داخل معمل يقبع في قبو بيت فسيح بمدينة «فورتسبوك» الواقعة بمقاطعة بافاريا الألمانية، وقف الفيزيائي الفذ «فيليهم رونتجن» مندهشًا من ظاهرة غريبة حدثت، فلدى إجرائه اختبارات اعتيادية على خصائص الأشعة الكاثودية Cathode rays لاحظ تألقًا غير معتاد.

مكث «رونتجن» داخل معمله، مشغول البال، يتابع الظاهرة الجديدة لعدة شهور، يأكل القليل من الطعام، ويتحدث إلى زوجته بعبارات قليلة. وفي ليلة عيد الميلاد المجيد لعام 1895؛ دعا رونتجن زوجته «بيرثا» إلى المعمل، ليقدم لها هدية العيد، صورة بالأشعة السينية لجزء من يدها اليسرى المزينة بخاتم الزواج، لتصبح أول صورة بالأشعة ليد إنسان.

والآن، وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان، احتلت أشعة إكس التي اكتشفها «رونتجن» مكانةً بارزة في مجال الطب، لتجلس على عرش أدوات الاستكشاف التي تُمكِّن الأطباء من تشخيص حالات الكسور، وعلاج الأورام السرطانية، وكشف أماكن الشظايا والرصاصات في الجسم.

 غير أن ذلك المُلك مهدد بالزوال، بفضل اكتشاف مجموعة من علماء جامعة ميتشجان الأمريكية طريقةً جديدة للتصوير الطبي، تعتمد على استخدام الضوء المرئي، وتُمهد الطريق أمام تصوير جسم الإنسان بوسائل أسهل وأسرع وأكثر أمنًا ودقة.

ضوء ثلاثي الأبعاد

داخل أروقة معهد الأبحاث الطبية بجامعة ميتشجان الواقع على ضفاف نهر الهورون، حيث تستثمر الجامعة نحو 1.2 مليار دولار في مجال العلوم الصحية، تمكَّن الباحثون هناك من استخدام الضوء المرئي للتصوير داخل جسم الإنسان.

من خلال تطوير تقنية تعتمد على إنتاج أنماط مختلفة من الضوء باستخدام جهاز يعمل على تجزئة الضوء وتحويله إلى ضوء ثلاثي الأبعاد «هولوجراف Holographic»، استطاع الفريق البحثي عمل صورة واضحة تُشخص الإصابات المتعددة والكسور، وحتى الأورام.

غير أن التقنية الجديدة، رغم دقتها العالية، بطيئة جدًّا، إذ تحتاج إلى "ساعات" لتصوير الجسم المراد تصويره.

ومؤخرًا، نجح الباحثون في التغلب على هذه العقبة، عبر استخدام طريقة أخرى لتكوين الصورة لا تعتمد على انعكاس الضوء على الجسم وتوجيهه لتكوين صورته، وإنما على نسب سطوع الضوء المنعكس نفسه.

ووفق راجر أونادا كوديتي، الأستاذ المشارك في البحث، فإن التقنيات السابقة المعتمدة على التصوير الثلاثي الأبعاد تستخدم أساليب مُعقدة لاستخراج المعلومات اللازمة، «أما نحن فنحقق النتائج نفسها من خلال قياسات سطوع بسيطة تجعل طريقتنا تعمل بشكل أسرع، وبنفس الدقة»، على حد تعبيره للموقع الرسمي للجامعة.

حل ثوري

يعتمد التصوير بالأشعة السينية X Rays على مبدأ الاختراق؛ إذ تخترق أشعة كهرومغناطيسية جسم الإنسان وأنسجته، لتصيب لوحًا معدنيًّا خلف الجزء المراد تصويره، تظهر عليه صور للأعضاء الداخلية التي اخترقتها الأشعة، عبر رسمها بالأبيض والأسود ودرجات من الرمادي.

ويختلف تركيز اللون وفقًا لاختلاف كثافة الأنسجة في الجسم، فالعظام على سبيل المثال تمتص غالبية الأشعة التى تصل إليها، وبالتالي لا تمُر من خلالها الأشعة، فترسم ظلًّا أبيض اللون على اللوح الموجود خلف الجسم، إذ يستخدم الأطباء الظلال المرسومة لتشخيص الحالة وكتابة العلاج الملائم.

غير أن ذلك الأسلوب غير مُجدٍ للتعرف على حالة الأعضاء الداخلية، أو حتى لتحديد أحجام الأورام على وجه الدقة، فعلى عكس العظام، لا تتمكن تلك الأعضاء من امتصاص الأشعة، التي تخترقها وتعبر من خلال أنسجتها الرخوة؛ نظرًا لاختلاف كثافتها وتكوينها الفيزيائي عن العظام.

 "لا تصلح الأشعة السينية للاستخدام في تلك الحالة"، يقول عمرو محمود أسامة، أستاذ الأشعة التشخيصية بكلية الطب جامعة القاهرة، والذي يشدد على أن القيود المفروضة على التصوير بالأشعة السينية X Rays تُجبر الأطباء على وصف أساليب أخرى للتشخيص، مثل الرنين المغناطيسي MRI والتصوير المقطعي الحاسوبي CT وهي أساليب باهظة الثمن وتمثل عبئًا على المرضى.

الوضع مختلف تمامًا بالنسبة للضوء المرئي، فالأنسجة الرخوة لا تمتصه، وبالتالي يستطيع جهاز يُعتمد عليه، تصوير الأعضاء الداخلية وتحديد أماكن الأورام وحجمها على وجه الدقة، وفق أسامة الذي يقول لـ«للعلم»: إن استخدام تلك التقنية سيكون «حلًّا ثوريًّا» في مجال الأشعة التشخيصية.

ويتجاهل الأطباء وأطباء الأسنان والمعالجون بتقويم العظام والعاملون بالمستشفيات المخاطر والتأثيرات البعيدة للأشعة السينية، نظرًا لحاجتهم الماسة إليها في عمليات التشخيص الطبي الدقيق للأمراض.

محاكاة الجلد البشري

تُظهر الأشعة السينية الهياكل الكثيفة مثل العظام بوضوح، ولكنها لا تُظهر الأنسجة اللينة مثل الأعضاء الداخلية والأورام؛ لأن الأشعة تنعكس بشدة عن العظام، في حين أنها تقطع طريقها مباشرة خلال الأنسجة الرخوة دون انعكاس.

على الجانب الأخر، ينعكس الضوء المرئي عن الأنسجة الرخوة، ولكن حتى وقت قريب، كانت رؤية الجلد من خلاله غير ممكنة؛ إذ تتناثر أشعته وتتشتت في كل اتجاه عند سقوطها على الجلد. على الرغم من أنه -حال أمكن توظيفه لهذا الغرض- سيكون أكثر أمانًا في التصوير التشخيصي، مقارنة بالأشعة السينية ذات الطاقة العالية.

لقد تمكن الباحثون في ميتشجان من فهم الكيفية التى يُبعثر بها الجلد الضوء المرئي، ما مهَّد الطريق لاثبات فرضيتهم التى تقول بإمكانية استخدامه عوضًا عن الأشعة السينية والرنين المغناطيسي لتصوير الأعضاء البشرية، ولكن كيف تمكنوا من إثبات فرضيتهم؟

قام الباحثون في ميتشجان بتسليط حزم ضوئية على مسحوق مُكون من الزبادي والزجاج المطحون، جرى اختيار هذا الخليط لقدرته على جعل الضوء ينعكس بقوة، بنِسَب تحاكي الجلد البشري.

لقد نجح الباحثون في كتابة كلمة «ميتشجان» خلف ذلك المسحوق، ما أثبت صحة فرضيتهم القائلة بأن أشعة الضوء المرئي يُمكنها المرور من خلال الجلد البشري وصولاً للأعضاء الداخلية.

«كانت تلك هي الخطوة الأولى، والتي استغرقت نحو عام كامل» يقول موسي جوم -الباحث المساعد في الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر والمؤلف الرئيسي للدراسة- لـ«للعلم».

بعدها، عكف الباحثون على تطوير خوارزميات لخلق علاقة بين أنماط الضوء الواردة وقياسات السطوع الصادرة، ومن ثَم استخدام تلك المعلومات لبناء نموذج رياضي لتحديد شكل العضو المراد تصويره.

ومع ذلك، لا تخلو الطريقة الجديدة من التحديات، فالضوء المرئي يتناثر ويتشتت على الأسطح، كما أن الرؤية من خلال الجلد البشري لن تكون بالسهولة ذاتها كالرؤية من خلال خليط من مسحوق الزجاج والزبادي، فمن الصعب جدًّا وضع حساس sensor تحت الجلد لقياس نسبة سطوع الضوء، لذا يحاول الباحثون تطوير هذه الطريقة لتكوين صورة للأعضاء البشرية على نحو أدق، وأسرع، وأرخص، وأكثر أمنًا.