يُعَدُّ سرطان الدم أحد أعنف أنواع السرطانات التي تصيب الإنسان، وأكثرها شيوعًا؛ إذ احتل مجموع أنواعه المختلفة المركز التاسع بين أنواع السرطانات الأكثر انتشارًا في الولايات المتحدة لعام 2014 بنسبة بلغت 3.7%. ومن بين هذه الأنواع ما يعرف بسرطان الخلايا قبل الليمفاوية التائية (لوكيميا الخلايا قبل الليمفاوية التائية) والذى يُعَدُّ الأشد عنفًا، خاصةً وأن نتائج علاجاته سيئة إلى حد كبير، وتمثل حوالي 2% من مجموع نسب الإصابة بسرطانات الدم الليمفاوية، ما دفع فريقًا من الباحثين بوحدة أبحاث أمراض الدم بجامعة هلسنكي ومستشفى جامعة هلسنكي للسرطان في فنلندا للبحث عن أدوية أو مركبات جديدة يمكنها التعامل مع الطفرات الموجودة لدى كل مريض على حدة، في إطار ما يُعرَف بالطب الشخصي.

وتشكل الخلايا التائية 80% من الخلايا الليمفاوية التي تتألف من نوعين رئيسيين، هما الخلايا الليمفاوية بي وتي (التائية)، وتعود تسمية الأخيرة إلى مكان نضوجها في غدة التيموس.

مسح الطفرات

درس فريق البحث تأثير 301 من الأدوية والمركَّبات الطبية على عينات من المرضى المصابين بهذا النوع من السرطان؛ لتقييم مدى استجابة أو مقاومة الخلايا المصابة لهذه المركبات، ثم عملوا على دراسة العلاقة بين الاستجابة للأدوية ووجود تغيُّرات جينية من خلال ما يُعرَف بالتنميط الجيني لتعرُّف معلومات تلك الجينات والتعبير عنها لدى شخص معين أو في مرض معين؛ من أجل التشخيص أو لمعرفة تطوُّره أو استجابته للأدوية.

كما استخدم الباحثون مسح الطفرات لتعرُّف التغيُّرات غير الطبيعية في تركيب الجينات؛ بهدف دراسة تأُثير هذه الطفرات على وظائف تلك الجينات.

وفقًا للدراسة المنشورة بدورية نيتشر لوكيميا في أغسطس الماضي، فإن الباحثين تمكنوا من اكتشاف مجموعة جديدة من المركبات يمكن أن تكون ذات فاعلية كبيرة مع هذا النوع من سرطان الدم؛ إذ استجابت جميع العينات لمركَّب SNS-032 الذي يُعَدُّ أحد مثبطات الإنزيمات المعروفة باسم الكينازات المنوطة بالسيكلين Cyclin-dependent kinase، وهي مجموعة إنزيمات تؤدي دورًا في تنظيم دورة حياة الخلية.

ويؤدي تثبيط هذه الجينات إلى تنشيط جين p53 الخاص بـ«الموت المبرمج» (وهو برنامج انتحار ذاتي في الخلية الحية يتم تفعيله عندما تصل الخلية الحية إلى مرحلة من الهرم تستلزم التخلُّص منها، وهي عميلة تحدث عمدًا؛ إذ تفكِّك فيها الخلية نفسها بنفسها)، مما يؤدي إلى موت الخلية السرطانية في النهاية. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مجموعة أخرى من المركبات التي كانت فعالة في معظم عينات المرضى.

تقول إيما أندرسن -الباحثة بجامعة هلسنكي، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "قمنا بدراسة تركيزات الأدوية المختلفة على الخلايا السرطانية، بحيث تتم دراسة كل دواء على مستوى خمسة تركيزات مختلفة، ثم قمنا بتقييم حيوية هذه الخلايا بعد ثلاثة أيام، وهو ما ساعدنا في تقييم التركيز الفعال والمؤثر لهذه الأدوية".

تضيف أندرسن أنه "إذا كان الدواء فعالًا وقاتلًا لخلايا السرطان في تركيز منخفض فهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستجيب لهذا الدواء، والعكس صحيح"، موضحةً أن "الخطوة التالية كانت البحث عن الطفرات الجينية التي يمكنها تفسير أو توقُّع الاستجابة أو المقاومة لهذه الأدوية في عينات المرضى".

نموذج تطبيقي

بدوره، يقول شادي عدنان -الباحث بوحدة أبحاث أمراض الدم بجامعة هلسنكي، وأحد المشاركين في الدراسة- لـ"للعلم": "يمثل هذا البحث نموذجًا تطبيقيًّا لأهدافنا البحثية؛ فنحن نسعى إلى فهم أفضل لسرطان الدم وإيجاد حلول جديدة تفيد كل مريض على حدة؛ والأبحاث التي نقوم بها تمزج بين دراسة أساسيات السرطان والدراسات الإكلينيكية التي تسعى لترجمة النتائج المعملية إلى نتائج علاجية".

ويؤكد محمد غريب -مدرس طب الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم" أنه "على الرغم من النتائج الواعدة التي يمثلها هذا البحث، فإن التقييم سيختلف حين تجربته على المرضى، وسيمكننا الحكم حين تبدأ التجارب السريرية"، مضيفًا أن "أهم العلاجات الفعالة له حاليًّا دواء أليمتوزوماب Alemtuzumab، لكن استجابة المرضى عادةً ما تكون مؤقتة"، وموضحًا أنه قد يرتدُّ المرض مرةً أخرى بعد العلاج، وحتى استخدام زرع نخاع العظام كحل دائم لم تثبت فاعليته في هذا النوع من السرطانات بشكل كبير؛ إذ لا يبقى تأثيره على المدى الطويل إلا في حالات محدودة، مشددًا على أن لدينا أيضًا مشكلة مقاومة المرض للأدوية وعودته بعد العلاج، وهي نقاط تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، خاصةً أننا في حاجة دائمة إلى خيارات جديدة لعلاج أنواع سرطان الدم.

هذا الرأي أيدته أندرسن نفسها، قائلةً: "إن النتائج ما زالت تجريبية حتى اللحظة، لكن هناك تجارب سريرية بدأت مرحلتها الأولى بالفعل، عن طريق استخدام أحد هذه الأدوية لعلاج هذا النوع من سرطان الدم، وهو ما يمكن أن يمثل أملًا في خيار جديد للعلاج إذا أثبتت التجارب نجاحه".

استراتيجية علاجية جديدة

 النقاط التي طرحها غريب لم تكن بالتأكيد خارج نطاق اهتمام الباحثين؛ إذ عمل من قبل فريقٌ من معهد الطب الجزيئي بجامعة هلسنكي بالتعاون مع وحدة أبحاث أمراض الدم بجامعة هلسنكي ومستشفى جامعة هلسنكي للسرطان على البحث عن أدوية يمكنها التغلب على مقاومة خلايا سرطان الدم النخاعي الحاد لدواء سيتارابين Cytarabine، الذي يُعَدُّ "حجر الزاوية" في علاج ذلك النوع من السرطان منذ أربعة عقود، ويؤدي استخدامه مع الأدوية الأخرى في البالغين إلى استجابة تتراوح بين 60 و70%. لكن المشكلة الرئيسية مع هذا الدواء تكمن في عودة المرض مرة أخرى؛ نظرًا لتعلُّم خلايا السرطان كيفية مقاومته.

اختبر الفريق 250 مركَّبًا على هذه الخلايا لتقييم مدى استجابتها لتلك المركبات. بالإضافة إلى ذلك، عملوا على دراسة التعبير الجيني، وهي العملية التي يتم خلالها ترجمة المعلومات الموجودة في الجينات إلى منتج يؤدي وظيفة هذا الجين، كما سعوا إلى  تعرُّف الطفرات الموجودة في هذه الخلايا.

وأظهرت النتائج حدوث حذف في جين دي أوكسي سيتدين كينيز في بعض العينات، وهو الجين الذي يرتبط نقصه بظهور حالات مقاومة العديد من الأدوية.

كما أظهرت استجابةً جيدة للغاية للجلوكوكورتيكويدات في بعض الحالات، وهي الأدوية التي يدخل ضمنها الكورتيزون. وتشير النتائج إلى إمكانية استخدام هذه المجموعة من الأدوية كاستراتيجية علاجية جديدة، يمكن توظيفها في التجارب الإكلينيكية في حالات سرطان الدم النخاعي الحاد المقاوم للعلاج.

برتوكول علاجي

مشكلات العلاج في حالات سرطان النخاع المتعدد المقاومة للعلاج- تعود بعد اختفاء المرض- كانت أيضًا محور دراسة أجراها فريق من الباحثين بمعهد الطب الجزيئي بجامعة هلسنكي مع جامعات أخرى؛ من أجل تعرُّف حلول جديدة، إذ عمل الباحثون على تقييم تأثير 308 من الأدوية على عينات من 50 مريضًا مصابين بالمرض.

وبناءً على النتائج التي نشرتها مجلة أونكوتارجت في مايو الماضي، جرى تقسيم المرضى إلى أربع مجموعات وفقًا لاستجابتهم لمجموعات الدواء، ودراسة علاقة هذه الاستجابة بالطفرات الجينية الموجودة في هؤلاء المرضى، وتم تعديل خطة علاج بعضهم، وأظهرت نتائج العلاج استجابةً جيدةً للاختبارات، ما يشير إلى أن استخدام هذه الطريقة يمثِّل استراتيجية ناجحة يمكن أن يستفيد منها هؤلاء المرضى.

يقول عدنان: "إن هدفنا النهائي والكبير هو ترجمة هذه النتائج إلى برتوكولات علاجية يتم فيها استخدام الأدوية الواعدة، والهدف الآخر والأكبر هو تطبيق مبدأ الطب الشخصي، الذي يتمثل في توفير علاجات طبية مفصلة وفق حاجة كل مريض على حدة؛ كي يحصل كل مريض بالسرطان على علاجه المناسب وفقًا لجيناته الخاصة وليس مثل أي مريض آخر. وهذا الحلم لم يعد بعيد المنال، بل ربما يكون أقرب مما نتصور".