تتعرض الكائنات الحية كلها لهجوم من كائنات أخرى قد تسبب لها الأمراض، وحتى البكتيريا التي تصيب بعض أنواعها الإنسان بالأمراض قد تصاب هي نفسها بنوع من الفيروسات يسمى البكتريوفاج. لكن كل هذه الكائنات -متضمنةً البكتيريا- لديها أنظمة للمقاومة والدفاع والحماية، تتعدد وتتعقد كلما زاد تعقيد جسم الكائن الحي نفسه.

في الكائنات متعددة الخلايا، تتخصص مجموعة من الخلايا والأنسجة لأداء هذه المهمة، لتكوِّن ما يُعرف بجهاز المناعة. وداخل الجسم البشري، تتفاعل هذه الخلايا والأنسجة معًا في تناغم مثير للدهشة والإعجاب، لتساعد على بقاء الجسم البشري في مواجهة الأخطار المحيطة.

تطبيقات تاريخية

عبر التاريخ، تطور فهم البشرية للمناعة، وهو الفهم الذي انعكس في صورة إنتاج تطبيقات طبية غيَّر بعضها تاريخ البشرية. فمن إنتاج التطعيمات لمنع حدوث الأمراض البكتيرية والفيروسية القاتلة، إلى استخدام "الجلوبولين المناعي" في عديد من الأمراض المناعية والعصبية وأمراض الدم. ومن ذلك استخدام الخلايا المناعية التائية في علاج أورام الدم من خلال ما يُعرف بـعلاج المستقبلات الخيمرية للخلايا التائية (CAR)، وهو نوع من العلاج معروف أيضًا بعلاج الخلايا التائية المناعي، ويعتمد على إحداث تعديل جيني في الخلايا التائية؛ بهدف تنشيط الجهاز المناعي للتعرف على سرطانات معينة وتدميرها، هذا بالإضافة إلى تطبيقات أخرى في مجال العلاج المناعي لأنواع سرطانية مختلفة.

ويبدو أننا على موعد مع فك مزيد من طلاسم هذا الجهاز المعقد وطرق عمله وكيف يمكن لأجزائه المختلفة أن تتفاعل معًا، وفق دراسة نشرتها مجلة "نيتشر إمينولوجي" Nature Immunology، كشفت نتائجها النقاب عن طريقة عمل نوع من الخلايا المناعية التائية تُعرف بـالخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT)، وتقوم بدورها المناعي عبر اكتشاف الخلايا المُصابة بالعدوى.

الخلايا المناعية

هناك نوعان رئيسيان من الخلايا المناعية التي تُسهِم في المناعة المكتسبة، (وهي المناعة المتخصصة التي يتم اكتسابها أو تعلُّمها حين يواجه الجسم أحد المعتدين الخارجيين). هذان النوعان هما الخلايا البائية المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة، والخلايا التائية المسؤولة عن تنظيم عملية المناعة وقتل المعتدين.

وبدورها، تُمثّل الخلايا التائيّة T-cells بمختلِف أنواعها لاعبًا أساسيًّا في الجهاز المناعي، عبر تقديم الحماية اللازمة للجسم البشري ضد الإصابة بالعدوى. تقول هالة جبر -أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية وأمراض الدم بكلية الطب بجامعة القاهرة، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تُعد الخلايا المعروفة باسم MAIT نوعًا غير معتاد من الخلايا التائية تم التعرف عليها حديثًا، وتَبيَّن أن لها دورًا في درء العدوى وفي العديد من الأمراض، وتبدو وظيفة هذه الخلايا أقرب إلى وظيفة خلايا المناعة الطبيعية (وهي الآليات التي يستخدمها الجسم بشكل فوري وبصورة غير متخصصة عند مواجهة أي خصم). لذلك فهي مختلفة عما اعتدنا معرفته عن الخلايا التائية.

وبوجه عام تتعرف أغلب الخلايا التائية على المستضدات (وهي أجزاء بروتينية من الخلايا الغريبة يتعرف عليها الجسم ليكوِّن ضدها وسائل دفاعية) من خلال ارتباط هذه المستضدات بمستقبلات تسمى معقد التوافق النسيجي الرئيسي MHC، توجَد على سطح الخلايا المسماة بالخلايا المقدمة للمستضدات.

وتتميز جزيئات MHC بتمايُزها واختلافها بين البشر، وبالتالي تتباين مستقبلات الخلايا التائية كذلك. لكن هناك أنواعًا من الخلايا التائية غير المعتادة (منها خلايا MAIT ) تتعرف على المستضدات غير البروتينية عن طريق ارتباطها بجزيئات أحادية الشكل تسمى MR1، وبالتالي لا يوجد تنوع كبير في مستقبلات الخلايا التائية التي تتعرف علي هذه الجزيئات. وتوجد خلايا MAIT في أماكن حدوث العدوى داخل الجسم، لتتعرف على البكتيريا والفطريات من خلال مركبات فيتامين "ب" التي تنتجها هذه الكائنات وتهاجمها.

عملية معقدة

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فإذا تعرفت جزيئاتMR1 على مركَّب من مركبات فيتامين "ب2" (الريبوفلافين)، فإن ذلك يؤدي إلى تنشيط خلايا MAIT. وفي المقابل إذا ارتبطت هذه الجزيئات بأحد منتجات فيتامين "ب9" (حمض الفوليك)، فإن الخلايا تتعامل كأنها لا ترى ولا تفعل شيئًا. وهذه الملحوظة أثارت تساؤلات الباحثين، ليسعوا إلى فهم الإشارات التي تتلقاها هذه الخلايا ليتم تنشيطها حتى تقاوم الميكروبات. البحث الجديد -الذي أجراه فريق من الباحثين من عدة جامعات أسترالية- ألقى الضوء على الآليات الجزيئية التي يتم بها تنشيط هذا النوع من الخلايا، وكيف يمكن استخدام هذا الفهم في التطبيقات العلاجية.

يقول "وائل عوض" -المدرس بكلية العلوم في جامعة القاهرة، والذي يعمل حاليًّا بجامعة "موناش" الأسترالية، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": لا يستطيع الجسم البشري إنتاج فيتامين "ب" بنفسه، بعكس الميكروبات. لذلك يعتبر وجود المكونات التي تُستخدم لبناء فيتامين "ب" داخل الجسم دليلًا على وجود أحد هذه الميكروبات. وباستخدام تقنيات التصوير المتقدمة، استطعنا التعرف على الآليات الجزيئية التي توضح كيف يتعرف جزيء MR1 على الجزيئات الصغيرة التي تنتج من الميكروبات ويقدمها للمستقبلات الموجودة على سطح خلايا MAIT.

من أجل تحديد أي الجزيئات يمكنها تنشيط هذه الخلايا بشكل أفضل، قام الباحثون بتصنيع 20 مركبًا تشبه في تركيبها تركيب منتجات التمثيل الغذائي للريبوفلافين، المعروفة بكونها تتسبب في تنشيط خلايا MAIT. ومن خلال استخدام تقنيات خاصة، عملوا على تقييم قدرة هذه المركبات على الارتباط بجزيئات MR1 وتنشيط الخلايا، لفهم التفاعلات الجزيئية بين خلايا MAIT من جانب، وجزيئات MR1 المرتبطة بمشتقات فيتامين "ب" من جانب آخر. ومن المعروف أن العديد من الفيتامينات تؤدي دورًا محوريًّا في وظائف الجهاز المناعي، هذا بالإضافة إلى وظائفها الحيويّة في عمليّات التطوّر والنمو والأيض.

دعم المناعة الطبيعية

يضيف "عوض" أن "خلايا MAIT تمثل النوع الأكثر شيوعًا من الخلايا التائية التي تؤدي وظائف في دعم المناعة الطبيعية. لذا فهي تمثل خط الدفاع الأول ضد العديد من الميكروبات. وهذه الخلايا التي توجد بشكل خاص في الكبد (بنسبة 50 بالمئة)، والرئة (بنسبة 10 بالمئة) ترتبط بالعديد من الأمراض".

لكن خلايا MAIT لا تؤدي دور الرجل الطيب دومًا، فقد تؤدي دورًا سلبيًّا ومدمرًا في بعض الأمراض، كالسرطان وحالات العدوى المزمنة وأمراض المناعة الذاتية؛ إذ تشير دراسة نشرتها مجلة كانسر ديسكفري في ديسمبر الماضي إلى أن خلايا MAIT تؤدي أحيانًا دور الرجل الشرير، إذ تساعد على بداية الأورام ونموها وانتشارها.

يقول "عوض": يتم هذا من خلال تثبيط عمل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية (وهما نوعان مهمان من الخلايا المناعية التي تقاوم نمو الأورام)، وهو ما يحدث من خلال جزيئات MR1 والإنترلوكين 17A.

وتابع: في هذا البحث تمكنَّا من اكتشاف شبكة نانوية من الارتباطات، وأطلقنا عليها "ثلاثية تفاعلات خلايا MAIT". هذه الشبكة تتحكم في التفاعلات التي تجري بين جزيئات MR1 ومركبات فيتامين "ب" والمستقبلات الموجودة على سطح خلاياMAIT . وهذا الفهم يمهد الطريق لنوع جديد من العلاج المناعي، وذلك من خلال إنتاج مركبات يمكنها أن تحفز عمل هذه الخلايا أو تثبطه، وبالتالي تؤثر في وظيفتها سلبًا أو إيجابًا وفق الدور الذي تؤديه هذه الخلايا في المرض. وتعلق "جبر" قائلة: خلايا MAIT قد تكون أيضًا هدفًا للعلاج المناعي خلال السنوات القادمة، وهو ما يعكس أهمية هذه الدراسة.