بعد عقود من البحث، أصبح العلماء أقرب من أي وقت مضى إلى إيجاد وسيلة فعالة لمنع انتقال فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) بين البشر، إذ أعلن المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) عن اكتشاف علمي "استثنائي" يساعد على الوقاية من المرض شديد العدوى وعلاجه أيضًا.

ونجح العلماء، في دراستهم التي نشروا تفاصيلها منتصف نوفمبر الجاري، بدورية (Immunity) في عزل جسم مضاد من مريض مصاب بالإيدز، أُطلق عليه (N6)، نجح في مقاومة 98% من سلالات فيروس الإيدز في الاختبارات المعملية التي بلغ عددها 181 سلالة، بما في ذلك أكثر من 20 سلالة كانت مقاومة لأجسام مضادة من الفئة نفسها.

والأجسام المضادة هي عبارة عن بروتينات تُوجَد في الدم، يستخدمها جهاز المناعة البشري للتعرف على الأجسام الغريبة -مثل البكتيريا والفيروسات- ومكافحتها.

وعلى الرغم من أن الاكتشاف لا يزال في مراحله الأولى، إلا أن الباحثين متفائلون بأن (N6) باستطاعته تأمين مستوى من الحماية تعجز عن توفيره العلاجات الحالية، نظرًا لفاعليته العالية، ما يُتوقَّع له أن يُترجَم إلى وسيلة وقائية وعلاج أطول عمرًا.

ويتفوق الجسم المضاد الجديد، على علاج آخر يسمى (VRC01)، نجح في تحييد 90% من سلالات الإيدز، لكن (N6) أثبت فاعلية أكثر منه بـ10 مرات، وسيطر على 98% من سلالات المرض، وفق البحث.

ومن المعروف أن الفيروس يصيب خلايا الجهاز المناعي ويتسبّب في تدمير وظائفها أو تعطيلها، وينجم عن الإصابة به تدهور الجهاز المناعي تدريجيًّا، ممّا يؤدي إلى الإصابة بما يُعرَف بـ"العوز المناعي"، إذ يعجز الجهاز المناعي عن أداء دوره في مكافحة العدوى والمرض. وتُعرف أنواع العدوى المرتبطة بالعوز المناعي الوخيم بـ"أنواع العدوى الانتهازية"؛ لأنّها تستغل ضعف الجهاز المناعي.

وقال الباحثون إن الجسم المضاد الجديد يمكن أن يكون مناسبًا لحقنه للمرضى تحت الجلد (في الطبقة الدهنية أسفل الجلد)، بدلًا من حقنه في الوريد كما هو الحال في علاج (VRC01)، المرشح حاليًّا لاستخدامه على البشر في الوقاية من الفيروس، بعد أن أثبت فاعلية في حماية القرود من الإيدز.

ويتتبع فريق الباحثين بقيادة الدكتور مارك كونرز تطوُّر (N6) مع مرور الزمن لمحاولة التوصل إلى فهم أفضل حول كيفية تطويره لقواه المحيِّدة لسلالات الفيروس. ومن خلال فهم ماضي الجسم المضاد، يأمل الباحثون في تمهيد طريق أسرع لتصميم "لقاحات" باستطاعتها حماية الناس من العدوى بالفيروس.

وتُعَد متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، أحد أشهر الأمراض المعروفة عالميًّا. وبالرغم من عدم التوصل إلى علاج أو لقاح لها حتى الآن، إلا أن ما يسمى بـ"الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية"، قادرة على تقليل تكاثر الفيروس في الدم، وحماية الجهاز المناعي من انتشار الفيروس، وإبطاء تطوّره داخل الجسم.

علاجات أكثر أمانًا

وعن مدى فاعلية العقاقير التى يتعاطاها المتعايشون مع الفيروس، قالت جمانة هرمز- المسؤولة التقنية بوحدة الإيدز بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بمنطقة شرق المتوسط-: إن العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية أصبحت اليوم أكثر أمانًا، وأقل سمية، وأسهل كثيرًا في تناوُلها من الأدوية السابقة، فمثلاً في السابق كان على المريض أن يأخذ عددًا كبيرًا من الحبوب يوميًّا بجرعات متكررة، وكانت الأعراض الجانبية للدواء مزعجة جدًّا، بل وضارة أحيانًا، أما اليوم فحبة واحدة يوميًّا قد تفي بالغرض وتؤمِّن فاعلية عالية بأعراض جانبية محدودة ومؤقتة.

وأضافت هرمز في حديث خاص لـ"للعلم": "عندما يلتزم المتعايشون مع فيروس الإيدز جيدًا بالمعالجة بهذه الأدوية، فإنها تساعد على التمتع بحياة صحية تضاهي- كمًّا ونوعية- حياة غير المصابين بالفيروس".

فيما قال الدكتور إيهاب عبد الرحمن- رئيس الهيئة الأفريقية لمكافحة الإيدز-: إن كثيرًا من المعاهد البحثية حول العالم، تسعى لإيجاد علاجات فعالة للمرض، لكن لا يزال أمام العلماء وقت طويل للوصول إلى علاجٍ شافٍ له، وتركز العلاجات المتاحة حاليًّا على هدفين: أولهما إظهار الفيروس، والثاني القضاء عليه.

وأضاف عبد الرحمن، في حديث خاص لـ"للعلم" أن الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية تُستخدم في علاج العدوى بفيروس الإيدز والوقاية منها، وتمكّن من مكافحة الفيروس بوقف أو عرقلة تكاثره داخل الجسم، ومع العلاج الصحيح، قد يعيش الأشخاص المصابون به طوال حياتهم، دون أن يتطور المرض، بمعنى آخر ليس من الضرورة أن تتطور كل إصابة بالفيروس لتصبح مرضًا، ويعتمد هذا على تلقي العلاج الصحيح.

أما دور العلاجات المضادة للفيروس، فقد كشف د. إيهاب عن أن تلك العلاجات تمنع الفيروس من التطور، والوصول إلي المرحلة الثالثة، التي يضعف معها الجهاز المناعي، وتُعرَف بمتلازمة العوز المناعي المكتسب (الإيدز)، ويكون الجسم البشري حينها عُرضة للأمراض الانتهازية، التي تنتهز ضعف الجهاز المناعي لتهاجم الجسم، وعلى رأسها الأمراض السرطانية والجلدية والتنفسية.

وأوضح أن تلك العلاجات تجعل فيروس الإيدز خاملًا وغير ظاهر، إذا جرى تناوُلها في المراحل المبكرة من الإصابة والاكتشاف، وبالتالي يستطيع المريض أن يتعايش مع المرض بشكل كبير، دون أن يتطور المرض، إذا اتبع الوسائل الوقائية، باستعمال الواقي الذكري عند العلاقة الزوجية.

قمة جبل الثلج

ويقدر أعداد المتعايشين مع الفيروس في إقليم شرق المتوسط، بـ 330 ألف شخص، وفق هرمز- مشيرة إلى أن الحديث هنا عن المتعايشين وليس المرضى، لأن "مريض الإيدز" يدل على المرحلة الأخيرة من تطور المرض، وهي الفترة التي تسوء فيها حالة الشخص وتنتهي بالوفاة، أما اليوم وفي وجود العلاجات المضادة للفيروس فقد أصبح من النادر أن يصل الأشخاص المتعايشون مع الفيروس إلى مرحلة الإيدز.

وأضافت أن أعداد مَن يتلقون العلاجات المضادة للفيروسات بنهاية 2015 بلغت 46 ألف مريض، أي 14% من عدد المتعايشين مع الإيدز، وهذا الرقم يشكل زيادة بمعدل أكثر من ضعفي العدد عام 2011، مما يدل على جهود دول الإقليم لإتاحة العلاج، إلا أن نسبة التغطية ما زالت الأدنى في العالم.

ووفق منظمة الصحة العالمية، انخفضت منذ عام 2000 حالات العدوى الجديدة بالفيروس بنسبة 35%، كما تراجعت الوفيات المرتبطة بالإيدز بواقع 42% بعد أن بلغت أعلى معدلاتها في 2004، ومع ذلك، وبنهاية عام 2015 لم يكن يدرك سوى أقل من 20% من المتعايشين مع الفيروس في إقليم شرق المتوسط أنهم مصابون به، ولم يحصل منهم على العلاج سوى 14%.

وفي حوار مع إذاعة الأمم المتحدة، أشار الدكتور غوتفريد هيرنشال -من منظمة الصحة العالمية- إلى أن أكثر من 18 مليون شخص من المتعايشين مع الفيروس حول العالم يخضعون حاليًّا للعلاج المضاد للفيروسات القهقرية، فيما يظل عدد مماثل غير قادر على الحصول على العلاج، معظمهم غير مدرك لوضعه الإيجابي.

"إننا على دراية بأن الكثير من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية لا يعرفون أنهم حاملون للفيروس. 14 مليون شخص من أصل 37 مليونًا لا يعلمون. هذا يعني أنهم لن يسعوا إلى الحصول على الرعاية، وبالتالي قد يمرضون ويموتون بسبب الإيدز. نرى أكثر من مليون شخص يموتون بسبب الإيدز، حتى مع توفر علاج فعال للغاية في معظم البلدان بأسعار معقولة".

فيما اعتبر عبد الرحمن  أن الأعداد الموجودة للمتعايشين مع المرض في الدول العربية والأفريقية تمثل قمة جبل الثلج، أي أن ما يظهر من القمة يمثل فقط 10% من حجم الأعداد الحقيقي، إذ إن كل حالة مكتشفة للمرض، يقابلها 9 حالات لم تُكتشَف بعد، منوهًا بأن هذه النظرية معكوسة في دول مثل أمريكا والبلدان الأوروبية، حيث يجري الكشف عن قرابة 90% من الإصابات وعلاجها.

وأشار إلى أن المرض لا يزال قائمًا في كثير من الدول، على مستوى العالم، وخاصة دول جنوب الصحراء الأفريقية، ولكن ظهور العلاجات المضادة للفيروسات، أدى إلى تراجعه، فقد تراجعت معدلات الإصابة على سبيل المثال في ساحل العاج من 4.6% إلى 2.5% من عدد السكان.

الكرامة فوق كل اعتبار

هو الشعار الذي اختاره إقليم شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، لليوم العالمي للإيدز لهذا العام، والذي يُحتَفل به في الأول من ديسمبر كل عام.

وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للإيدز، قال الدكتور علاء الدين العلوان -مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط-: «إنه لمن غير المقبول، بعد مرور أكثر من 35 سنة منذ ظهور هذا الوباء، أن يظل الوصم والتمييز ضد المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية متفشيَين في أوساط العاملين في مجال الرعاية الصحية من جميع التخصصات».

وأضاف أن «الوصم والتمييز في مواقع الرعاية الصحية يَعوقان بشكل خطير قدرتنا على وضع حدٍّ لوباء الإيدز، وغالبًا ما يتحمل المتعايشون مع الفيروس الرفض والحرمان من الحصول على الرعاية الصحية بحالاتهم الصحية العامة التي ترتبط أو لا ترتبط بإصابتهم بهذا الفيروس، وهو ما يتنافى والأخلاق الطبية، لافتًا الانتباه إلى أن هذه الخبرات السلبية تردع مَن يحتاجون إلى الرعاية عن التماس الحصول عليها، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية في نهاية المطاف».

معوقات القضاء على الفيروس

هناك صعوبات تواجه السيطرة على المرض، والوصول إلى الهدف المأمول بالقضاء عليه بحلول 2030، كشفت عنها جمانة هرمز، فبالإضافة إلى الإصابات التي تحدث بين عامة الناس، تتركز معظم الإصابات في الإقليم بين الفئات الأكثر عرضة، وهي فئات مهمشة ويصعب الوصول إليها بسبب التقاليد والقوانين التي تهمشهم وتنبذهم (مثلاً عاملات الجنس، والرجال ذوي العلاقات الجنسية مع الرجال، ومتعاطي المخدرات بالحقن، والسجناء ومتحولي الجنس)، وهذا يجعل الوصول إلى هذه الفئات بخدمات الوقاية والكشف المخبري والعلاج صعبًا جدًّا.

وأضافت أن ثاني تلك المعوِّقات هي عدم توفر عددٍ كافٍ من خدمات الوقاية والتشخيص والعلاج، أو عدم توفر خدمات ملائمة لظروف الفئات الأكثر عرضة، ثم الوصم والتمييز، لا سيما في المرافق الصحية، من العوامل التي تؤدي إلى عزوف الأشخاص الذين يظنون أنهم قد تعرضوا للإصابة بالفيروس عن الكشف المخبري، أو إذا ما تم تشخيصهم، عن الولوج إلى خدمات الرعاية والعلاج.

وهناك تحدٍّ آخر كشفت عنه جمانة، هو رفض تقديم خدمات الرعاية والعلاج للفئات الأكثر عرضة، لا سيما متعاطي المخدرات، وكل ما سبق يؤدي إلى صعوبة النهوض بنسب تغطية الوقاية والتشخيص والعلاج، وبالتالي النسب المتدنية للتغطية في الإقليم، أما القضاء على الإيدز بحلول 2030 فهو يتطلب جهودًا حثيثة ونسب تغطية تتجاوز 95%، والإقليم اليوم بعيد جدًّا عن هذه النسب، على حد وصفها.

فيما قال د. إيهاب إن الهدف المأمول سيتحقق بالوصول إلى استراتيجية 90/90/90، وتعني خفض معدلات الإصابة بالمرض إلى 90%، وزيادة معدلات علاج المرض إلى 90%، وزيادة استجابة المرضى للعلاج بنسبة 90%.

وكشف تقرير جديد لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بمكافحة الإيدز، بمناسبة اليوم العالمي للإيدز، أن مرض السل تسبب في نحو ثلث الوفيات المرتبطة بالإيدز في عام 2015، في حين أن النساء المصابات بفيروس الإيدز أكثر عرضة بـ5 مرات للإصابة بسرطان عنق الرحم، إذ كشفت الأرقام أن 440 ألف شخص قضوا بسبب مرض السل، بينهم 40 ألف طفل، من مجموع 1.1 مليون شخص لقوا حتفهم بسبب الأمراض المرتبطة بالإيدز.

ويسلط التقرير الضوء على الحاجة لمزيد من تضافر الجهود لدعم علاج مرض السل، وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) وسرطان عنق الرحم، وبرامج التهاب الكبد الوبائي؛ من أجل الحد من الأسباب الرئيسية للمرض والوفاة بين الأشخاص الذين يعيشون مع فيروس نقص المناعة البشرية.