تُعرف "متلازمة خَلَل التَّنَسُّجِ النُّخاعِيّ" بأنها مجموعة من الاضطرابات التي يسببها سوء تكوين خلايا الدم أو الخلايا التي لا تعمل بشكل صحيح، وتنجم عن حدوث مشكلةٍ ما في المادة الإسفنجية داخل العظام حيث تصنع خلايا الدم (نخاع العظم)، وبدلاً من نمو خلايا الدم بشكل طبيعي تموت في نخاع العظام أو بعد دخولها إلى مجرى الدم مباشرةً.

ومع مرور الوقت، تُوجَد خلايا غير ناضجة ومعيبة أكثر من الخلايا السليمة، مما يؤدي إلى حدوث مشكلات، مثل الشعور بالتعب الناتج عن الأنيميا، والعدوى الناتجة عن نقص كريات الدم البيضاء، والنزيف الناتج عن قلة الصفيحات الدموية، وقد تنتج وتزداد مخاطر الإصابة بها عقب إجراء عملية زراعة النخاع العظمي، كما أنها تنجم أيضًا عن طريق التعرّض لعلاجات السرطان، مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي، أو المواد الكيميائية السامة، مثل التبغ، والبنزين، ومبيدات الآفات، أو المعادن الثقيلة مثل الرصاص.

دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" ونشرتها مجلة "ستيم سيل ريسرش آند ثيرابي" تحمل أخبارًا سارة في هذا الإطار. قام باحثو الدراسة باستزراع الخلايا الجذعية الوسيطة (أو خلايا الإشارات الطبية على حد وصف مكتشفها العالِم الأمريكي "أرنولد كابلان") على سطح يمتلك خواصَّ ميكانيكية مشابهة جدًّا لخلية النخاع العظمي، بحيث تنتج عوامل خاصة تساعد الخلايا الجذعية المكونة للدم وخلايا السلف على التمايُز وتكوين خلايا الدم الحمراء والبيضاء، وكذلك الصفائح الدموية وغيرها من خلايا الدم الأخرى.

وتُعَد النتائج التي توصلت إليها الدراسة "ثورة حقيقية في مجال العلاج بالخلايا الجذعية"؛ إذ إنها المرة الأولى التي يُلاحَظ فيها أن الخواص الميكانيكية للخلايا يمكن أن تؤثر على الكيفية التي تتمايز وتتصرف بها.

ووفق إحصائيات "جمعية سرطان الدم واللمفومة" في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الأرقام الخاصة بأمراض سرطان الدم تبدو مخيفة؛ إذ إنه يُقدَّر أن تكون اللوكيميا والمايلوما والليمفوما مسؤولةً عن 10٪ من إجمالي تشخيص حالات الإصابة الجديدة بالسرطان في عام 2018. ولا تبدو الصورة أفضل حالًا في مصر، التي تحتل المركز الرابع عشر على مستوى العالم فيما يخص الوفيات بسبب اللوكيميا، بمعدل يصل إلى 5.37 حالات لكل 100 ألف شخص، وفقًا لتقديرات موقع "وورلد لايف إكسبكتنسي".

ويخضع هؤلاء المرضى للعلاج الإشعاعي لتدمير الخلايا المريضة، وعلى الرغم من فاعلية العلاج الإشعاعي في تخليص الجسم من الخلايا السرطانية، إلا أن هذا العلاج يتسبب في قتل خلايا الدم السليمة أيضًا، ما يجعل المرضى عرضةً للعدوى والتعب إلى حين نمو خلايا الدم الجديدة.

تقول "كريستين فان فليت" -أستاذ الهندسة البيولوجية، والباحثة المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "ابتكرنا طريقةً لمساعدة خلايا الدم على التجدُّد بشكل أسرع، وتتضمن هذه الطريقة تحفيز الخلايا الجذعية الميزنكيمية/ المتعلقة (MSCs)، أحد أنواع الخلايا الجذعية الوسيطة، على إفراز عوامل نمو تساعد الخلايا الجذعية المكونة للدم على التمايُز والتحوُّل إلى خلايا دم ناضجة".

خلايا جذعية بالغة

و"الخلايا الجذعية الميزنكيمية" هي خلايا جذعية بالغة، توجد عادةً في نخاع العظام، ويمكن عزلها من الأنسجة الأخرى، بما في ذلك دم الحبل السري، والدم المحيطي، والأنسجة الدهنية، والأنسجة الأخرى، وتتمايز هذه الخلايا لتشكيل الخلايا الشحمية والغضاريف والعظام والأوتار والعضلات والجلد.

وكما هو الحال مع أنواع الخلايا الجذعية الأخرى، تمتلك الخلايا الجذعية الميزنكيمية قدرةً عاليةً على التجدُّد الذاتي، ما يمنحها إمكانيات علاجية هائلة لإصلاح الأنسجة، كما تمتلك خصائص مناعية تجعلها مرشحةً للعمل كعوامل علاجية في أمراض مثل التصلب المتعدد والأمراض العصبية الأخرى.

توضح "فليت" آلية عمل التقنية الجديدة قائلةً: من الممكن أن نقارن تلك التقنية بالنبتة التي نحاول أن نجعلها تنمو، ففي هذه الحالة يأتي دور الخلايا الجذعية الوسيطة كي تحسِّن من التربة بحيث يمكن للخلايا الجذعية المكونة للدم و"خلايا السلف" أن تبدأ في التكاثر وأن تتمايز إلى أنساب الخلايا الدموية التي نحتاج إليها للبقاء.

تضيف "فليت" أن "الخلايا الجذعية الوسيطة التي تم تطويرها بشكل خاص ساعدت الحيوانات على التعافي بسرعة أكبر مقارنةً بالعلاج الإشعاعي؛ إذ تمتلك إمكانيات كبيرة باعتبارها خليةً متعددة القدرات تنتج في جميع أنحاء الجسم ويمكن أن تتمايز إلى مجموعة متنوعة من الأنسجة، بما في ذلك العظام والغضاريف والعضلات، والدهون".

وتستطرد: "يمكنها أيضًا أن تفرز بروتينات تساعد أنواعًا أخرى من الخلايا الجذعية على التمايز إلى خلايا ناضجة، ما يجعلها أشبه بمصنع للعقاقير، بحيث تقوم تلك الخلايا الجذعية الوسيطة بضخ الكثير من العوامل التي تغير البيئة العاملة فيها الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم".

تجارب سابقة

وتتفق نتائج الدراسة الأخيرة مع دراسة سابقة أجراها الفريق البحثي نفسه على مجموعة من فئران التجارب، وانتهوا فيها إلى أن المريض الذي خضع لعملية زراعة نخاع عظمي قد يتعافى بشكل أسرع إذا حصل -بجانب الخلايا الجذعية المكونة للدم وخلايا السلف- على خلايا جذعية وسيطة.

لكنهم وجدوا في التجربة السابقة أن نسبة 20% فقط من تلك الخلايا الجذعية الوسيطة قادرة على إنتاج العوامل اللازمة لتحفيز نمو خلايا الدم واستعادة النخاع العظمي لعافيته.

ومن أجل تحسين ذلك وزيادة نسبة الخلايا الجذعية الوسيطة القادرة على أداء المهمة، حاول الباحثون في دراستهم الجديدة تغيير السطح الذي يتم استزراع الخلايا الوسيطة عليه؛ بهدف إنتاج عدد أكثر من الخلايا المحفزة، والتي لاحظ الباحثون أن قطرها كان أكبر من باقي المجموعة التي لا تعمل كمحفز.

تقول "فليت": قبل بدء التجربة، كان علينا تحديد العوامل التي تؤدي دورًا محوريًّا في حث الخلايا الجذعية الوسيطة على أداء وظيفتها الخاصة بتهيئة الظروف التي تساعد خلايا الدم على التمايز والتعافي، وتوصلنا إلى ارتفاع معدلات بروتين "الأستيوبونتين" في الفئران التي عولجت بالخلايا الجذعية الوسيطة.

وسبق أن توصل الفريق البحثي نفسه -منذ نحو عقد من الزمان- إلى أن تغيير الخواص الميكانيكية للسطح الذي يتم عليه استزراع الخلايا الجذعية قد يؤثر في تمايزها وتحولها إلى خلايا ناضجة، وهي النتيجة التي حاول الباحثون استخدامها في التجربة الحديثة؛ إذ أثبتوا أن الخواص الميكانيكية للسطح الذي تم استزراع الخلايا الجذعية الوسيطة عليه قد تؤثر في الإفرازات التي تنتجها تلك الخلايا، وتساعد بدورها في خلق عوامل مساعدة لنمو خلايا الدم المزروعة وذلك قبل تمايزها، وفق "فليت".

وعادةً ما تتم زراعة الخلايا الجذعية من الجسم على لوح مسطح من الزجاج أو البلاستيك الصلب، لكن في التجربة الأخيرة قام الباحثون باستخدام مركب بوليمري وتغيير خواصه الميكانيكية لمعرفة كيف يمكن أن يؤثر على الخلايا، إذ صمموا موادَّ متنوعة في كلٍّ من صلابتها ولزوجتها؛ لقياس مدى سرعة تمدُّد المادة عند تعرُّضها للضغط.

ووجد الباحثون أن الخلايا الجذعية الوسيطة التي نمت على مواد ذات خواص ميكانيكية أكثر تشابهًا مع نخاع العظم تنتج أكبر عدد من العوامل اللازمة لحث الخلايا الجذعية المكونة للدم و"خلايا السلف" على التمايز إلى خلايا دم ناضجة.

وقام الباحثون بتجريب الخلايا الجذعية الوسيطة المستزرعة بهذه التقنية على حيوانات التجربة التي خضعت للعلاج الإشعاعي.

وتبين لهم أنه حتى لو لم تحصل هذه الفئران على زراعة نخاع عظمي، فقد ساعد العلاج بالخلايا الجذعية الوسيطة خلايا الدم على إعادة البناء والتعافي بشكل أسرع مقارنةً بحيوانات التجربة التي عولجت بواسطة الخلايا الجذعية الوسيطة التي تم استزراعها بالطرق التقليدية على لوح زجاجي، لذا يحاول الباحثون اليوم تجريب خطة علاجية على الحيوانات تجمع بين تطويع هذه الخلايا المستزرعة وزراعة خلايا الدم؛ بغية تجريبها فيما بعد على البشر.

من جهتها، تقول "ميرفت الدفتار" -أستاذ الباثولوجي في المعهد القومي للأورام- في تصريحات لـ"للعلم: "إن التقنية التي استخدمها الباحثون تُعَد خطوةً حقيقيةً إلى الأمام"، مضيفةً أن "الخطوة الجديدة قد تحل معضلةً مهمةً يواجهها الأطباء بعد عملية الزراعة، وهي الضعف الشديد الذي يصيب الجهاز المناعي وقد يتسبب في مضاعفات جسيمة، لا سيما وأن تجدُّد الخلايا قد يستغرق أسابيع". وتتوقع "الدفتار" إمكانية استخدام هذا النهج الذي يسعى لتوظيف الإمكانيات العالية لهذه الخلايا الجذعية الوسيطة في تطبيقات علاجية أخرى في المستقبل، مشددةً في الوقت ذاته على أن "الأمر قد يحتاج إلى بعض الوقت كي نرى تأثير هذه التجارب على البشر".