والاستقرار، ولكن مع انطلاق المجتمعات نحو التنمية تتفاقم بعض المشكلات الاجتماعية، مثل الجريمة والانحراف وتعاطي المخدرات، موضحةً أن التغيُّر الإيجابي في الشخصية لن يتأتى صدفةً أو تلقائيًّا مع مرور الوقت، بل يتطلب ميلادًا داخليًّا للتغيير، ويتطلب كذلك مؤثرًا خارجيًّا كوجود قدوة أو مشجع، شريطة المتابعة الواعية من أجل التقاط هذه الميول الإيجابية وتعظيمها لمواجهة هذا الانحراف.