من غير المعروف حتى الآن بشكل جازم ما هي الأسباب المؤدية إلى الإصابة بداء ألزهايمر، يعتقد العلماء أن هناك طائفةً من العوامل الجينية والعوامل البيئية التي تتداخل معًا بالإضافة إلى نمط الحياة في وضع بذرة هذا الداء المستشري، وأن تقدم العمر أحد عوامل الخطر الأساسية في الإصابة، ولأن أسباب هذا الداء ظلت غير مفهومة تمامًا للعلماء، فإن الانتشار الواسع لألزهايمر يُعد الوجه الآخر لحقيقة أنه إلى يومنا هذا لا علاجَ نهائيَّ لهذا الاضطراب العقلي التدريجي المؤدي إلى تلف خلايا الدماغ وموتها.

وبالرغم من أن الأدوية الحالية تساعد المرضى على إبطاء مسار إصاباتهم، والتحسين من الأعراض مؤقتًا، فإن استباق الإصابة به والتنبؤ يحمل على الدوام آمالًا عريضةً كالتي حملتها دراسة حديثة لجامعة كنتاكي، توصلت نتائجها إلى طريقة جديدة للتنبؤ بخطر الإصابة بالمرض قبل التشخيص السريري بخمس سنوات.

تأتي هذه النتيجة بعد تتبُّع لمدة عشر سنوات كاملة لعينة من المتطوعين قوامها 33 من كبار السن الأصحاء في عمر 75 عامًا في المتوسط، تقول يانج جيانج -المؤلفة الرئيسية المختصة بعلم الأعصاب السلوكي في مركز ساندرز براون للشيخوخة التابع لجامعة كنتاكي- في تصريحات لـ"للعلم" إن فريقها وجد لدى المشاركين "نمطًا معينًا من الموجات الدماغية على مستوى المنطقة الأمامية اليسرى من الدماغ، يرتبط بالقصور المعرفي (ضعف الإدراك) يُمَكّن عند رصده ومراقبته، في أثناء مهمة التذكّر اليومية، من التنبؤ باحتمال إصابة الشخص بالتدهور المعرفي قبل قرابة خمس سنوات من التشخيص السريري".

يجدر الذكر أنه لم يُلحَظ هذا النمط لدى كبار السن الذين ظلوا طبيعيين معرفيًّا خلال السنوات العشر التالية، وتتيح القدرة على اكتشاف الخرَف المتصل بداء ألزهايمر في مرحلة مبكرة لدى كبار السن المعرضين لمخاطر عالية للإصابة وقتًا ثمينًا لتعديل عوامل الخطر المتعلقة بنمط الحياة، والعلاج المبكر لتأخير أو منع الظهور السريري للمرض.

تحدي الذاكرة
اعتمدت الدراسة التي نُشرت شهر فبراير الجاري، في جورنال أوف ألزهايمرز ديزيز Journal of Alzheimer’s Disease على المؤشرات الحيوية المباشرة لتوقيعات الدماغ brain signatures في أثناء النشاط العقلي خارج فترات الراحة والنوم، في المرحلة قبل السريرية، على أساس أنها أكثر دقةً من الاختبارات النفسية العصبية التقليدية في تحديد التغيرات العصبية والمعرفية، وتمنح إمكانيات أفضل للتنبؤ بالخرف؛ لكونها تتم في أثناء مواجهة الدماغ تحديًا خلال مهمةٍ ذهنيةٍ ما.

والمؤشرات الحيوية أو البيولوجية (biomarkers) التي استأثرت في الآونة الأخيرة باهتمام العلماء، هي جزيئات في الجسم -أنواع معينة من البروتينات مثلًا- يمكن قياسها من الدم أو سوائل الجسم أو عبر الأنسجة لتقييم الحالة الصحية أو الاستدلال على وجود مرضٍ ما، وتعمل كمؤشرات موثوقة عن المرض قبل ظهوره السريري، ما يتيح التدخل المبكر والحصول على نتائج علاجية أفضل.

استخدم باحثو الدراسة، الذين يتبعون عدة مؤسسات بحثية دولية، المؤشرات الحيوية العصبية لقياس الذاكرة قصيرة المدى لتقييم الآليات العصبية الكامنة وراء الذاكرة العاملة البصرية والتعلُّم بالتكرار لدى مختلِف الفئات العمرية ممن يعانون القصور المعرفي البسيط (MCI) ومرضى ألزهايمر (AD) والخرَف المرتبط به (aMCI).

استغرقت مهمة التذكر الذهنية مدة 18 دقيقة تقريبًا، شاهد خلالها المشاركون سلسلةً من الصور، وطُلب منهم تذكُّر صورةٍ ما والضغط على زر إن تطابقت مع صور معروضة عليهم لاحقًا، بينما كان الباحثون يسجلون في تلك الأثناء إشارات تخطيط الدماغ الكهربي (EEG) وأداء الذاكرة لدى المشاركين.

وضع الباحثون مقاييس فردية فيما يتعلق بالإشارات الكهروفسيولوجية للدماغ خلال نشاط الذاكرة العاملة المسؤولة عن التخزين المؤقت للمعلومات النشطة القابلة للاستخدام الفوري عبر مَلَكة المعرفة (الإدراك)، بحيث أمكن تمييز المرضى المصابين بالقصور المعرفي البسيط عن غيرهم الأكبر عمرًا ممن يتطابق سنهم مع مستوى إدراكهم، إضافةً إلى قيامهم بتحليل المؤشرات العصبية الأساسية الفردية، وكذلك الحالة المعرفية السنوية والتغيرات التي تطرأ على المدى الطويل في نتائج التذكّر لعشر سنوات.

توضح جيانج: "كان أمامنا فرقٌ أظهر أن أولئك الذين لم يكن لديهم نمط دماغي شديد الخطورة لم تتأثر لديهم ملكة الإدراك".

لقد أظهرت نتائج الاختبارات أن أنماط الموجات الدماغية الفردية للذاكرة لدى كبار السن العاديين تتنبأ ​​قبل خمس سنوات في المتوسط بالقصور المعرفي المرتبط بالخرَف وبالتطور اللاحق لمرض ألزهايمر.
ووفق الدراسة، تُعد هذه الأداة أكثر دقةً وحساسيةً للتغيرات العصبية والمعرفية من الاختبارات التقليدية، كما أنها قابلة للاستخدام بشكل متكرر وعلى مدى طويل باعتبارها أداةً فرديةً لتقييم مخاطر الاختلال المعرفي البسيط قبل التشخيص السريري.

وعلقت "جيانج" بقولها: إن التنبؤ المبكر الدقيق باستخدام المؤشرات العصبية الدقيقة وغير الجراحية والموثوقة وغير المكلفة أيضًا يُعد "أمرًا أساسيًّا" للوقاية من خطر الإصابة بالقصور المعرفي البسيط المرتبط بالخرف؛ لأنه "يتيح الوقت للتدخل من أجل تأخير تقدم التدهور المعرفي لدى كبار السن"، ومن الجيد العلم بأنه ليس كل شخص يتم تشخيص إصابته بالخرف المبكر سيطور بالضرورة الخرف السريري المرتبط بألزهايمر، وفق نتائج إحدى الدراسات الحديثة التي أشار إليها فريق "جيانج"؛ فالتحكم المكثف في ضغط الدم الانقباضي لدى المسنين المصابين بارتفاع ضغط الدم يمكن أن يؤدي إلى تأخير تطور الاختلال المعرفي البسيط إلى مرحلة الخرَف.

موجة المستقبل
يزحف هذا الداء على نطاق واسع وسريع وفق إحصائيات مؤسسة داء ألزهايمر الدولية، حتى إنه على رأس كل ثلاث ثوانٍ يصاب شخصٌ واحد بألزهايمر في مكانٍ ما بالعالم، بحيث فاقت الإصابة خمسين مليون شخص في العام الماضي، ومعظم الزيادة يحدث في البلدان النامية، كما أنه غير مستبعد أن تتضاعف الأعداد كل عشرين عامًا، بحيث يُرجح أن يبلغ عدد المصابين 82 مليونًا في عام 2030 وحوالي 152 مليونًا في عام 2050!
لقد مرّ أكثر من قرن من الزمن على تسجيل أول حالة لمريض بداء ألزهايمر في عام 1906 على يد الطبيب الألماني ألويسيوس ألزهايمر المختص بالأمراض العصبية والنفسية، لكن الداء الذي يصيب الدماغ باضطرابات مختلفة تؤثر على عمل الذاكرة والتفكير والسلوك والعاطفة وتُجهل أسبابه تقريبًا لم يختفِ، ومعدل الإصابة به في ارتفاع، ومتى أصيب شخصٌ بالقصور المعرفي البسيط، كان على عتبة مرحلة حساسة متدرجة بين التدهور المعرفي المتوقع لسن الشيخوخة الطبيعية والاختلال المحفوف بمخاطر الخَرَف التي تعتري المُسنّ وتخلق لديه طائفة من المشكلات على مستوى الذاكرة أو التفكير أو إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات أو استخدام اللغة اليومية، "لا يجب أن ننتظر حتى يتعطل "الكمبيوتر" تمامًا لكي نُجري التشخيصات الروتينية"، يحذر البروفيسور جريجوري جيشا، المختص بعلم الأعصاب في جامعة كينتاكي من مغبة إهمال الانتباه للتغيرات السلوكية المبكرة لدى المرشحين للإصابة بالخرف، ثم يستطرد مُطَمْئِنًا إياهم: "يمكن استخدام الوسيلة التي طورناها بسهولة وبشكل عملي عبر مجموعة واسعة من أنظمة الرعاية الصحية وأنواع الاستخدامات للكشف المبكر عن المرض قبل الإصابة بالخرف بوقت طويل".

لقد أحرزت الطرق الحالية المستخدمة كمؤشرات حيوية للتشخيص المبكر للخرف تقدمًا ملحوظًا ومفيدًا للغاية، مثل التصوير العصبي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني وتحليل السائل النخاعي للدماغ أو البلازما، ولكنها معقدة وجراحية/ مبضعية ومكلفة، كما أنها ليست متوافرة على نطاق واسع، فضلًا عن أن الإشعاعات القوية الصادرة من بعضها غير مرغوب فيها، لا سيما لدى الأصحاء الذين يعانون من القصور المعرفي البسيط، وهذا ما وجَّه الدراسة نحو تقنية تخطيط الدماغ الكهربي "الأكثر ملاءمةً" لكبار السن الأصحاء وغير المصابين من الناحية المعرفية، وفق "جيشا"، وهو أيضًا أحد مؤلفي الدراسة: "إن الطرق السريعة والفعالة والقابلة للتطوير لقياس نشاط الدماغ التي تتجاوز اختبارات الذاكرة البسيطة هي موجة المستقبل لتوجيه عمليات التشخيص المبكر وعلاج الذاكرة والتدهور المعرفي لدى كبار السن"، وبأسلوب محرض واصل قائلًا: "الإنسان غير قابل لإعادة التشغيل، فهل نتعامل مع دماغنا بأقل ما يجب من الاحترام أو الاهتمام؟ لنجد المشكلة ونفعلْ شيئًا حيالها قبل أن تتعطل جميع أنظمتنا!".

تحفظات وآمال

في تعليقها على نتائج الدراسة، قالت رايان مور، أستاذ مساعد في الطب النفسي بكلية الطب بجامعة كاليفورنيا: إنها "مبشرة بالخير"؛ "فالحاجة ملحَّة" لتوفير أدوات كشف متيسّرة وغير جراحية وبأسعار معقولة لتسهيل التدخلات المبكرة، مستدلةً بتخطيط الدماغ الكهربي في أثناء أداء مهمات معرفية، والذي بات بالإمكان إجراؤه عن بُعد، "ما وسّع نطاق الاختبار إلى المجموعات الممثلة تمثيلًا ناقصًا، والتي غالبًا ما يتم استبعادها من البحث"، لكنها أبدت تريثًا إزاء الأدوات المستجدة، "فأي أداة يمكن أن تكشف عن المظاهر المبكرة للتدهور المعرفي تتطلب مزيدًا من التدقيق".

وتعتقد "مور" أنه "لا يجب استبعاد" أداة الاختبار العصبي النفسي "كأداة فحص موثوقة" لحالات القصور المعرفي البسيط، "فلئن استخدم المؤلفون معايير تشخيص عصبية نفسية مختلفة في البداية، فقد تستوفي المجموعة المصابة بالقصور المعرفي البسيط معايير 'الصعوبات المعرفية الدقيقة المحددة بشكل موضوعي' (Obj-SCD)، وهي بمنزلة إنذار مُحَقّق للقصور المعرفي البسيط".

وكانت نتائج الدراسة التي أشارت إليها "مور" قد أفادت بأن تراكُم بروتين الأميلويد حدث بشكل أسرع بين الأشخاص الذين يُعتقد أنهم يعانون من صعوبات معرفية دقيقة محددة بشكل موضوعي، مقارنةً بالأشخاص الذين يعتبرون طبيعيين من الناحية الإدراكية، مما يوفر مؤشرًا بيولوجيًّا محتملًا لمرض ألزهايمر.

لكن فريدريك شميت -المختص بالأعصاب والطب النفسي وعلم السلوك، وأحد أعضاء فريق البحث- نفى في تصريح لـ"للعلم" أن تكون الدراسة قد استغنت عن الاختبار العصبي النفسي، لأنه "الدليل الموضوعي لضعف الذاكرة، ولذلك يظل أحد مكونات تشخيص القصور المعرفي البسيط"، موضحًا أنه "تتم دراسة اختلالات الذاكرة المعرفية كمكونات لتشخيص القصور بعناية أكبر بوصفها عامل خطر للإصابة بالقصور المعرفي البسيط والخرف، علاوةً على ذلك، يجب ملاحظة أن "توقيعات" تخطيط الدماغ الكهربي تتأتى عن طريق اختبار الذاكرة".
على صعيد آخر، لفتت "مور" النظر إلى أمرين: الأول أن الأدلة العلمية أظهرت أن التغيرات الدماغية المرتبطة بمرض ألزهايمر قد تبدأ قبل عشرين عامًا أو أكثر من ظهور الأعراض، والثاني أن "حجم العينة المدروسة محدود، لكن النتائج مشجعة وتضمن التحقق منها في المستقبل"، وتشير الدراسة إلى أن "الصِّغَر النسبي" للعينة مثَّل فعلًا إحدى العقبات أمام الباحثين الذين أقروا بأن ذلك لا يسمح بتقدير دقيق للارتباطات التي وصفتها الدراسة، في الاتجاه ذاته، أكدت "جيانغ" لـ"للعلم": "نحن نعمل في الوقت الحالي على التحقق من صحة ما توصلنا إليه على نطاق واسع في مجموعات سكانية متنوعة"، وبينما اعتبرت "مور" أن جيانغ وزملاءها وجدوا "دليلًا أوليًّا" على 'المؤشرات العصبية الإدراكية للتنبؤ المبكر بالقصور المعرفي البسيط، تساءلت عما إذا كانت هذه "المؤشرات العصبية" قادرةً على تمييز حالات الإصابة المختلفة، ما يفيد في تمييز داء ألزهايمر عن أنواع الخرف الأخرى.

يجيب "شميت" عن سؤال "مور" قائلًا: "في اعتقادي أن توليفة مكونة من المؤشرات الحيوية والمؤشرات العصبية [كما في الدراسة] توفر على الأرجح تمييزًا أفضل للقصور المعرفي البسيط و'أنواع' الخرف في المستقبل، بما أن الدراسات تجمع بين هذه التقنيات".
وفي حين اعتبر أندي ليو -من قسم طب الأعصاب بكلية الطب بجامعة ديوك- أن الدراسة توفر "أداة إضافية" لتحديد ما إذا كان الشخص يعاني من صعوبات معرفية "بشكل غير جراحي وأكثر موضوعية"، فإنه عبَّر لـ"للعلم" عن تحفُّظه بشأن التخطيط الكهربي للدماغ المستخدم، بحيث "لم يكن مرتبطًا بتصوير مُحْكم أو بمؤشرات حيوية للسائل النخاعي الدماغي لمرض ألزهايمر".

ويعتقد "ليو" أنه "لو ربط الباحثون التخطيط الكهربي للدماغ بهذه المؤشرات الحيوية، وبتصنيف مراحل درجة المرض المختلفة متى ما كان متاحًا تشريح الدماغ بعد الوفاة، لكانت الدراسة معززة بشكل كبير".

وفي رأيه أن أداة الكشف عن الأمراض العصبية "ضرورية للغاية"، ليس للتجارب السريرية وحسب، بل أيضًا لمقدمي الرعاية الأولية (PCPs)، الذين يفحصون المرضى الذين يعانون من صعوبات معرفية، ويوضح "ليو"، العضو بمجلس المراجعة العلمية بمؤسسة اكتشاف أدوية ألزهايمر أن هؤلاء يكونون "في وضع مريح أكثر لدى طلب وتفسير فحص الدم للكشف عن الأمراض التنكسية العصبية التي تُجرى حاليًّا بدلًا من التخطيط الكهربي للدماغ القابل للتأويلات والذي يصعب عليهم تفسيره".

مما لا جدال فيه أن "استخدام أكثر من اختبار يؤدي إلى تحسين التنبؤ"، كما يؤكد "شميت"، قائلًا لـ"للعلم": "يمكنني بسهولة أن أتوقع استخدام تخطيط الدماغ الكهربي مقترنًا بفحوصات الدماغ والبلازما و/أو المؤشرات الحيوية لتحليل السَّائِل النخاعي للدماغ، مثل متغيرات بروتين تاو ونسب الأميلويد، كأدوات مستقبلية للتشخيص"، ومن جهتها، عبرت "جيانج" المؤلفة الرئيسية للدراسة عن أملها في أن يتمكن الناس "في المستقبل القريب من قياس سلامة الدماغ رقميًّا بسهولة قياس ضغط الدم عندما يتوجهون إلى عيادة طبيبهم لإجراء الكشف السنوي".