خلال القرن الماضي خطت البشرية خطواتٍ كبيرةً نحو القضاء على العديد من الأمراض المُعدية أو وضعها تحت السيطرة، وبعد الانتصار على العديد من مسببات هذه الأمراض من خلال برامج التطعيم، تبقَّى الصراع مع الأمراض غير المعدية، التي تتسبب هي الأخرى في خسائر بشرية ومادية كبيرة، ومن بين هذه الأمراض يطل "الربو" برأسه، باعتباره أحد هذه الأمراض التي تصيب الأطفال والكبار على حدٍّ سواء.

ووفق بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية، فإن "التهاب المسالك الهوائية الصغيرة في الرئتين وضيقها يؤدي إلى ظهور أعراض الربو التي قد تجمع بين السعال والأزيز وضيق التنفس وضيق الصدر، أو اثنين فأكثر من هذه الأعراض، وبلغ عدد المصابين بالمرض في عام 2019 نحو 262 مليون شخص، أما عدد الوفيات الناتجة عن المرض فيقدر بـ461 ألف شخص حول العالم.

إعادة تشكيل مجرى الهواء

لا يحدث الربو بسبب حدوث التهابات في مجرى الهواء فقط، بل يرتبط أيضًا بحدوث ما يُعرف بـ"إعادة تشكيل مجرى الهواء"، ويُقصد بذلك حدوث تغيرات هيكلية في تركيب هذا المجرى وبنية مكوناته، وتحديدًا في الشعب الهوائية مع استمرار الالتهاب أو حدوث نوبات متكررة.

توضح أسماء علي -استشاري أمراض الصدر بالمستشفى الجوي التخصصي- في تصريحات لـ"للعلم" أن "عملية إعادة تشكيل مجرى الهواء تتم نتيجة حدوث تغيرات في تركيب مجرى الهواء (أعضاء الجهاز التنفسي) لدى مرضى الربو مقارنةً بالأصحاء بسبب التغيُّرات التي تطرأ على الخلايا والمكونات المحيطة بها، من جرَّاء التعرُّض المستمر للمؤثرات البيئية التي تسبب الربو؛ إذ تتكاثر خلايا العضلات الملساء وتنشط الخلايا المسببة لحدوث تليف في هذه الأعضاء".

ويتسبب الربو في تضخم عضلات مجرى الهواء وحدوث تليف في النسيج المحيط بتلك العضلات؛ إذ تتكاثر العضلات اللاإرادية لأعضاء الجهاز التنفسي، وتفرز العديد من السيتوكينات (وهي مواد كيميائية تؤثر على وظائف الخلايا الأخرى)، ما يؤدي إلى تفاقُم المرض، ويؤدي الكالسيوم وقنواته -بوجه خاص- دورًا مهمًّا في هذه التغيرات؛ إذ يؤثر على انقباض العضلات وتكاثرها والتمثيل الغذائي الخاص بها.

وتحدث تلك التغيرات في المرضى المصابين بأعراض بسيطة وشديدة على حدٍّ سواء، ولحسن الحظ، تنجح الأدوية المستخدمة لعلاج الربو في التحكم في الأعراض في كثير من الأحيان، لكن العديد من المرضى يعانون من مقاومة المرض لتأثير هذه الأدوية، ما يؤدي إلى ضعف وظائف الرئة لديهم، وتتطلب هذه المضاعفات السعي لفهم الربو بشكل أفضل، من أجل الوصول إلى أهداف جديدة يمكن استهدافها لعلاجه.

جزيء التفاعل اللحمي 1

وفي سياق المحاولات العلمية التي لا تنتهي لفهم الربو على نحوٍ أفضل، أجرى فريق من الباحثين في كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا دراسة نشرتها دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS)، استهدفت فهم المزيد عن إعادة تشكيل مجرى الهواء من خلال فهم وظيفة ما يُعرف بـ"جزيء التفاعل اللحمي 1" (STIM1)، وهو الجزيء الذي يؤدي دورًا مهمًّا في خروج الكالسيوم من مخازنه ودخوله إلى الخلايا، ويعمل هذا الجزيء باعتباره مستشعرًا للكالسيوم في الشبكة الإندوبلازمية؛ حيث ينشِّط قنوات أيون الكالسيوم.

درس الباحثون وظيفة "جزيء التفاعل اللحمي 1" باستخدام التمثيل الغذائي وإزالة الجينات في الفئران المصابة بالمرض وتقنيات دراسة التعبير الجيني التي تستهدف دراسة جميع جزيئات الحمض النووي الريبوزي في الخلية، وهي الجزيئات التي تحمل الشفرة اللازمة لصناعة البروتينات، وتفيد هذه التقنية في فهم وظائف الجينات في أنواع الخلايا المختلفة، وهو ما قد يساعد على فهم حدوث العديد من الأمراض.

وأظهرت النتائج أن هذا الجزيء يؤدي دورًا محوريًّا في إعادة تشكُّل مجرى الهواء من خلال التحكم في مستوى الكالسيوم داخل العضلات الموجودة في مجرى الهواء، ما يتسبب في حدوث تغيُّرات فيها، وإفرازها للسيتوكينات التي تشمل بروتين إنترلوكين-6 المعروف بدوره في حدوث الالتهابات.

تقنيات متنوعة

يوضح مارتن تي جونسون -الباحث بقسم علم وظائف الأعضاء الخلوي والجزيئي بمعمل البروفيسور محمد طريبق بكلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا، والباحث الأول في الدراسة- أن "جزيء التفاعل اللحمي 1" يستشعر مستوى الكالسيوم، وبالتالي يؤثر على حركته من خارج الخلية إلى داخلها عند حدوث نقص للكالسيوم داخل الشبكة الإندوبلازمية.

يوضح "جونسون" في تصريحات لـ"للعلم": تمثل الشبكة الإندوبلازمية مجموعةً من الأغشية الموجودة داخل الخلية يتحرك من خلالها العديد من البروتينات والجزيئات، كما تمثل أيضًا مخزنًا للكالسيوم؛ فحين ينفد الكالسيوم، تستشعر الخلية ذلك من خلال "جزيء التفاعل اللحمي 1"، لتعمل على خروج الكالسيوم من مخازنه ودخوله إلى خلايا العضلات.

يضيف: درسنا هذا الجزيء باستخدام عدة تقنيات داخل الجسم وخارجه؛ ففيما يتعلق بما تم خارج الجسم، قمنا بإزالة الجين الخاص بإنتاج الجزيء في خلايا الفئران، ثم عرضناها للعديد من العوامل البيئية التي تتسبب في حدوث الربو؛ لتمثيل دور البيئة في حدوث المرض، وبالتالي دراسة إعادة تشكيل مجرى الهواء في عضلات الرئة لدى هذه النماذج، خاصةً عند حدوث تغيرات في مستوى الكالسيوم.

وبالنسبة لما تم خارج الجسم، درس الباحثون خلايا بشريةً من العضلات الملساء للممرات الهوائية؛ إذ قاموا بإزالة الجين المسؤول عن تكوين "جزيء التفاعل اللحمي1" من أجل فهم دوره في إعادة تشكيل مجرى الهواء والمسارات الجزيئية التي يؤثر عليها باستخدام تقنيات متقدمة شملت قراءة حروف الحمض النووي الريبوزي، والمجهر الإلكتروني، ودراسة التمثيل الغذائي وغيرها.

وأظهرت النتائج أن مستوى "جزيء التفاعل اللحمي 1" يرتفع في خلايا العضلات الملساء غير الإرادية في مجرى الهواء في الفئران التي أصيبت بالربو؛ إذ يؤدي دورًا أساسيًّا في إعادة تشكيل مجرى الهواء من خلال تسبُّبه في تكاثر خلايا العضلات وإفرازها للسيتوكينات وزيادة مستوى التمثيل الغذائي فيها.

يقول "جونسون": أدى دخول الكالسيوم إلى خلايا العضلات، من خلال تأثير هذا الجزيء، إلى تنشيط عامل يسمى العامل النووي للخلايا التائية المنشطة، وساعد هذا العامل في إفراز بروتين إنترلوكين-6 والعديد من عوامل النمو والبروتينات المرتبطة بحدوث الربو، وإجمالًا، يمكنني القول بأن هذا البحث يشير بوضوح إلى دور "جزيء التفاعل اللحمي 1" في حدوث الربو، وبالتالي إمكانية استهدافه لعلاجه.

بروتين إنترلوكين-6

يرتبط بروتين إنترلوكين-6 بزيادة حدة مرض الربو، وهو ما أثبتته دراسة سابقة نشرتها "المجلة الأمريكية لطب الجهاز التنفسي والرعاية الحرجة"، إذ تابع الباحثون 406 من المرضى بالربو على مدى ثلاث سنوات للتعرف على الدلالات المرتبطة باحتمالات تفاقم الربو، وتبين أن كل زيادة قدرها 1 بيكوجرام/ميكرولتر من بروتين إنترلوكين-6 ارتبطت بزيادة بلغت 10% في احتمالات حدوث تفاقُم الحالات، وهو ما يدل على إمكانية استخدامه كدلالة لتوقع تفاقم المرض.

نقلة نوعية

ترى ريم القرشي -أستاذ الأمراض الصدرية بكلية الطب في جامعة القاهرة- أن "البحث يمثل نقلةً نوعيةً في فهمنا لمرض الربو؛ إذ يلقي الضوء بشكل مختلف على آلية حدوثه".

وبدورها، ترى أن "الدراسة مثيرة للاهتمام؛ لأنها تربط بين تركيب العضلات المكونة لمجرى الهواء في مرض الربو ووظيفتها، وتوضح الآليات الجزيئية للتغيرات التي تحدث بها مع حدوث المرض".

تقول "علي" في تصريحات لـ"للعلم": الميزة الرئيسية في هذا البحث هي شرحه لعملية إعادة تشكيل مجرى الهواء والتحول الذي يحدث في العضلات المكونة للمجرى مع تطور المرض من الحالة الطبيعية إلى الحالة المرضية،

ويعلق "جونسون" قائلًا: معظم الأبحاث السابقة ركزت على دور الخلايا المسببة للالتهابات في حدوث الربو، ونتائجنا تؤكد أن إعادة تشكيل مجرى الهواء وزيادة كتلة العضلات الملساء يؤديان دورًا أساسيًّا في حدوث الربو وزيادة حدة المرض، وفي أثناء هذه العملية تتغير طبيعة خلايا العضلات؛ إذ تتكاثر هذه الخلايا وتهاجر من مكانها وتفرز موادَّ تزيد حدة المرض، وترتبط تغيُّرات النمط الظاهري هذه بتغيرات في المستقبِلات الموجودة على سطح الخلايا، وكذلك في مسارات الإشارات التي تتم من خلال الكالسيوم داخل الخلية.

ويتابع: تؤكد الدراسة دور "جزيء التفاعل اللحمي 1" في تغيرات العضلات الملساء غير الإرادية، وكان قد ثبت دوره في أمراض أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم.

نتائج مشابهة

ما ذكره جونسون عن دور "جزيء التفاعل اللحمي 1" في ارتفاع ضغط الدم أكدته دراسة نُشرت عام 2016؛ إذ استخدم الباحثون تقنية مماثلة لتلك المستخدمة في بحث "جونسون" وفريقه، وأحدثوا ارتفاعًا اصطناعيًّا في ضغط الدم في الفئران، الأمر الذي ارتبط بحدوث ارتفاع في التعبير الجيني الخاص بهذا الجزيء في القلب والأوعية الدموية، وبعدها أزالوا الجين الخاص بهذا الجزيء، ما أدى إلى منع حدوث ارتفاع ضغط الدم ومضاعفاته كتضخم عضلة القلب، واستنتج الباحثون أن هذا الجزيء يؤدي دورًا مهمًّا في حدوث تغيرات القلب والأوعية الدموية في حالات ارتفاع ضغط الدم، وبالتالي يمكن استهدافه في هذه الحالات.

تقول "القرشي" في تصريحات لـ"للعلم": نتائج هذا البحث قد تحمل في طياتها أملًا جديدًا لإيجاد علاج فعال يوقف هذه التغيرات التي تؤدي إلى الإصابة بالربو أو عكسها من خلال استهداف بروتين "جزيء التفاعل اللحمي 1"، خاصةً أن هذا الجزيء يؤدي أيضًا دورًا في حدوث عملية الالتهاب كما سبقت الإشارة، واستكمال هذا المسار البحثي ربما يكون بادرةً لتصنيع علاج جديد للربو.

الحذر واجب

لكن "القرشي" تشدد –في الوقت ذاته- على أن هناك نقطتين يجب الالتفات إليهما: "علينا أن نكون حذرين في استهداف هذه المسارات، وأن ندرس أيضًا الجوانب السلبية لاستهداف هذا الجزيء، وما قد يترتب عليه من حدوث تأثير على التمثيل الغذائي للكالسيوم والحركة الخاصة به داخل الخلايا، أما النقطة الثانية فتتمثل في أن الربو له عدة أنماط ظاهرية، ومن الجائز أن يمثل هذا المسار أحد الأنماط فقط وليس كل الأنماط الظاهرية، لذا يستحق الأمر مزيدًا من الدراسة بإجراء تجارب سريرية تستهدف هذا الجزيء أو الطريقة التي يعمل بها".

بدورها، ترى "علي" أنه "بالرغم من الفائدة التي تقدمها الدراسة في فهم المرض، إلا أنه ينبغي إثبات نتائجها على أرض الواقع من خلال الدراسات الإكلينيكية، فقد تظهر عوامل أخرى تؤثر على النتائج، لذا ننتظر التجارب السريرية التي نأمل أن تفتح الباب أمام علاجات موجهة جديدة في مواجهة هذا المرض".

استهداف المسارات

يعلق "جونسون" قائلًا: في الماضي كانت الأدوية التي تقلل مستوى الكالسيوم أو تغلق قنواته تُستخدم في علاج الربو، لكن النتائج كانت مخيبةً للآمال، وقد يكون السبب أن تلك الأدوية كانت تستهدف المسارات الخطأ، ونعتقد أن نتائجنا تمهد لتصحيح استهداف هذه المسارات؛ إذ يمكن استهداف "جزيء التفاعل اللحمي 1" وتثبيطه، وهو ما يمكن أن يمنع إعادة تشكيل مجرى الهواء واستجابة العضلات الزائدة للمحفزات الخارجية.

ويتابع: لحسن الحظ أن هناك العديد من الأدوية التي تعمل بالفعل على تثبيط عملية دخول الكالسيوم من المخازن إلى الخلايا، ونتائجنا تشير إلى إمكانية استخدامها في تجارب سريرية لعلاج الربو، وهو ما يمكن أن يُعد فتحًا جديدًا في علاج هذا المرض.