أكثر من 12 مليون طن هي كمية النفايات البلاستيكية التي تصل سنويًّا إلى البحار والمحيطات، ما يمثل مشكلةً بيئيةً كبيرة في ظل عدم القدرة على تحديد المواقع التي توجد فيها 99% من تلك النفايات. فالنفايات البلاستيكية من عبوات وأكياس وزجاجات، لا تمثل سوى نسبة لا تتجاوز 1% من الحجم الكلي للنفايات بالمحيطات، في حين تمثل "الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر"، التي تقل أحجامها عن 5 ملليمترات، النسبة الباقية، وفق موقع جامعة واريك على الإنترنت.

وبالرغم من أن الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر توجَد في أسطح مياه البحار وعلى الشواطئ بصورة أكبر من الجسيمات البلاستيكية الكبيرة، إلا أنها لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة أو تحديد أماكن وجودها؛ بسبب عدم وجود طرق كافية لتمييزها وقياسها.

فمنذ اكتشاف البلاستيك أوائل القرن العشرين أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ إذ تشير دراسة نشرتها دورية ساينس أدفنسز عام 2017 إلى أن إنتاج البلاستيك البكر حتى عام 2017 قد بلغ 8300 مليون طن، نتج عنه نفايات بلاستيكية تقدر بـ6300 مليون طن وفق إحصائيات عام 2015، تم تدوير نسبة 9% منها وحرق نسبة 12%، أما 79% فقد جرى التخلُّص منها في مدافن النفايات أو تُركت في الطبيعة. ولأن البلاستيك لا يتحلل مطلقًا بشكل كامل في الطبيعة، بل يتكسر إلى أجزاء أصغر وأدق، وهكذا دواليك، فقد بات يمثل لعنةً أصابت كوكب الأرض.

ولكن يبدو أن العلم قد بدأ أولى خطواته للتغلب على هذه المشكلة؛ إذ تمكن فريق من العلماء بجامعة واريك بالمملكة المتحدة من ابتكار طريقة جديدة لاكتشاف النفايات البلاستيكية الدقيقة بالبحار والمحيطات.

تقوم الطريقة الجديدة على استخدام صبغ أحمر نيلي (Dye Nile Red) للكشف عن النفايات البلاستيكية الدقيقة التي يتراوح طولها بين 1 ملليمتر و20 مايكرومترًا (المايكرومتر يعادل جزءًا من مليون من المتر). جرى نشر تفاصيل تلك الطريقة مؤخرًا في دورية "إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي".

يقول جابرييل إرني-كاسولا –قائد المجموعة البحثية، والباحث بكلية علوم الحياة بجامعة واريك– في تصريح لـ"للعلم": "كان السؤال المُلِح الذي نواجهه هو: أين تتراكم النفايات البلاستيكية الدقيقة؟ وذلك لأن اكتشافها وتحديد كمياتها صعب للغاية؛ إذ يتم بطريقة يدوية أو عبر استخدام تقنيات مكلفة جدًّا"، مضيفًا أن طريقتنا الجديدة ستجعل ذلك الأمر أسهل وأسرع وأرخص، وبالتالي سنتمكن من معرفة أماكن تلك النفايات، وإيجاد سبل للتخلص منها".

سر الأحمر النيلي

تتعدد مصادر تلك النفايات البلاستيكية الدقيقة، على حد وصف ريتشارد تومبسون –أستاذ الأحياء البحرية بجامعة بلايموث، والباحث المشارك بالدراسة.

يقول تومبسون لـ"للعلم": "هناك مصدران رئيسيان لتلك النفايات البلاستيكية الدقيقة، الأول هو قطع البلاستيك الأكبر حجمًا، التي جرى كسرها إلى أجزاء أصغر وأدق، والثاني الحبيبات الدقيقة الموجودة ضمن بعض مستحضرات التجميل ومنتجات التنظيف، والألياف المستخدمة في الملابس"، موضحًا أن الأخيرة يصعب اكتشافها بواسطة العلماء بسبب دقة أحجامها، كما أنه لا يمكن تمييزها بسهولة عن العوالق الأخرى الموجودة بمياه البحار والمحيطات بشكل طبيعي.

ويضيف أن "هذا الصبغ محب للدهون، ويمكنه صبغ المواد الكارهة للماء مثل البلاستيك". وعن استخدامه على عينات مأخوذة من مياه البحار والمحيطات، يقول: وجدنا أنه ينجذب فقط إلى البلاستيكيات الدقيقة الموجودة بالعينة، ويصبغها لتصبح مضيئةً بلون أخضر سهل التمييز عند فحصها باستخدام المجهر الفسفوري، كما ينجذب الصبغ أيضًا إلى مواد أخرى غير البلاستيك، لذا تجري معالجة العينات المراد فحصها بحمض النيتريك، الذى يمكنه إزالة هذه المواد الخشبية والمواد العضوية الأخرى.

ويصنف الكيميائيون المواد في حالة سلوكها مع الماء، إلى نوعين: كاره للماء (هيدروفوبي Hydrophobic) أو محب للماء (هيدروفيلي Hydrophilic)؛ نظرًا لأن جزيئات الماء ثنائية القطب، إذ تتركز الشحنة السالبة على ذرة الأكسجين والشحنات الموجبة على ذرتي الهيدروجين، وهو ما يسمح لجزيئات الماء بأن تشكل روابط قوية مع بعضها، ومع أية مادة أخرى شبيهة بها.

وللتأكد من صبغ النفايات البلاستيكية فقط، جرى اختبار تلك الطريقة الجديدة عبر فحص عينات من مياه البحر من الساحل المتاخم لمدينة بليموث الإنجليزية، وكشفت النتائج عن تجميع كميات أكبر من النفايات البلاستيكية الدقيقة التي يقل حجمها عن ملليمتر واحد، وذلك لدى مقارنتها بنتائج الفحص بالطريقة التقليدية المتبعة حاليًّا، التي تعتمد على فرز جزيئات البلاستيك الدقيقة تحت الميكروسكوب، وهو ما كان يتطلب جهدًا ووقتًا كبيرين.

كما أثبتت الطريقة الجديدة فاعليتها في الكشف عن النفايات البلاستيكية على اختلاف أنواعها: كالبولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبولي ستيرين والنايلون.

ويعوَّل على تلك الطريقة في إحداث أثر بالغ لعلاج مشكلة النفايات البلاستيكية الدقيقة بالمحيطات، وفق ما يذهب إليه جيسون مكديفيت –من كلية ويليام وماري الأمريكية، الباحث غير المشارك بالدراسة– قائلًا: "إن الطريقة الجديدة تسهِّل من تحديد كميات النفايات البلاستيكية الدقيقة في البيئة المائية، وبالتالي تحديد الحجم الحقيقي للمشكلة ومواجهتها في أماكن مختلفة".

من جهته، يؤكد "إرني-كاسولا" أن الطريقة الجديدة باتت جاهزةً للاستخدام على نطاق واسع لفحص كافة البحار والمحيطات، مما سيسهم في معرفة أماكن تجمُّع تلك النفايات الدقيقة. وبالتالي يمكن البحث عن حلول لتلك المشكلة وإصدار التشريعات وسن القوانين لإدارة النفايات البلاستيكية، مشددًا على أن هناك حاجة ماسة إلى إجراء المزيد من الأبحاث حول المشكلة".

إدمان البلاستيك

وتتسبب النفايات البلاستيكية –خاصةً الدقيقة منها– في العديد من المشكلات البيئية بالبحار والمحيطات، فحينما تبتلع الكائنات الحية تلك النفايات البلاستيكية، تتسبب في أضرار بالغة، قد تصل إلى حد هلاك تلك الكائنات. كما تفرز تلك النفايات عددًا من المركبات الكيميائية السامة على نحوٍ مستمر في مياه البحار والمحيطات.

يقول مكديفيت: "لا يتوقف الأمر عند هذا فحسب، إذ إن حل المشكلة المرتبطة بالتلوث الناتج عن النفايات البلاستيكية الدقيقة يتطلب التمييز بين الأنواع المختلفة من البلاستيك، وحتى التركيبات الكيميائية المختلفة للنوع ذاته، خاصة أن بعض أنواع البلاستيك أخطر على البيئة من غيره".

وتقدر إحصائيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مشكلة النفايات البلاستيكية بالمحيطات تتسبب في خسائر تقدر بحوالي 13 مليار دولار سنويًّا. لذلك أصبح الحد من النفايات البلاستيكية بالمحيطات أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وقد أصدرت الأمم المتحدة نهاية العام الماضي تعهدًا بعلاج تلك المشكلة، إلا أنه غير ملزم قانونيًّا، ولا يضع جدولًا زمنيًّا واضحًا للتخلص من تلك المشكلة، الأمر الذي يعني ضياع كثير من الوقت قبل الاتفاق على استراتيجية دولية لمجابهة الأزمة والشروع في تنفيذها.

ويؤكد مكديفيت أن الأمل الأكبر يتمثل في قوة الأفراد وقدرتهم على تغيير سلوكياتهم، عبر تبنِّي نهج جديد للحد من استخدام البلاستيك في الحياة اليومية، وإحلال مواد أخرى أكثر استدامةً محله.