لم يكن الأثريون المصريون العاملون بمقبرة البوباستيون في منطقة سقارة بالقرب من الجيزة (جنوب القاهرة) يتوقعون أن يعثروا على هذا الكم من مومياوات الحيوانات المحنطة وتماثيل الحيوانات بمختلِف الأشكال والأنواع. كانت المفاجأة الكبرى هي العثور على مومياوين كبيرتين من حيث الحجم من فصيلة القطط (السنوريات)، يرجح أنهم لأشبال أسود. وتضم فصيلة السنوريات القطط والقطط البرية والفهود والأسود. ويكشف الحجم الكبير لهذه المقبرة -التي وصفها الأثريون بالخبيئة، إذ عُثر فيها على عدد غير قليل من مومياوات الحيوانات واللقي الأثرية في الحفرة نفسها- سر الاهتمام الشديد للمصريين القدماء بتحنيط الحيوانات المختلفة.

قال الدكتور مصطفى وزيري -الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي قاد الفريقَ الذي عثر على المقبرة، التي أُعلنَ عن اكتشافها في 23 نوفمبر الماضي- إنه جرى الكشف عن مئات من مومياوات القطط في صناديق أو توابيت صغيرة، عليها نقوش هيروغليفية وهي في حالة جيدة من الحفظ، بالإضافة إلى 25 صندوقًا خشبيًّا، أغلبها يحوي مومياوات لقطط عليها بعض الكتابات الهيروغليفية، و 75 تمثالًا خشبيًّا لقطط من مختلف المقاسات، وكذلك 25 تمثالًا لقطط كبيرة الحجم أكبرها تمثال بارتفاع 85 سنتيمترًا، وكذلك 73 تمثالًا من البرونز للإله أوزوريس، و4 تماثيل لقطط من البرونز، و6 تماثيل خشبية للإله بتاح سوكر، وعدد 7 تماثيل خشبية للإلهة سخمت من الفيانس، و3 تماثيل لتماسيح من الخشب، بعضها يحتوي على مومياوات لتماسيح، وتابوتين من الحجر الجيري عليهما نقش باسم الإلهة باستت وبداخلهما مومياوات لقطط، ولوحة حجرية عليها اسم الملك أبسماتيك الأول (الأسرة 26)، وصندوق خشبي فيه قناع عليه بعض تذهيب بداخله تمثالان لسيدتين برأس كوبرا، و10 تماثيل خشبية لأشخاص بملامح أجنبية.

ولكن الأهم ضمن ما جاء في محتويات هذا الكشف، ما يُشتبه في وجود مومياوات لقطط ضخمة يرحج أن تكون لأشبال أسود، وهو أمر يحدث للمرة الثانية، إذ جرى الكشف في عام 2004 عن هيكلين عظميين لأسود في جبانة تونة الجبل بمحافظة المنيا.

ووفق صبري فرج، مدير منطقة آثار سقارة، فإن هذه المومياوات الحيوانية المكتشَفة ترجع إلى العصر الفرعوني المتأخر بين عامي (664 و332 قبل الميلاد). في حين ذكرت بعض المواقع أنها تعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين (664 –525 ق.م)؛ بسبب العثور -ضمن محتويات الكشف- على لوحة حجرية تحمل اسم الملك أبسماتيك، مؤسس الأسرة السادسة والعشرين.

دراسات مبدئية

وقالت سليمة إكرام -أستاذ الآثار بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهي واحدة من اثنين من المتخصصين الذين استعانت بهما وزارة الآثار، لإجراء الدراسات العلمية المبدئية للمومياوات المكتشفة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إنها قامت باستخدام الأشعة السينية في دراسة الحيوانات دون فك لفائف التحنيط الموجودة حولها، وكذلك الفحص الميكروسكوبي، وذلك من أجل تحديد نوع الحيوانات ومعرفة كيفية تحنيطها. ووفق "إكرام" فإن هناك مومياوان يرجح بنسبة 95 بالمئة أنهما لأشبال أسود، تتراوح أعمارهما بين 6 و8 شهور. 

وأكدت ضرورة مواصلة الدراسات باستخدام الكربون المشع 14 لتحديد عمر المومياوات بدقة، وكذلك إجراء فحوصات بالأشعة المقطعية وتحليل دي إن إيه DNA؛ حتى نتعرف أكثر على العلاقة التي كانت سائدة بين الحيوانات البرية والخطرة (المفترسة) والمصريين القدماء، مشيرةً إلى أن هذا الكشف يمكن أن يقودنا إلى مناطق جرى فيها الاحتفاظ بالأسود داخل مصر، إذ إن العثور على أسود محنطة في هذا العصر يُعَد أمرًا نادرًا جدًّا. 

تقديس الروح السامية 

وأوضحت أستاذة الآثار بالجامعة الأمريكية أن تحنيط الحيوانات في مصر القديمة بدأ في القرن الثامن قبل الميلاد، وأن المصريين القدماء لم يقدسوا كل أنواع الحيوانات، بل كان الاختيار يقع -من خلال مجموعة من العلماء والكهنة- على أنواع محددة تتوافر فيها صفات معينة. عند توافر الشروط المطلوبة في حيوان معين، يجري إعلانه كحيوان مقدس، ثم تقام احتفالات عظيمة بهذا الشأن في المعبد الخاص به. وواصلت: "إن المصري القديم لم يكن يقدس الحيوان في حد ذاته، وإنما كان يقدس الروح السامية الكامنة في هذا الحيوان، اعتقادًا منه أن جزءًا من روح الإله تدخل جسد الحيوان في أثناء حياته، وهو ما يعطيه القوة، وعندما يموت تدخل هذه الروح في جسد حيوان آخر، مثل نظرية "الدلاي لاما"، التي تؤمن بأن هناك كائنات منيرة اختارت أن تولد وتتجسد في أشخاص آخرين لما فيه خير الكائنات الأخرى. 

وأشارت "إكرام" إلى أن هناك العديد من الجبانات التي خصصها المصري القديم لدفن الحيوانات، منها جبانة سقارة المعروفة بجبانة البوباستيون، التي وُجدت فيها دفنات للقطط والكلاب والصقور، وجبانة في تونا الجبل بالمنيا خاصة بالإله "جحوتي" مدفون فيها ملايين القرود، وطائر أبو منجل، وجبانة تل بسطا بالشرقية الخاصة بالقطط "باستيت"، إلى جانب جبانة في كوم أمبو، وأخرى في الفيوم خاصة بالتماسيح "سوبك".

ومن جانبها، قالت رانيا أحمد، خبيرة المومياوات بالمتحف المصري الذي يمتلك قاعة كبيرة مخصصة لمومياوات الحيوانات: إن المصري القديم كان شديد التفاعل مع البيئة المحيطة به، وكانت الحيوانات من أبرز العناصر التي تشاركه بيئته. ومع مرور الوقت، أدرك أن هذه الحيوانات لها قدرات ربما تفوق قدراته، فهي إما أن تفزعه وتبطش به وإما أن تفيده وتسهل له الحياة. ومن هنا جاء تقديس المصري القديم للحيوانات؛ خوفًا منها أو اعترافًا بفضلها. 

وأشارت "أحمد" إلى مثال الإله أنوبيس، إله المقابر، وهو في الأصل حيوان إبن آوى من فصيلة الكلاب، وكان ينبش القبور ويلتهم أجزاءً من جثث الموتى، فقدسه المصري القديم، اتقاءً لشره، بل جعل منه إلهًا، وهو المنوط به الحفاظ على المقابر من الأرواح الشريرة.

وضربت خبيرة المومياوات مثلًا بالأبقار التي كانت مقدسة في مصر القديمة، وتتمثل في الإلهة "حتحور"، وهي إلهة بجسد سيدة ورأس بقرة، وتعتبر رمزًا للجمال والحب والسعادة، وانتشرت عبادة الأبقار وتقديسها في مصر القديمة انتشارًا واسعًا؛ لما لها من فضل على الإنسان بإمداده بالطعام والألبان والألبسة. 

هل تختلف عملية التحنيط بين الحيوان والإنسان 

لفتت رانيا أحمد، إلى أن تحنيط الحيوانات عند قدماء المصريين كان له عدة أسباب: أولها تحنيط الحيوانات المدللة التي كانت تُدفن مع أصحابها، والسبب الثاني هو الحيوانات المحنطة التي كانت توضع كاملةً أو مجزأة في المقبرة كرمز لإطعام المتوفى في حياته الأبدية، مضيفةً أن ثالث الأسباب هو الحيوانات المقدسة، والسبب الرابع هو تحنيط الحيوانات المقدمة كنذور. 

ووفق خبيرة المومياوات، فقد كان المحنِّط يتخلص من الأحشاء بعد إخراجها من جسد الحيوان، على عكس ما كان يحدث في حالة تحنيط البشر، إذ كانت الأحشاء تحنط أيضًا بعد إخراجها من الجسد لتوضع في أوانٍ خاصة تدعى الأواني الكانوبية (أوانٍ فخارية مخصصة لحفظ أحشاء المتوفى في أثناء عملية التحنيط وتوضع معه في القبر)، وكان الاستثناء من هذه القاعدة أحشاء الطيور التي كانت تعود إلى الجسد بعد تجفيفها، وكانت أحشاء الثور المقدس "منيفيس" توضع في أوانٍ كانوبية مثل البشر. وأوضحت أنه بعد إخلاء جسد الحيوان من أحشائه كان الجسد يُغسل ويجفف في ملح النطرون، وكانت عملية التجفيف تستغرق 40 يومًا، في حين يحتاج إتمام عملية التحنيط إلى 70 يومًا، ويرجح أن هذه المدة كانت تختلف في حالة الحيوانات الأصغر حجمًا، وبعد التجفيف كان الحيوان يدلك بزيوت مختلفة لإعادة الليونة إلى أعضائه، قبل لفه في اللفائف الكتانية وتحضيره للدفن.

ورغم كل الكشوف التي تمت على مر الأزمان، إلا أن هناك أسرارًا للمصريين القدماء لم يزح عنها الستار بعد، ستتيح لنا الصدف والتكنولوجيا كشفها؛ لنضيف إلى معارفنا وعلومنا.