"طعامكم دواؤكم، وداؤكم في طعامكم"، مقولة ارتبطت بـ"أبُقراط" الملقب بـ"أبي الطب"، واتفق معها الطبيب العربي الشهير "ابن سينا"، وأيدتها رحلة العلم الممتدة عبر التاريخ البشري، والتي ربطت بين الغذاء والحالة الصحية للشخص، سواء من حيث جودتها أو إصابته بالأمراض.

وخلال السنوات الأخيرة تَبيَّن أن أقوال القدماء في هذا الصدد كانت بالفعل على قدر كبير من الدقة، فقد شهدت تقدمًا كبيرًا في فهمنا للعلاقة الشائكة بين التغذية والأمراض والأدوية؛ إذ أظهرت الأبحاث الحديثة بوضوح الدورَ العلاجي الذي يمكن أن تؤديه بعض التدخلات في نمط الحياة، وعلى رأسها نمط الغذاء. بالإضافة إلى ذلك ساعدت هذه الأبحاث على فهم ما يُعرف بـ"علم الأحياء المجهرية الغذائية"، الذي يهتم بدراسة الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في المواد الغذائية أو تعمل على تلويثها أو تسبب تلفها وصولًا إلى التسمم الغذائي.

ومن بين الأنظمة الغذائية، تحتل شعيرة الصوم -على اختلاف أشكالها وصورها- مكانةً بارزةً في العديد من الأديان، وعلى رأسها الأديان السماوية التي تُجمع على فوائد الصوم الروحية، في حين تتباين وجهات النظر العلمية حول الفوائد الصحية له، وإن كانت تذهب في كثيرٍ منها إلى أنه يساعد على فقدان الوزن، وتقليل ضغط الدم، وتحسين مستوى الكوليسترول والجلوكوز في الدم.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريقٌ من الباحثين بكلية بايلور للطب بالولايات المتحدة لفهم تأثير "صوم المسلمين" -باعتباره أحد أنواع الصيام المتقطع- على صحة الإنسان، مشيرةً إلى أن الصيام من الفجر (الامتناع عن الطعام والشراب) إلى غروب الشمس يمكن أن يكون عاملًا وقائيًّا وعلاجًا مساعدًا في أمراض السرطان ومتلازمة التمثيل الغذائي.

افترض الباحثون، في الدراسة التي نشرتها دورية "جورنال أوف بروتيومكس" Journal of Proteomics، أن الصيام المتقطع لعدة أيام متتالية دون تحديد عدد السعرات التي يتناولها الشخص له تأثيرات إيجابية على صحة البشر.

صوم رمضان نموذجًا

اختار الباحثون نمط صيام المسلمين لشهر رمضان لقياس هذا التأثير؛ إذ عملوا على متابعة 14 شخصًا بصحة جيدة في أثناء امتناعهم تمامًا عن الطعام والشراب لمدة 30 يومًا متتابعة من الفجر وحتى الغروب. تعمَّد الباحثون عدم وضع أي محاذير بخصوص تناوُل الطعام أو تحديد للسعرات الحرارية في أثناء فترة الإفطار؛ إذ أُتيح للمشاركين الأكل بحرية وفق احتياجاتهم خلال هذا الوقت.

لمتابعة هؤلاء الأشخاص، سحب الباحثون عينات دم للمشاركين قبل بدء فترة الصيام، ومع نهاية الأسبوع الرابع من الصيام، وبعد نهاية شهر الصيام بأسبوع، ثم أجروا قياسًا لمستوى العديد من البروتينات في الدم باستخدام "تقنية الاستشراب السائل المزود بمقياس طيف الكتلة" (LC-MS)؛ وهي إحدى تقنيات الكيمياء التحليلية التي تُستخدم لتحديد العناصر المكونة لمادة أو جزيءٍ ما من خلال فصل مكوناتها، وتحديد تركيب هذه المكونات بدقة وحساسية عالية. وأظهرت النتائج زيادة العديد من البروتينات التي تساعد على تنظيم عمليات التمثيل الغذائي وإصلاح الحمض النووي والمناعة والقدرات المعرفية.

فوائد متنوعة

تقول أيس ليلي مينديكأوجلو، الأستاذ المشارك في الطب والجراحة في كلية بايلور للطب، والباحث الرئيسي في الدراسة: "إن الدراسات التي سبق إجراؤها على مجموعة من فئران التجارب أظهرت أن التغذية المقيدة بوقت يحدد ساعات الامتناع عن الطعام والشراب، تساعد على ضبط اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية، الذي قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان ومتلازمة التمثيل الغذائي".

تضيف "مينديكأوجلو" في تصريحات لـ"للعلم": حاولنا في دراستنا معرفة ما إذا كانت هناك تأثيرات مماثلة للصوم بالنسبة للبشر أم لا، ووجدنا أن الصيام المتقطع لعدة أيام متتالية دون تقييد السعرات الحرارية في البشر من شأنه أن يحفز البروتينات المضادة للسرطان والبروتينات المنظمة للجلوكوز واستقلاب الدهون والبروتينات المقاوِمة للسمنة والسكري، والبروتينات المرتبطة بإصلاح الحمض النووي وتقوية جهاز المناعة، إضافةً إلى المساعدة في علاج بعض الاضطرابات النفسية والأمراض العصبية مثل ألزهايمر، والأهم من ذلك أن هذه النتائج حدثت في غياب أي تقييد للسعرات الحرارية أو فقدان كبير للوزن.

من جهته، يقول إبراهيم عبد الغفار -مدرس الكيمياء الحيوية بكلية الطب بجامعة الأزهر، وغير المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": من النتائج الإيجابية التي أظهرتها الدراسة أن الباحثين لم يجدوا فروقًا ذات جدوى للصيام فيما يتعلق بمستوى بعض الاختبارات الروتينية في الدم، ولا في"الميكروبيوم" (محتوى القولون من الكائنات الدقيقة، الذي يمكن من خلاله التنبؤ بمشكلات صحية عديدة).

نتائج مماثلة

تتفق نتائج الدراسة الجديدة مع ورقة علمية سابقة تناولت فوائد صوم رمضان، مشيرةً إلى أن "الصيام يساعد مَن يعانون من الضغط النبضي المرتفع؛ إذ يؤدي إلى خفض ارتفاع ضغط الدم بنسبة 17% تقريبًا، ومستوى الدهون عالية الكثافة (النوع الجيد من الدهون) بنسبة 33%، وانخفاض مستوى الدهون منخفضة الكثافة (النوع غير المرغوب من الدهون) بنسبة 17%.

كما كشفت دراسة مرجعية (وهي نوع من الدراسات يقوم بتجميع البيانات من دراسات مختلفة وتقييمها من أجل الخروج باستنتاجات تصلح للتطبيق) أن صيام رمضان يحسِّن مستوى الدهون عالية الكثافة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40%.

تقول "منديكأوجلو": يرتبط حدوث اضطراب في الساعة البيولوجية بحدوث تغيرات في التمثيل الغذائي الخاص بالجلوكوز والدهون، وكذلك في تنظيم المناعة وحدوث السرطان. لذا نعتقد أن هذا النوع من الصيام يعيد ضبط الساعة البيولوجية في الجسم.

لكن "عبد الغفار" يشير إلى بعض أوجه القصور في الدراسة، قائلًا: على الرغم من النتائج الإيجابية للدراسة، إلا أن هناك بعض النقاط التي ينبغي الانتباه لها. أُولاها صغر حجم عينة، التي اقتصرت على 14 شخصًا فقط، وتحديد مدة الصيام بثلاثين يومًا متتالية نظرًا لارتباط ذلك بشعيرة دينية محددة وهي شعيرة الصوم لدى المسلمين، وهو ما يستلزم إعادة المحاولة باستخدام عدد أكبر من المشاركين ولفترات متعددة.

ويتابع: الملحوظة الثانية تتعلق بتفسير الباحثين للنتائج ومدى ملاءمة العينة المستخدمة لغرض البحث؛ إذ افترض الباحثون أن التأثير الإيجابي للصيام كان بسبب الامتناع عن الطعام خلال فترة النشاط المعتاد (فترة النهار) وقاسوا ذلك على تجارب أظهرت نتائج مماثلة في الفئران. يشدد "عبد الغفار" أنه على الرغم من منطقية هذا الطرح، إلا أن دراسة هذه الفرضية كانت تقتضي أن يوفر الباحثون مجموعةً ضابطةً تصوم عدد الساعات ذاته لكن في أثناء فترة الليل، كما كان من الممكن أيضًا أن تكون المجموعة الضابطة هي مجموعة الدراسة نفسها لكن في وقت آخر.

الحاجة إلى دراسات موسعة

ويضيف "عبد الغفار" أن آخر عينات تم جمعها من المشاركين في الدراسة كانت بعد أسبوع واحد فقط من انتهاء الصوم، وأظهرت النتائج أنه على الرغم من أن الصيام أحدث تأثيرات إيجابية فيما يتعلق بمستوى البروتينات المنظمة لكثير من العمليات الحيوية في الجسم، إلا أن ذلك لم ينعكس على نتائج الاختبارات المعملية الروتينية للمشاركين، وهو ما عزاه الباحثون إلى كون المشاركين جميعًا أصحاء. لكن يجب أن يكون السبيل إلى تأكيد الأثر الإيجابي الصحي للصيام من خلال دراسة طويلة الأمد، مع إدراج مجموعة ضابطة؛ للحكم على تلك الفرضية بشكل أكثر دقة.

ويقول محمد غريب، أستاذ طب الأورام المساعد بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة: إنه على الرغم من النتائج المبشرة لهذه الدراسة، فعلينا أن نكون حذرين قبل استخدام هذه النتائج في أي تطبيق إكلينيكي.

ويضيف: "مبدئيًّا أُجريت هذه الدراسة على أصحاء، وبالتالي لا نعرف تأثير هذا الصيام على مرضى السرطان مثلًا، مشددًا على أنه يجب إجراء تجارب سريرية على مرضى السرطان وفقًا للبروتوكولات المتبعة في هذا المجال. بعدها، إن ثبتت فاعلية هذا التدخل بصورة معينة، يمكن استخدامه وفقًا للأدلة المتاحة حينها مع طرق العلاج المعروفة".

تتفق "منديكأوجلو" كثيرًا مع تلك الملحوظات، مضيفةً أن "الدراسة أُجريت على عدد محدود من الأشخاص في وقت محدود، لذا فليس لدينا فكرة عن التأثيرات طويلة المدى لهذا النوع من الصيام، وينبغي إجراء مزيد من الدراسات بمشاركة عينة أكبر، ومراعاة التنوع بين أنماط الامتناع عن الغذاء، ولا ننصح في الوقت الحالي أي شخص بتغيير نظامه الغذائي بناءً على هذه النتائج قبل الحديث مع الطبيب المعالج، لكن هذا لا يمنع أن نتائجنا ذات أهمية، ويمكن أن يكون لها تأثير على عدد من الأمراض المعروفة. نحن نعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح، ونواصل أبحاثنا في هذا المجال".