استطاع فريق بحثي مصري ابتكار وتطوير تركيبة جديدة من مادة السليمارين المستخلصة من الأعشاب باستخدام تقنيات النانو. التقنية الجديدة نجحت في خفض مستويات السكر في الدم لدى حيوانات التجارب المصابة بالسكري من النوع الثاني مقارنةً بالمركب الطبيعي. ولا تقتصر فاعلية التركيبة الجديدة على تفعيل إفراز الإنسولين، ولكنها تمتد إلى تنشيط خلايا بيتا بجزر لانجرهانز المسؤولة عن إنتاجه.

الدراسة المصرية التي نُشرت في دورية طب النانو "Nanomedicine"، في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2016، أظهرت نتائجها تحسنًا ملحوظًا لخصائص مادة السليمارين في تركيبتها النانوية الجديدة، من كونها مضادة للأكسدة وخافضة لمعدلات السكر المرتفعة في الدم مقارنةً بمادة السليمارين في شكلها الطبيعي. مما يجعل التركيبة الجديدة أكثر فاعليةً وأمانًا، ويعطي أملًا بإمكانية التوصل لعلاج واعد يؤخذ عن طريق الفم.

ووفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية فإن مرض السكري من النوع الثاني لا يعتمد على الإنسولين، ويرجح أن زيادة الوزن والخمول البدني هما السببان الرئيسيان للإصابة به، وهو عبارة عن اضطراب يعاني فيه المريض ارتفاع مُعدّلات السكر في الدم، مع نقص ومقاومة نسبية للإنسولين، وهو على النقيض من النوع الأول الذي يرتبط بنقص مطلق في الإنسولين بسبب تدمير خلايا البنكرياس. ولم يكن هذا النوع من السكري يُصادَف إلا في البالغين حتى بدأ يظهر في الأطفال في وقت قريب. ومن مضاعفاته الإضرار بالقلب والأوعية الدموية والعينين والكلى والأعصاب، كما يزداد خطر تعرُّض البالغين المصابين بالسكري للنوبات القلبية والسكتات الدماغية ضعفين أو ثلاثة.

إعادة اكتشاف السليمارين

ويُعَد ابتكار تركيبة نانوية جديدة للسليمارين تسمح بزيادة قابليته للذوبان في الماء، وبالتالي تحسين التوافر الحيوي، هو التحدي الذي حاول الفريق البحثي -الذي جمع باحثين من كلٍّ من مركز علوم المواد بجامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وكلية الصيدلة ومركز أمراض الكلى والمسالك البولية بجامعة المنصورة- التغلُّب عليه. وقد أسهمت التقنية الجديدة أيضًا في خفض معدل الجرعة المأخوذة منه في بروتوكول العلاج لمنع التأثيرات الجانبية.

وكانت الأبحاث العلمية قد أشارت إلى احتمالية تَسبُّب الجرعات العالية من السليمارين في مقاومة الإنسولين وتحفيز حدوث الالتهابات بدلًا من مقاومتها.

ويبدو أن "تحميل العقاقير الطبيعية داخل حاملات نانوية مبتكرة يضمن التوصيل الموجه لهذه العقاقير إلى الأماكن المستهدفة بطريقة ممتدة المفعول"، وفق قول الدكتور إبراهيم الشربيني، أستاذ ومدير برامج علوم النانو والمواد بجامعة زويل، الذي يشير إلى زيادة التوافر الحيوي ومن ثَم التأثير العلاجي للدواء من ناحية، وتعزيز امتثال المريض للعلاج عن طريق تقليص عدد الجرعات التي يتعاطاها والحد من سُمِّية الدواء وأعراضه الجانبية من الناحية الأخرى.

ويُعَد السليمارين واحدًا من أقدم الأدوية العشبية والمكملات الغذائية المعروفة حول العالم، والتي يشتهر دورها الآمن والفعال في علاج عدد من الأمراض ومنها الكبد واضطرابات المثانة والسرطان والسكري. هذه الآثار العلاجية تُعزى لخصائصها المقاومة للسرطان والالتهابات إلى جانب محاربة الشوارد الحرة "المؤكسدة". ويجري استخلاص السليمارين من نبات يسمى "عشبة حليب الشوك" Milk Thistle واسمه العلمي Silybum Marianum، ويوجد في دول حوض البحر المتوسط وأوروبا، كما يوجد بكثرة في فلسطين.

في هذه الدراسة، استطاع فريق جامعة زويل -بقيادة الدكتور الشربيني- وضع مادة السليمارين داخل كريات نانوية لتعزيز التوافر الحيوي للمادة وكذلك تحسين امتصاصها، في شكل جرعة دوائية تؤخذ عن طريق الفم، يقول الشربيني: "لقد وجدنا أن التركيبة النانوية الجديدة متفوقة في التحكم بمرض السكري بسبب امتداد مفعول جرعة السليمارين داخل الجسم".

يتطلب تطوير هذه التركيبة الجديدة من الشربيني وفريقه دراسة الخصائص الفيزيائية للمادة، وتحديد حجم الجسيمات والخصائص المورفولوجية؛ لإعادة تشكيل المادة في جزيئات أقل حجمًا.

يوضح الشربيني قائلًا: "تكمن مشكلة المستخلصات الطبيعية عند استخدامها كمستحضر علاجي في عدم ذوبانها في الماء؛ ولأن أجسامنا مائية لا بد من ذوبان المواد لكي يستفيد الجسم من الجرعة العلاجية؛ وفي البحث جرى ابتكار تركيبة نانونية ثابتة كان فيها حل لعدة مشكلات سابقة واجهت مركب السليمارين من قبل، كمشكلة الذوبان في الماء، كما أن التركيبة النانونية أسهمت في تدفق جرعات العلاج للجسم بشكل تدريجي، سواء تم حقنه أو تناوله بالفم؛ بالتالي يحصل الجسم على حاجته من دون وجود ترسبات تصل إلى حد السميه التي تسبب الأعراض الجانبية".

يستطرد الشربيني: إن التركيبة النانونية التي توصل إليها البحث أسهمت في تحقيق الاستفادة من المركبات الإيجابية لمادة السليمارين دون تعرُّض لأضراره نتيجة عدم وجود بقايا منه في الجسم، ويضاف لذلك الاحتياج إلى جرعة بسيطة، نتيجة الاستفادة من الجرعة العلاجية بشكل تدريجي، وهو أمرٌ له بُعد اقتصادي، وإذا كان السليمارين مادة طبيعية رخيصة نسبيًّا، إلا أن صناعة الدواء مكلفة، والدراسة تكشف عن إمكانية تقليل الجرعة مع زيادة الكفاءة.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن التأثير العلاجي لمادة السليمارين يعوقه ذوبانها الشحيح في الماء، وكذلك انخفاض نفاذيتها من خلال الأمعاء، كما يلحق بها الضرر من قبل إنزيمات المعدة، مما يتسبب في التخلُّص السريع من المادة دون الاستفادة منها.

تقول الدكتورة ليلى عيسى -رئيس قسم الكيمياء الحيوية في كلية الصيدلة، جامعة المنصورة، وأحد أفراد الفريق البحثي- لمجلة "للعلم": إن الفكرة الأساسية للبحث نابعة من جامعة المنصورة، وكانت أهمية التعاون مع مدينة زويل في الجانب المتعلق بعلوم النانو، وأضافت: "استغرق البحث حوالي سنتين ونصف، ويتناول تأثير السليمارين كمضاد أكسدة يمكن تحويله لجزيئات نانونية، ما يجعله أكثر تأثيرًا، والاستفادة منه في علاج السكري وأمراض الكبد بوصفه مركبًا طبيعيًّا أعراضه الجانبية بسيطة.

من جانبه، يشدد الشربيني على أن العمل البحثي المشترك له الكثير من الإيجابيات، منها التكامل في الإمكانيات الفنية والعلمية؛ ما تحقق بوضوح في هذه الدراسة والتي ركزت على إمكانية التوسع في استخدام مركب السليمارين الطبيعي في تنظيم معدل الجلوكوز في الدم، وهو مستخدم بالفعل في عقاقير معالجة للكبد.

النانو والأولويات البحثية

ويبدو أن التوجُّه للتعامل مع العقاقير المستخلصة من مصادر طبيعية وإخضاعها للتكنولوجيات الحديثة مثل النانو أعطى أملًا للباحثين بالقطاع الطبي. في الوقت الذي تُعَد العقاقير المخلقة في المعامل والمستخدمة حاليًّا لعلاج مرض السكري غير فعالة تمامًا أو تزداد آثارها الجانبية عند استخدامها لفترات طويلة.

وحاليًّا يقدَّر عدد الأدوية القائمة على تقنيات النانو المتاحة بنحو 200 نوع، بخلاف 120 أخرى في طور التجارب السريرية.

ووفقًا لتقرير صادر عن مجموعة عمل طب النانو التابعة لمنصة التكنولوجيا الأوروبية، ترتكز الأولويات البحثية لتطوير طب النانو خلال الأعوام 2015- 2020، على ثلاثة محاور: أولًا: تطوير أنظمة توصيل الدواء المتقدمة بشكل مستهدف ومحدد للخلايا. ثانيًا: إيجاد تركيبات دوائية ممتدة المفعول "sustained release" توفِّر إطلاقًا للمادة الفعالة بكميات ثابتة بشكل مستمر. ثالثًا: تطوير لقاحات عن طريق الفم لأمراض: نقص المناعة المكتسب والسل والملاريا، بواسطة وضع الجزيئات الحيوية مثل البروتينات والببتيدات في حاملات نانوية.

ويُعَد علم المواد النانوية Nanomaterials حقلًا مهمًّا من حقول تقنية النانو، والنانو هو أصغر من واحد من عشرة من الميكرومتر في بُعد واحد على الأقل، ويُستخدم أحيانًا هذا المصطلح لمواد أصغر من ميكرومتر، وهو علم قائم على مدخل علم المواد المتعلقة بالتقانة النانوية، ويهتم بدراسة المواد والعناصر الشكلية.

ازدياد أعداد المصابين

يقدر أعداد المصابين بمرض السكري بنحو 422 مليونًا من البالغين حول العالم في عام 2014، مقارنةً بـ108 ملايين في عام 1980، وفق أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية. في الوقت الذي تشكل فيه إدارة مرض السكري تحديًا كبيرًا للمرضى ومقدمي الخدمات وأنظمة الرعاية الصحية على السواء. يظل البحث قائمًا عن خيارات علاجية أفضل، سواء بأدوية مبتكرة أو بإعادة تقييم منتجات الطب البديل، للحد منه ومن مضاعفاته.

وعلى المستوى المحلي، يبلغ إجمالي البالغين في مصر الذين يعانون من مرض السكري 11 مليون شخص، وفق ما أعلنته وزارة الصحة المصرية في شهر يناير/ كانون الثاني 2016، لتكشف أنه من أكثر الأمراض انتشارًا في مصر التي تحتل المرتبة الثامنة ضمن قائمة الدول العشر الأولى من حيث معدلات الانتشار .

ووفقًا لآخر إحصائية أعلنتها منظمة الصحة العالمية عام 2015، كان عدد مرضى السكري في مصر 7.8 ملايين شخص، ما يعني الزيادة المستمرة في أعداد المصابين.

تحفيز الخلايا المفرزة للإنسولين

وتحدث الشربيني -مدير برامج علوم النانو والمواد في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا- عن إمكانية استمرار البحث في نفس الموضوع من خلال عقد دراسات مقارنة مع علاجات مستخدمة بالفعل ومتداولة في الأسواق، ومع مركبات طبيعية أخرى مثل الكركم والذي تُجرى عليه حاليًّا دراسات محلية وعالمية لاستخدامه في علاج السرطان، إضافة إلى محاولة حثيثة لفهم ميكانيكية عمل السليمارين في ضبط مستوى السكر في الدم، ما يساعد على ابتكار مركبات علاجية أخرى من مواد طبيعية.

ووكان من اللافت تفوُّق التركيبة المبتكرة للسليمارين في خفض مستوى السكر في الدم إلى المعدلات الطبيعية لدى الفئران المصابة بالسكري بعد مرور 90 و120 دقيقة من تناوله عن طريق الفم. وهو ما لم تختبره الفئران المتناولة للسليمارين الأصلي في أيٍّ من هذه الفترات الزمنية المحددة في الدراسة. بينما لم تخصص الدراسة إجابة عن فاعلية التركيبة الجديدة في علاج السكري بنوعيه الأول أو الثاني؛ نظرًا لأن الدراسة لم تدرس بشكل محدد أيًّا من النوعين.

وتقول الدكتورة ليلى عيسى: "لقد قدمنا لأول مرة دليل عن آلية عمل السليمارين بتركيبته النانوية في خفض نسبة الجلوكوز في الدم، من خلال إثبات دوره في إعادة تنشيط خلايا البنكرياس المسؤولة عن إفراز هرمون الإنسولين".وتوضح عيسى: وذلك من خلال تأثيره المنشط على الجينات المسؤولة عن إفراز هرمون الإنسولين، وهو ما أظهرته دراسات التعبير الجيني في أنسجة البنكرياس باستخدام تقنية تفاعُل البلمرة المتسلسل QRT-PCR ، بخلاف تحليل الإليزا ELISA وفحص أنسجة من البنكرياس بواسطة المجهر الضوئي.

هذه النتائج -كما ترى الدكتورة ليلى- "خطوة مهمة تفتح آفاقًا جديدة لاستخدام مادة السيليمارين في علاج مرض السكري، بجانب تقليل مضاعفاته مثل التهابات الكلى والفشل الكلوي". وتبقى الخطوة القادمة بدء مرحلة الأبحاث الإكلينيكة التي ستوضح مدى الفاعلية والأمان عند استخدامها في البشر.

وتحدثت عيسى عن إمكانية تطبيق نتائج البحث خارج الإطار المعملي على حالات من المرضى، لافتة إلى أن الدراسة تحتاج إلى إجراء مقارنة مع الأدوية الحالية المستخدمة بالفعل.

واتفقت الدكتورة إيناس شلتوت -أستاذ أمراض الباطنة العامة والسكر في كلية طب القصر العيني- مع نتائج الدراسة في أن السليمارين له خواص مضاد للأكسدة من شأنها السيطرة على نسب السكر في الدم، ومنع تطوُّر مضاعفات مرض السكري.

وأضافت: " كانت العديد من الدراسات قد أظهرت قدرة السليمارين على خفض مستويات السكر في الدم، إلا أن العلاجات الطبية قصرت دوره على علاج أمراض الكبد. ولكن ظلت طريقة عمله في مراقبة نسبة السكر في الدم غير واضحة، ونحتاج لمزيد من الأبحاث لإثبات أو دحض دوره كخافض لسكر الدم؛ حتى نحدد بشكل نهائي إمكانية استخدامه كعلاج لمرض السكر". ومن السابق لأوانه -وفق رأيها- اعتباره علاجًا آمنًا لمرض السكري كما هو مذكور في المادة البحثية، ولكن يمكن اعتباره مرشحًا محتملًا لخفض معدلات السكر في الدم وليس علاجًا". كما أوضحت شلتوت أن المجال مفتوح للبحث عن علاجات جديدة لمرض السكري، وأن آلية العمل التي أشارت إليها الدراسة ما زالت غير واضحة، وتحتاج إلى المزيد من التجارب على الحيوانات لمعرفة كيفية تأثير السليمارين على ترميم الخلايا.

وأضافت شلتوت من خلال تقييمها أن الدراسة -مع وضوح ما بُذل فيها من جهد- لم تقدم ما يخالف الدراسات السابقة حول تأثير السليمارين على مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية في الدم، كما أن هناك حاجة إلى إجراء دراسات تثبت سلامة استخدامه على المدى الطويل.

من جانبه أوضح الدكتور مغازي محجوب -أستاذ الغدد الصماء والسكر في كلية الطب، جامعة عين شمس- أن الدراسة قيِّمة وفيها مجهود جيد يُحترم؛ خاصة في الجزء المتعلق باستخدام علم النانو، والذي وصفه بأنه طفرة علمية جيدة تفتح الباب للكثير من الدراسات القيمة.

أضاف محجوب أن البحث يحتاج إلى دراسات تكميلية لمعرفة حركة السليمارين داخل الجسم، وكيف يواجه كسل البنكرياس، علاوة على مقارنة تأثيره بالأدوية المستخدمة بالفعل.