في كل سنة يعد العلماء لقاحًا ضد أشهر سلالات فيروس الإنفلونزا المنتشرة في العالم. ولكن هذا اللقاح لا يجدي في التحصين بشكل فعال إلا إذا استهدف الفيروس الذي تم الحصول على مضادات الأجسام الخاصة به.

وهذا ما يثير حاليًّا حالة من الخوف الشديد في بريطانيا بسبب شراء مصل واقٍ من الإنفلونزا أقل تكلفة لا يشمل الإنفلونزا اليابانية "ياماجاتا"، ما أدى إلى زيادة الحالات المحتجزة في المستشفيات بسبب الإنفلونزا بنسبة 11%، وزيادة أعداد المتردِّدين على الأطباء لإصابتهم بأعراض مشابهة للإنفلونزا بنسبة 42%، وارتفاع الوفيات بين المرضى فوق سن 65 عامًا، مقارنة بالأسبوع السابق له، وفقًا لتقرير الصحة العامة في إنجلترا.

من هنا تأتي أهمية دراسة حديثة خرجت من مركز "ميد إميون" في كامبريدج وتم نشرها أمس، 22 يناير 2018، بدورية "نيتشر كوميونيكيشنز بيولوجي" حول التوصل لاستراتيجية جديدة لعزل أجسام مضادة (خلايا مناعية) نادرة من بين تلك الموجودة داخل جسم الإنسان، مما يسهم في تطوير علاجات حيوية وأمصال أكثر فاعلية في المستقبل.

نهج جديدد

يتيح هذا النهج الجديد للباحثين اختيار وتنقية مضادات أجسام تهاجم فيروسًا بعينه خلال 4 أسابيع، من بين مخزون يحوي ملايين المضادات المنتَجة طبيعيًّا في الجسم، وهو ما يُعَد أمرًا بالغ الأهمية في مكافحة الأمراض المعدية التي تظهر فجأة، مثل وباءَي "إيبولا" و"زيكا".

وتُعَد مضادات الأجسام التي تُنتَج بشكل طبيعي مصدرًا حيويًّا لإنتاج عقاقير تعالج الأمراض، ولكن تعرُّف مضادات معينة من بين مخزون يضم ملايين من الخلايا المناعية البشرية (بي) -أحد أنواع كرات الدم البيضاء، وتمثل خط دفاع الجسم ضد الجراثيم المختلفة- يمثل تحديًا صعبًا، كما أن الطرق المتبعة حاليًّا مكلفة جدًّا، وتتطلب جهدًا كبيرًا.

وللحصول على مضادات الأجسام من بين ملايين الخلايا (بي) يقول "سارافانان راجان" -الباحث المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": "أمكن تغليف مليون خلية من الخلايا (بي) بشكل فردي على شريحة زجاجية، من خلال تقنية معقدة طُوِّرت خصيصًى لهذا الغرض".

تمكن "راجان" وزملاؤه في الفريق البحثي من تعرُّف عدة أنواع فرعية من فيروس الإنفلونزا باستخدام النهج الجديد، والكشف عن سبعة من مضادات الأجسام النادرة التي لا تستطيع الطرق التقليدية الكشف عنها.

وأوضح الباحث أن التفاعُل الذي يحدث بين الجسيم المضاد "الأنتيجين" أو البروتينات الخاصة بالميكروب ومضاد الأجسام الذي أنتجته خلايا (بي) لمقاومته وتدميره يمثل مَطلبًا مهمًّا في الاكتشافات الدوائية.

ولهذا يعتقد الباحثون أن هذا النهج سيفيد في تطوير علاجات في المستقبل، وخاصة في حالات العدوى سريعة الانتشار؛ لأنه سيعجِّل من عزل مضادات الأجسام التي تحظى باهتمام العلماء من المرضى الذين تعافوا.

ماذا يحدث في أثناء الإصابة بالعدوى؟

يوضح د. ممدوح البهنساوي -أستاذ الحميات والأمراض المتوطنة بالأكاديمية الطبية العسكرية، ورئيس المعامل المركزية بوزارة الصحة المصرية- أن البروتينات التي توجد على سطح الفيروس: "هيماجلوشنين Hemagglutinins" [وتسمى الراصات الدموية] و"نورامينيداز neuraminidase" تلتصق بخلايا الجسم وتساعده في النفاذ داخلها، ليقوم الفيروس بالتكاثر بشكل كبير داخل الخلية حتى تنفجر وتصيب خلايا أخرى مجاورة، مما يؤدي لسرعة انتشاره داخل الجسم.

وفي حالة الإنفلونزا مثلًا ينتقل الفيروس إلى الجهاز التنفسي العلوي ليصبح قادرًا على عدوى الآخرين من خلال الرشح والرذاذ.

وعند الإصابة تقوم خلايا (بي) بإنتاج مضادات أجسام تهاجم الفيروس، وبعد زوال المرض، تظل خلايا (بي) التي نجحت في تعرُّف الفيروس في جسم الإنسان داخل ما يسمى مخزن خلايا (بي) لمدة طويلة، ولكن بمعدلات ضعيفة جدًّا.

برنامج "الإيمونوم" البشري

ويأمل راجان أن ييسر هذا النهج استخلاص مضادات الأجسام الطبيعية من البشر، التي تتولد في مواجهة الإصابة بالمرض. وبالحصول على مخزون من هذه المضادات في شكل "DNA" في حالة مستقرة، يمكن أرشفة قواعد لبيانات العديد من الأشخاص ودمجها وفحصها لخدمة أهداف محددة.

ويمكن تحديث هذه البيانات مع إضافة مستخلصات من متبرعين جدد، والتنقيب المستمر عن سبل التعامل مع المستجدات، مثل الكشف عن بكتيريا أو نسيج فيه ورم.

وتؤكد الدراسة أن التقنية الجديدة تُعَد إضافةً مهمة لبرنامج "الإيمونوم" البشري، الذي يعمل على ترتيب تسلسل مخزون مضادات الأجسام التي جرى رصدها من 1000 شخص، واستنتاج تفاعل المصل اعتمادًا على هذه المعلومات وحدها.

و"برنامج الإيمونوم البشري Human Immunome Program" جرى إطلاقه عام 2016، ويستهدف سبر أغوار جهاز المناعة لدى الإنسان؛ لتمكينه من مقاومة الأمراض، والتأقلم مع أي تهديدات محتملة، متمثلة في فيروسات أو طفيليات أو بكتيريا، وحتى الخلايا السرطانية.

ومن المتوقع أن يُحدِث فك شفرة جهاز المناعة تحوُّلًا في طرق تشخيص الأمراض وتجنُّبها وعلاجها، والتحدي هنا يتمثل في ضخامة المشروع، إذ إنه أكبر بنحو 100 مليار مرة من "مشروع الجينوم البشري" من حيث حصيلة البيانات.

وبفضل التقدم المذهل في تقنيات ترتيب تسلسل الجينات وعلم المعلوماتية الحيوية أصبح بالإمكان الكشف عن "الإيمونوم" البشري لأول مرة.

 وبعد الانتهاء من هذا البرنامج خلال 10 سنوات وفق ما يأمل العلماء، ستصبح بياناته متاحةً لجميع الباحثين في العالم للاستفادة منها.

ويقول د. البهنساوي إن مضادات الأجسام يحدث فيها تكاثر شديد، فتُكسب الجسم مناعةً عند تعرُّضه لإصابة ميكروبية، والمناعة نوعان: إما نوعية تختص بالأنتيجين (البروتين) الخاص بفيروس معين، أو مناعة شاملة تساعد الجسم بشكل عام على مواجهة أكثر من نوع من الفيروسات أو الجراثيم والقضاء عليها.

والنهج الجديد الذي توصل إليه الباحثون في هذه الدراسة يؤدي إلى اكتساب مناعة نوعية خاصة بفيروس محدد بشكل أسرع، ودون حدوث آثار جانبية شديدة.

ورغم أنها طريقة مبتكرة لاستخلاص الأجسام المناعية، إلا أن التأكد من نجاحها يستلزم تطبيقها في أكثر من مركز بحثي للحكم عليها.

ويلفت د. البهنساوي النظر إلى أن فيروس الإنفلونزا يتحور جزئيًّا أو كليًّا بمعدل سنوي، وهو ما يستدعي قيام الدول الأوروبية كل عام باختيار أكثر السلالات انتشارًا في السنة السابقة على تصنيع المصل الجديد.

على سبيل المثال، يتسم فيروس H1N1 و H5N1بالقدرة على التحوُّر الجزئي والكلي، فإذا كان التحور كليًّا يتحول إلى فيروس آخر، أما إذا كان التحور جزئيًّا فيحدث تغيُّر في المناعة الداخلية للإنسان، مما يجعل الجسم غير قادر على اكتساب مناعة نهائية ضد هذا الفيروس؛ لأنه يتحور باستمرار.

 ولهذا لا يستطيع أي لقاح أن يعطي مناعة نهائية ضد فيروس الإنفلونزا. ومن هنا، فإنه من المبكر الحكم على مدى نجاح هذه الاستراتيجية في استهداف الفيروسات سريعة الانتشار بصورة أكثر فاعلية.