هل نظرت يومًا إلى صاروخ فضائي؟ إذا دققت النظر في الصاروخ فستجد في مقدمته قطعة مخروطية الشكل تُستخدم لحماية الأجهزة الدقيقة داخل الصاروخ؛ إذ يتميز الشكل المخروطي بمقاومة كبيرة لتأثيرات الضغط الناجم عن الحركة، كما أنه يعمل على تقليل درجة حرارة الجسم عبر السماح للهواء بالانسياب حوله، ما يؤدي إلى انتقال الحرارة من الجسم إلى البيئة المحيطة بواسطة تيارات الحمل.

هذا بالضبط ما يفعله الغلاف الجوي بالنيازك في أثناء الطيران؛ إذ ينحت حواف النيزك غير المنتظمة، لإكسابها مرونة هوائية أكبر، ومقاومة أكبر لتأثيرات الضغط، وتقليل درجة حرارتها قبل الاصطدام بالأرض، وفق  دراسة نشرتها دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS).

وعلى الرغم من صعوبة عمل محاكاة دقيقة لبيئة النيازك والظروف المحيطة بها في طريقها إلى سطح كوكب الأرض، فقد سعى الباحثون لمعرفة السبب وراء تشكُّل النيازك المخروطية الموجودة على سطح كوكب الأرض، وتمكَّنوا من تقريب هذه العوامل باستخدام مواد متوافرة على سطح الأرض، هي الطين والماء.

تشير الدراسة إلى أن معظم النيازك التي توجد على سطح كوكبنا الأزرق لها شكل عشوائي، إلا أنه من المستغرب وجود عدد كبير منها -يُمثل نحو 25 % من النيازك- بأشكال مُحددة، إذ إن تلك النيازك لها شكل مخروطي غريب، موضحةً أن "الغلاف الجوي للأرض يقوم بتشكيل الصخور في أثناء عبور النيزك وسقوطه على الأرض، حتى يكتسب شكلًا أكثر ديناميكية، يُقلل من الاحتكاك، ومن مقاومة الهواء أيضًا".

ويرى الباحثون أن الغلاف الجوي للأرض يولد قوى "إيروديناميك" (Aerodynamic)، وهي القُوى المؤثرة على جسمٍ ما في أثناء حركته في الهواء، وتُذيب هذه القوى حواف النيزك، وتنحته، وتُكسبه الشكل المخروطي في أثناء الطيران. وتبدأ العملية بمجرد وصول النيزك إلى طبقات الجو العُليا، وتنتهي في لحظة اصطدامه بالأرض.

تُسافر النيازك في الفضاء بسرعات مهولة، وتنتقل من الفراغ إلى غلافنا الجوي المُكون من غازات مختلفة الكثافة. وبمجرد دخولها إلى الغلاف الجوي، تبدأ عملية مقاومة السقوط، فحين تتحرك كتلةٌ ما بسرعة كبيرة داخل وسط غازي، تنشأ مقاومة من ذلك الوسط في محاولة لتقليل سرعة تلك الكتلة، وتُولد تلك المقاومة احتكاكًا ينجم عنه ارتفاع درجة حرارة مكونات النيزك، في تلك اللحظة، وفي حالة النيازك المخروطية، تبدأ حواف النيزك في الانهيار، ليكتسب الجسم الشكل المخروطي، الذي يجعل مُقاومة الهواء له أقل، فيسقط بسرعات أكبر فأكبر وصولًا إلى الأرض.

في البداية قام الباحثون بصنع كرات من الطين اللين، ثم وضعوها وسط تيارات مياه متسارعة، بحيث تُمثل كرات الطين النيازك، أما تيار الماء فيمثل الغلاف الجوي. ووجدوا أن كرة الطين تميل إلى التشوه والتآكل والوصول إلى شكل مخروطي في محاولة تقليل مقاومة الماء.

لكن تلك التجربة وحدها لا يمكن أن تفسر الطريقة التي تتشكل بها النيازك؛ إذ إن خواص الطين اللين تختلف تمامًا عن نظيرتها لدى النيازك الصخرية والمعدنية، كما أن السقوط من أعلى إلى أسفل يختلف عن المقاومة الناشئة من قطعة طين وسط تيار مائي. لذا ألقى الباحثون مجموعةً مختلفة من المخاريط في ماء ليروا كيف يُمكن أن تسقط. واتضح لهم أن المخروط ذا القمع الأضيق أو القمع الواسع جدًّا يميل إلى الانهيار حين يسقط بسرعة كبيرة داخل تيار مائي، في الوقت الذي يُسافر فيه المخروط المعتدل بسلاسة عبر التيارات المائية، تمامًا كما تفعل النيازك الموجهة.

يقول "ليف ريستروف" –الأستاذ المساعد في "معهد كورانت للعلوم الرياضية" بجامعة نيويورك، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الورقة العلمية وجدت تفسيرًا للعثور على أشكال نيزكية مخروطية على كوكب الأرض؛ إذ تميل المخاريط إلى الطيران بشكل مستقيم، وعدم الانهيار في أثناء رحلتها، وهذا الاستقرار هو ما يجعل النيزك يُحافظ على شكله المخروطي حتى عندما يحترق أو يذوب أو يتآكل خلال رحلته السريعة عبر الغلاف الجوي الكثيف".

بدأت الدراسة عام 2011، بهدف معرفة الطريقة التي ينحت بها الماء الصخور الموجودة في المجاري المائية. ثم طورها الباحثون لمعرفة أثر احتكاك الغلاف الجوي على الأجسام النيزكية.

يضيف "ريستروف" أن "نتائج الورقة شكلت مفاجأة كبيرة؛ فهناك العديد من المصادفات التي تؤدي إلى وصول النيازك إلى شكلها المخروطي، أولى تلك المصادفات تتمثل في دخول النيزك إلى الغلاف الجوي مباشرةً في خطٍّ مستقيم، أما المصادفة الثانية فتتمثل في تشكيل النيزك بالصورة الصحيحة تمامًا والتي تجعله يصطدم بكوكب الأرض وهو متماسك دون أن يتفتت؛ فالأشكال الصحيحة فقط للنيازك هي التي تستطيع فعل ذلك، ولو كان المخروط رفيعًا جدًّا أو واسعًا لتفتت، شأنه شأن النيازك الأخرى".

يهتم "ريستروف" وزملاؤه بمجال "الجيومورفولوجيا"، الذي يسعى لشرح الطرق التي تتشكل بها الأجسام، والعوامل التي أثرت عليها في أثناء التشكُّل؛ للوصول إلى فهم أعمق لأصل الأشياء.

يقول "ريستروف": على الرغم من أن تلك الدراسة ليس لها تطبيقات على الإطلاق، إلا أن ميزتها المباشرة تتعلق بإشباع الفضول البشري حول الأشياء الطبيعية الموجودة حولنا؛ إذ إن فهم الطريقة التي تَشَكَّل بها جبل ما، أو صخرة في مجرى الماء، أو حتى سحابة تمر فوق رؤوسنا يُعَد أمرًا يشبع الفضول، وربما يُجيب عن التساؤل الأكبر، وهو كيف تشكَّل جنس الإنسان.