أظهر بحث حديث أُجري على طفرة جينية تسبب العقم لدى بعض الرجال أن بروتينًا مهمًّا في الحيوانات المنوية يشكل عنصرًا رئيسيًّا في عملية إخصاب البويضة، يُعرف باسم أيزو إنزيم الفوسفولِيبيز- سي زيتا Phospholipase C zeta (بي إل سي زيتا PLC-zeta)، غير فعال لدى هؤلاء الأفراد. ويمنح هذا الاكتشاف الأمل للرجال الذين يعانون العقم لهذا السبب، في حال أمكن التعاطي معه وإصلاحه.

وكان فريق بحثي مشترك من جامعتي قطر وكارديف البريطانية توصل إلى طريقة جديدة لعلاج أحد أشكال العقم لدى الذكور من خلال تقديم المساعدة الطبية. قام الفريق البحثي الذي نشر نتائج دراسته في عدد مايو الجاري من دورية (Biochemical Journal) بعملية التخصيب في المختبر، عبر حقن البويضات بنسب من البروتين «بي إل سي زيتا» أعلى من تلك التي تُوجَد في السائل المنوي لدى الذكور الذين يعانون العقم، وأظهرت النتائج فاعلية كبيرة.

وقال الدكتور ميشيل نوميكوس -الأستاذ المساعد في علوم الكيمياء الحيوية في كلية الطب بجامعة قطر-: "إن المشروع البحثي يهدف إلى فهم ومعالجة الآلية المعقدة لقدرة جزيء صغير مثل البروتين بي إل سي زيتا "على بدء حياة جديدة". وأوضح في حديثه لـ"للعلم" أن هذه الدراسة تمنح الأمل للعديد ممن يعانون مشكلات العقم الذكوري، مضيفًا: نعمل حاليًّا على تطوير استخدام هذا البروتين لعلاج تلك الحالات.

تشخيص وعلاج

وأظهرت دراسات إكلينيكية أُجريت مؤخرًا أن الحيوانات المنوية لدى العديد من الذكور الذين يعانون العقم تتمتع بمعايير طبيعية من حيث الشكل والقدرة على الحركة، غير أنها غير قادرة على الإخصاب.

وفي هذا الإطار، أظهرت الدراسة أن السائل المنوي لدى هؤلاء الرجال يفتقر إلى بروتين "أيزو أنزيم الفوُسفُوليبيز-سي زيتا"، وهو بروتين فعال وضروري للشروع في المرحلة الأولى من عملية التخصيب، عبر البدء بعملية "تنشيط البويضة" وكافة العمليات البيولوجية الضرورية لنمو الجنين.

وقال نوميكوس: "أظهرت الدراسات الإكلينيكية التي أُجريت مؤخرًا أهمية هذا البروتين في عملية الإخصاب لدى البشر". وأشار إلى أن الدراسة بينت أن الأشخاص الذين يعانون من العقم، ومَن فشلت عمليات إخصاب أُجريت لهم في المختبر، وُجِد أن لديهم نسبًا ضئيلة من هذا البروتين، أو أنهم يعانون طفرات جينية طرأت عليه. وتابع: "يقوم هدفنا على استخدام الأدوات التي نعمل على تطويرها حاليًّا، لا للمعالجة فحسب؛ بل لتشخيص حالات العقم الذكوري التي تعود إلى الأسباب سالفة الذكر".

ويلجأ بعض الأزواج الذين لا ينجبون بصورة طبيعية إلى عمليات الحقن المجهري (IVF)، لكن تلك العمليات لا يُكتب لها النجاح في بعض الأحيان، لأسباب منها الطفرات الوراثية التي تطرأ على الحيوانات المنوية أو بسبب تشوهها أو تكسّرها، ما يمنع عملية الإخصاب.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، قال البروفيسور طوني لاي -عضو فريق البحث من جامعة كارديف البريطانية-: إن تحديد حالة العقم الذكوري المرتبط بطفرة في هذا البروتين يتطلب البدء بالنظر في استخدام بروتين بي إل سي زيتا المؤتلف ضمن نظام إكلينيكي، وذلك بهدف إنقاذ بعض حالات فشل تخصيب البويضات. وعبر لاي عن أمله بأن تقود هذه الدراسة إلى علاج الأزواج الذين يعانون العقم، ومنحهم أملًا لبناء عائلة.

وسائل مساعدة

وتعليقًا على نتائج البحث، أكدت الدكتورة أمينة أحمد بيومي -أستاذ الكيمياء الحيوية الطبية بكلية الطب جامعة المنصورة- أن هذه الطريقة ستساعد في نجاح عمليات الحقن المجهري بنسب تصل إلى 100% لو كان سبب الفشل يعود إلى انعدام نسب بروتين "أيزو أنزيم الفوُسفُوليبيز-سي زيتا"، أو حدوث طفرة جينية فيه. وأضافت في حديث لـ"للعلم": "ولكن هذا البروتين ليس وحده الذي يسبب فشل عمليات أطفال الأنابيب، إذ إن هناك أسبابًا أخرى للعقم، قد لا تُجدي معها هذه الطريقة".

واتفق معها الدكتور طه عبد الناصر -أستاذ الأمراض التناسلية والذكورة بكلية طب قصر العيني، جامعة القاهرة- مؤكدًا أن ما توصل إليه فريق البحث، خيار جديد يضاف إلى الخيارات الأخرى المتاحة حاليًّا لزيادة فرص نجاح عمليات الحقن المجهري أو التخصيب في المختبر (In Vitro Fertilization)، لدى المرضى الذين يعانون ضعف تخصيب السائل المنوي لديهم.

وأوضح لـ"للعلم" أن هناك وسائل أخرى، تُستخدم حاليًّا لتحسين فرص نجاح عمليات أطفال الأنابيب، أبرزها عملية التنشيط الكهربائي (Electrical activation) عبر جهاز يُصدر شحنات موجبة تُسهم في تنشيط تفاعل البويضات ودمج الحيوان المنوي بها. وأضاف أن الطريقة الأخرى تسمى (Calcium ionophore activation) ، وهي عبارة عن محلول يضاف إلى البويضات في أثناء تحضير عينة السائل المنوي في عملية أطفال الأنابيب، قبل وضع العينة في الرحم، إذ تساعد على نجاح العملية. 

للفشل أسباب أخرى

وأشار عبد الناصر إلى أن هناك مسببات أخرى لفشل عمليات التخصيب المجهري، تؤدي إلى تكسّر الحمض النووي للحيوانات المنوية، ومنها السمنة المفرطة، والتدخين والمخدرات، والمشروبات الكحولية، والإصابة بدوالي الخصية، والتهابات الجهاز التناسلي.

وشدد على أنه يمكن علاج هذه الحالة وتحسين قوة تماسك الحمض النووي للحيوانات المنوية، عبر خفض الوزن الزائد، والإقلاع عن التدخين والمخدرات، ووقف شرب الكحوليات، وعلاج التهابات الجهاز التناسلي، وربط دوالي الخصية، والاهتمام بتناول الأغذية الغنية بمضادات الأكسدة.