لم تتصور "سارة" أن المغص الذي أصابها بعد تناول الطعام يمثل أكثر من مشكلة عارضة؛ إذ اعتقدت في البداية أنه وما صاحبه من شعور بالانتفاخ وما تبعه من إسهال، حدث نتيجة تناول وجبة سريعة ملوثة في أحد المطاعم.

تقول "سارة" الفتاة الجامعية التي رفضت ذكر اسمها صراحة، في تصريحات لـ"للعلم": لم تختفِ الأعراض، بل تكرر ظهورها حتى بعد تناولي وجباتي الغذائية في المنزل، ويومًا بعد يوم انضم الإمساك إلى قائمة الأعراض، "أصبحت أعاني من نوبات متبادلة من الإمساك والإسهال، أصابني التوتر والقلق مع إحساسي الدائم بالتعب وفقدان الوزن"، وتضيف: وبعد التوجه إلى الطبيب وإجراء الفحوص اللازمة، جرى تشخيص حالتي باعتبارها إحدى حالات "متلازمة القولون العصبي"، والتي تُعرف أيضًا بـ"متلازمة القولون المتهيج".

و"متلازمة القولون العصبي" هي اضطراب شائع يؤثر على الأمعاء الغليظة، ولا يوجد سبب محدد للإصابة به، لكن هناك العديد من العوامل التي ترتبط به، مثل الانقباضات العضلية في الأمعاء، والتي يؤدي حدوثها لوقت أطول من المعتاد إلى الإصابة بغازات، وانتفاخ، وإسهال، كما تتسبب في إبطاء مرور الطعام، مؤديةً إلى تصلُّب البراز وجفافه، إضافةً إلى تشوهات الأعصاب الموجودة في الجهاز الهضمي، التي يصاحبها ألم، أو إسهال، أو إمساك، وحدوث تغيرات في البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء.

فهم جديد

عدم وجود سبب محدد للإصابة بـ"متلازمة القولون العصبي" دفع فريقًا بحثيًّا بلجيكيًّا إلى محاولة تقديم تفسير جديد لأسباب هذه المتلازمة وطريقة حدوثها، وفق نتائج دراسة نشرتها دورية  نيتشر Nature، مؤخرًا.

تشير الدراسة إلى أنه "على الرغم من أن اهتمام كلٍّ من المجتمعات الطبية والعلمية بأمراض البطن التى يسببها الغذاء قد ازداد زيادةً ملحوظةً في السنوات الأخيرة، مع إدخال أنظمة غذائية خالية من الجلوتين وأنظمة غذائية أخرى جديدة في جميع أنحاء العالم، فإن الآليات الكامنة وراء شكاوى البطن هذه لا تزال غير معروفة إلى حدٍّ كبير".

وتفيد الدراسة أن "نحو 20٪ من الأشخاص في جميع أنحاء العالم يعانون من أعراض معدية معوية بعد تناول وجبة واحدة، ما يؤدي إلى انخفاض جودة الحياة، وزيادة معدلات الإصابة بالأمراض، وارتفاع التكاليف العلاجية الطبية".

أجرى الباحثون الجزء الأول من دراستهم على مجموعة من فئران التجارب، وانتهوا إلى وجود ارتباط بين متلازمة القولون العصبي لدى الفئران وحدوث العدوى البكتيرية والسموم التي تفرزها بعض أنواع البكتيريا؛ إذ تؤدي تلك السموم إلى رد فعل مناعي يدفع الجسم إلى إنتاج أجسام مضادة داخل الأمعاء ضد بعض أنواع الطعام الموجودة في ظل هذه العدوى.

 وبعبارة أخرى، يؤثر وجود البكتيريا على تعامل جهاز المناعة مع الغذاء؛ فبدلًا من أن يرى جهاز المناعة الطعام كعنصر غير ضار أو غير دخيل على الجسم، يتسبب وجود هذه الأنواع البكتيرية وسمومها في تغيير سلوك جهاز المناعة، والتعامل مع الطعام باعتباره عدوًّا، وبالتالي يكوِّن جهاز المناعة أسلحةً تهاجم الطعام، سواء في وقت حدوث العدوى أو بعد انتهائها، وإذا جرى تناول هذه الأنواع من الطعام -حتى بعد انتهاء العدوى- فإن جهاز المناعة يعيد إنتاج أسلحته التي تتمثل في الأجسام المضادة ويطلقها مجددًا.

وتنشِّط الأجسام المضادة خلايا مناعية تفرز مادة الهستامين، وتؤدي بدورها إلى زيادة حساسية النهايات العصبية الموجودة في الأمعاء، وتحمل هذه النهايات الإشارات من خلال الأعصاب إلى الجهاز العصبي المركزي، لتتسبب في حدوث آلام البطن.

التجربة على البشر

في الخطوة التالية، استعان الباحثون بعدد من المصابين بـ"متلازمة القولون العصبي" وعدد من المتطوعين الأصحاء، من أجل تقييم نتائج التجارب التي سبق إجراؤها على الفئران.

حَقَن الباحثون بعض مستضدات الطعام (مثل القمح وفول الصويا واللبن البقري) في الغشاء المخاطي الخاص بالقولون والمستقيم لدى 12 مريضًا و8 متطوعين، وهو ما تسبب في حدوث تورم في هذا الغشاء المخاطي لدى كل المرضى الاثني عشر واثنين فقط من المتطوعين.

في خطوة لاحقة، قارن الباحثون مستوى نشاط الخلايا البدينة في المرضى والمتطوعين، واتضح أن نشاط هذه الخلايا كان أعلى في المرضى.

والخلايا البدينة هى أحد أنواع الخلايا المناعية الفطرية الموجودة في معظم أنسجة الجسم، وتفرز عند تنشيطها موادَّ كيميائية تتسبب في حدوث أنواع مختلفة من الحساسية.

وفحص الباحثون عينات القولون للتعرُّف على مدى وجود الأجسام المضادة من نوع IgE (وهي الأجسام المضادة المرتبطة بالحساسية) لدى المصابين، وتبيَّن أن وجود هذه الأجسام كان أعلى لدى المرضى مقارنةً بالمتطوعين، ليس هذا فحسب، بل كان مستواها يتناسب طرديًّا مع حدة الأعراض وشدة تورُّم الغشاء المخاطي للأمعاء.

جدير بالذكر أن هذا النشاط المناعي اقتصر على الأمعاء، ولم يؤثر على باقي الجسم، وعليه، استنتج الباحثون وجود آلية فرعية لحدوث آلام البطن نتيجةً للاضطراب المناعي الذي حدث في الأمعاء تحديدًا، الأمر الذى يختلف عن حساسية الطعام المعروفة والشائعة الحدوث.

 تحدث حساسية الطعام نتيجة اضطراب مناعي عام في الجسم؛ إذ يؤدي تناوُل أنواع الطعام المسببة للحساسية إلى تنشيط خلايا المناعة وانتشار المواد التي تفرزها في الدم، وهو ما يؤثر على الجسم بكامله.

عدوى سابقة

يقول ألكسندر ديناداي-سوزا، باحث ما بعد الدكتوراة في قسم الأمراض المزمنة والتمثيل الغذائي والشيخوخة في معهد "كي لوفين" البلجيكي، والمشارك في الدراسة: هناك ملحوظتان رئيسيتان دفعتنا لإجراء هذا البحث: الأولى أن الإصابة بمتلازمة القولون العصبي عادةً ما يسبقها- ويحفز حدوثها- وجود عدوى سابقة في الجهاز الهضمي، والثانية أن أغلب مرضى هذه المتلازمة يصابون بالأعراض المختلفة في الجهاز الهضمي بعد تناوُل الوجبات.

يضيف "ديناداي-سوزا" في تصريحات لـ"للعلم": بناءً على هاتين الملحوظتين افترضنا أن وجود عدوى بكتيرية في القناة الهضمية يتسبب في حدوث رد فعل مناعي غير طبيعي تجاه المواد الموجودة في الأطعمة التي يتم تناولها في أثناء فترة حدوث العدوى، وبعبارة أخرى فإن الخلايا المناعية تتعامل مع الطعام باعتباره دخيلًا، وحين يتعرض الجسم للمواد أو المستضدات الموجودة في الطعام نفسها مرةً أخرى بعد انتهاء العدوى يُظهر رد الفعل المناعي المؤدي إلى ظهور الأعراض المعروفة للمرض.

ويتابع: من أجل اختبار هذه الفرضية، حاولنا إنشاء نموذج حيواني للمرض في الفئران؛ إذ قمنا بإحداث عدوى في تلك الفئران باستخدام أحد أنواع البكتيريا، وفي الوقت نفسه عرَّضنا الفئران لأحد مستضدات الطعام الموجودة في بياض البيض من خلال وضعها في مياه الشرب، وبعد انتهاء العدوى بعدة أسابيع عرضنا الفئران مرةً أخرى للمادة نفسها بتناولها عن طريق الفم، ما تسبب في حدوث آلام البطن وظهور الإسهال والأعراض الأخرى الخاصة بمتلازمة القولون العصبي، وفي المقابل كانت الفئران في المجموعة الضابطة طبيعية.

ويوضح: أجرينا تحاليل الأجسام المضادة، ووجدنا أن المجموعة المصابة أنتجت بالفعل أجسامًا مضادةً تجاه المادة الموجودة في بياض البيض، وهذه الأجسام المضادة كانت من النوع IgE، وهو النوع الذي يظهر عادةً في حالات الحساسية، التي تتضمن الحساسية ضد الطعام، وأثار اهتمامنا أن هذه الأجسام المضادة ظهرت في أمعاء الفئران الغليظة فقط، وهو ما يستبعد حدوث حساسية عامة في الجسم ضد هذا النوع من الطعام.

التحمل المناعي

يتعامل الجسم مع مكونات الطعام بشكل عام، عن طريق ما يسمى بـ"التحمل المناعي" أو "التسامح المناعي"؛ إذ يتعامل مع هذه المكونات باعتبارها شيئًا طبيعيًّا، وليس دخيلًا يستحق المعاداة.

يقول محمود كامل، أستاذ المناعة بالمعهد القومي للأورام في جامعة القاهرة، وغير المشارك في الدراسة: "إن حساسية الطعام تحدث نتيجة خلل في عملية التحمل المناعي، وبالتالي ينتج الجسم أجسامًا مضادة من النوع IgE ضد بعض المستضدات الموجودة في الطعام".

ويضيف في تصريحات لـ"للعلم": تدفع هذه الأجسام المضادة الخلايا البدينة إلى إفراز مادة الهستامين وغيرها من المواد في الدم، وهو ما يتسبب في ظهور أعراض الحساسية، ويشرح البحث الحالي طريقةً مختلفةً لفقدان "التحمل المناعي" مع مكونات الطعام، إذ تظل التأثيرات الخاصة بهذه المشكلة محدودةً في القولون، ولا تصل إلى الدم.

يعقب "ديناداي-سوزا" قائلًا: وفقًا لنتائجنا، يؤدي الهستامين دورًا آخر في حالات متلازمة القولون العصبي، إذ يعمل على استثارة الخلايا العصبة المسببة للألم في الأمعاء، وهو ما يتسبب في آلام البطن التي تحدث بعد تناول الطعام لدى الفئران، وهي النتائج ذاتها التي توصلنا إليها لدى المرضى، إذ أدى حَقن مواد مختلفة تتسبب في حساسية الطعام في أمعاء المرضى المصابين بـ"متلازمة القولون العصبي" إلى تنشيط  الخلايا البدينة في الأمعاء فقط دون الدم، وهذه النتائج تؤكد نظريتنا بأن الألم المصاحب لهذه المتلازمة يحدث نتيجة رد فعل مناعي محدود نظرًا لفقدان "التحمل المناعي" مع مستضدات الطعام داخل الأمعاء، وهو ما يُعَد فهمًا جديدًا لكيفية حدوث هذا المرض.

من جهته، يؤكد أسامة شاكر -استشاري جراحة الجهاز الهضمي والقولون، وزميل الكلية الملكية للجراحين بلندن- أن تشخيص هذه المتلازمة يُعد تحدِّيًا للأطباء، إذ كان يجب استبعاد العديد من مشكلات الجهاز الهضمي التي قد تتسبب في أعراض مشابهة.

يقول "شاكر" في تصريحات لـ"للعلم": عادةً ما نعتمد على الأعراض وحدها لتشخيص المرض حتى نتجنب عمل إجراءات معقدة ومجهدة للمريض مثل "تنظير القولون"، وبشكل عام، فإن "متلازمة القولون العصبي" لا تمثل مرضًا واحدًا، بل هي في حقيقة الأمر مجموعة من الأمراض تختلف في أسبابها، لكنها تتفق إلى حدٍّ ما في أعراضها.

وأضاف أن عدم معرفتنا الدقيقة بأسباب هذه المشكلة يمثل عائقًا تجاه التشخيص الدقيق واختيار العلاج المناسب (الذي يقتصر عادةً على استخدام مسكنات الألم ومضادات التقلصات والانتفاخ، وقد يصل إلى الجراحة في الحالات الشديدة)، والتغيرات التي تحدث في بكتيريا الأمعاء والحساسية تجاه بعض أنواع الطعام تمثلان نظريتين مستقلتين لتفسير حدوث هذا المرض، والبحث الحالي يجمع بين النظريتين بطريقةٍ أو بأخرى، وقد يفسر العديد من التفاصيل الغامضة حول هذا المرض.

الحالة المزاجية

يقول "ديناداي-سوزا": ما زال العديد من الأطباء والباحثون يؤمنون بأن متلازمة القولون العصبي ترتبط بشكل أساسي بالحالة المزاجية والأمراض النفسية مثل الاكتئاب والتوتر، وبعضهم لا يعزو المرض إلى أي سبب عضوي، وهذا الفهم قد يؤدي إلى نظرة غير إيجابية تجاه المرضى المصابين بهذا المرض، وبحثنا هذا هو نتيجة عمل استمر سنوات، سعينا خلالها إلى إثبات أن أصل هذه المشكلة هو مجموعة من التغيرات الطفيفة في البيئة الخلوية والجزيئية الخاصة بخلايا الغشاء المخاطي للقولون والمستقيم، ونأمل أن تغير نتائجنا نظرة المجتمع العلمي إلى هذا المرض.

بدوره، يرى "كامل" أن الفكرة التي يطرحها البحث ليست جديدةً بالكلية على المجتمع العلمي، لكنها تختلف في أنه من المعتاد أن يشمل رد الفعل المناعي الجسم كله.

ومن الجدير بالذكر أن نتائج الدراسة الحالية تدعمها نتائج لدراسات سابقة أشارت إلى ارتباط حدوث متلازمة القولون العصبي بمظاهر الحساسية الأخرى مثل الإكزيما التحسسية والربو، منها دراسة اعتمدت على فحص السجلات الطبية لـ30 ألف مريض في المملكة المتحدة؛ لكشف العلاقة بين اضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفية وأنواع الحساسية المختلفة، وأظهرت نتائج الدراسة بوضوح أن متلازمة القولون العصبي وعسر الهضم الوظيفي (عدم الشعور بالراحة في المعدة أو الجزء العلوي من البطن) والإمساك ترتبط جميعًا بأنواع الحساسية المختلفة، وهو ما دعا الباحثين إلى المطالبة بفهم أفضل لهذه الاضطرابات الوظيفية من أجل التوصل إلى علاجات جديدة لها.

أسئلة مشروعة وإجابات حاضرة

وتثير نتائج البحث العديد من الأسئلة الجديدة التى قد توجد لها إجابات في المستقبل، يوضح "شاكر": من تلك الأسئلة: هل التأثير المناعي الناتج من العدوى في هذه التجربة مؤقت أم طويل المدى؟ وهل يتناسب مستوى الأجسام المضادة IgE مع شدة الأعراض أو حدتها؟ وهل يفيد استخدام المضادات الحيوية كخيار علاجي في منع العدوى وبالتالي حدوث التأثير المناعي المترتب عليها؟

ويعلق "ديناداي-سوزا" قائلًا: خيارات العلاج الجديدة كانت حاضرةً في نتائج البحث الحالي، وكانت المحفز الأساسي لهذا العمل، وإن كنا لا نتوقع حلًّا سحريًّا سريعًا وعامًّا يصلح لكل المرضى؛ إذ إن أسباب المرض وطريقة حدوثه لا تتطابق فيما بينها.

وأضاف أن نتائج البحث الذي أجرَوه تضع الهستامين في دائرة الاهتمام والاتهام، كسبب لحدوث آلام البطن في هذا المرض، وأوضح أنهم في بحث سابق كانوا قد أجرَوا تجربةً سريريةً أظهرت أن مضادات مستقبلات الهستامين كانت مفيدةً للغاية في علاج آلام البطن في نصف عدد المصابين بهذه المتلازمة، وهو ما يدعم هذه الفكرة.

وشدد على أنه يمكن أيضًا استخدام المركبات التي تضاد أو تعادل تأثير الأجسام المضادة من النوع IgE، وهي مركبات معروفة ويتم استخدامها بالفعل في علاج الربو، وختم كلامه: "باختصار، يمكنني القول بكل ثقة إننا بدأنا فصلًا جديدًا في فهم متلازمة القولون العصبي وعلاجها".