"لا أعرف ما الذي يمكن أن ينتظر العالم في حالة ظهور "البكتيريا الفائقة".. لكن حدوث وباء عالمي يقضي على البشرية بأكملها هو أسوأ ما يمكن أن يحدث بطبيعة الحال".

بتلك العبارة الصادمة، عبَّر توماس ستايتز -الحائز جائزة نوبل في الكيمياء عام 2009- عن مخاوفه تجاه تراجُع قدرة المضادات الحيوية على التصدي للبكتيريا المقاوِمة لها، ما جعله يركز أبحاثه حول تركيب الريبوسوم ووظائفه؛ من أجل تطوير مضادات حيوية جديدة، قادرة على إثبات فاعليتها في القضاء على كل السلالات البكتيرية المقاوِمة للمضادات الحيوية.

للعلم: منذ حصولك على جائزة نوبل عام 2009، ما آخر ما توصلت إليه في أبحاثك حول "الريبوسوم"؟

توماس ستايتز : استكملنا أبحاثنا حول الريبوسوم (مصنع تكوين البروتين في الخلية الحية)، وحصلنا على مزيد من الوقت لكي نفهم كيف يعمل وما العوامل المختلفة التي تتحكم في آلية عمله، ووجدنا أن الأمر أكثر تعقيدًا مما كنا نظن على مستوى العديد من التفاصيل. وأجرينا أيضًا أبحاثًا حول إنزيم بوليميراز الحمض النووي الريبي (RNA)، مما أعطانا بعض الأفكار الجديدة. كما أجرينا بعض الأبحاث عن الخطوات الأولى في عملية نسخ الحمض النووى (DNA)، إن هدفي الرئيسي هو محاولة فهم كل التفاصيل المتعلقة بالـ"دي إن إيه" وكيف يمكن تصنيع البروتين وتخليقه، إلا أننا لم نفهم الأمر فهمًا كاملًا بعد.

 

  • لماذا استغرق الأمر تلك الفترة الطويلة لفهم تركيب الريبوسوم ووظيفته؟

 

  • الأمر يعتمد على ما نقصده بالفهم تحديدًا، فنحن نعرف منذ وقت طويل أن الريبوسوم يتكون من وحدتين: إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، ونعرف دور ذلك في عملية تخليق البروتين. لكن إذا أردنا فهم تفاصيل تلك العملية بكل تعقيداتها من حيث دور مختلف الجزيئات في تخليق البروتين، وكيفية تنظيم تلك العملية بشكل كامل، فإن هذا يحتاج إلى وقت لفهمه.

 

  • من وجهة نظرك، هل تعتقد أننا بالفعل نفهم الريبوسوم حاليًّا؟ وما الذي لم نعرفه أو نكتشفه بعد بشأن الريبوسوم؟

 

  • أعتقد أننا نسير في الأمر على نحوٍ جيد، فبمقارنة ما لدينا الآن بما كنا نعرفه منذ 10 أعوام أو 15 عامًا مضت، أعتقد أننا أصبحنا أكثر فهمًا للريبوسوم وكيف يعمل. لكنني دومًا أسأل نفسي عما لا نعرفه عنه بعد. أعتقد أن الجزء الذي لم يُفهَم بشكل كامل هو ما يحدث في الوحدة الصغيرة من الريبوسوم، بالإضافة إلى العوامل المختلفة المؤثرة في المراحل الأولى من تخليق البروتين. وهذا ما نحاول دراسته وفهمه حاليًّا، إلا أننا لم نتوصل بعد إلى آلية حدوث ذلك الأمر بالتفصيل؛ إذ تواجهنا مشكلة تقنية تمنعنا من فهم العمليات الكيميائية المتضمنة في الأمر.

 

  • هل يمكن أن يساعد ما توصلت إليه في أبحاثك عن الريبوسوم في تطوير مضادات حيوية جديدة؟

 

  • يُعَد الريبوسوم هدفًا أساسيًّا للمضادات الحيوية، إذ إن قرابة 50% من المضادات الحيوية تستهدف الريبوسوم بالبكتيريا. لذا فإن فهم الريبوسوم يمثل فرصةً جيدةً لتطوير مضادات حيوية جديدة لم تكن معروفة أو موجودة من قبل. إن العديد من المضادات الحيوية الموجودة حاليًّا هي مجرد تعديلات للمضادات الحيوية القديمة التي جرى اكتشافها سابقًا. لكني أعتقد أن الجيل القادم من المضادات الحيوية سيكون مركَّبات دوائية مختلفة اختلافًا كاملًا عن المضادات الحيوية الحالية، وتستهدف الموقع النشط في الريبوسوم.

 

  • ما دور شركة الأدوية التي أسستها عام 2001 في مواجهة تحدي تطوير مضادات حيوية جديدة؟

 

  • الشركة التي أنشأتها عام 2001 عملت على تطوير عدة مركبات دوائية جديدة تعمل كمضادات حيوية. ووصل بعض تلك المضادات الحيوية الجديدة إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وبالفعل لدينا مضاد حيوي جديد قامت الشركة بتطويره يسمى (RX-04)، وهو الاسم التجريبي للدواء. المضادات الحيوية الجديدة التي تعمل الشركة على تصميمها تستهدف الموقع النشط في الريبوسوم الذي أصبحنا نعرفه جيدًا. لذا يمكن القول إن تلك المركبات تعمل على نحوٍ جيد للغاية، كما أنها يمكنها استهداف البكتيريا موجبة الغرام وسالبة الغرام بشكل فعال. (يشير مصطلح غرام إلى العالم الدنماركي الأصل هانس كريستيان غرام، الذي اكتشف ما عُرف بصبغة غرام عام 1880م).

 

  • مع تصاعُد مشكلة مقاومة المضادات الحيوية على مستوى العالم والخوف من ظهور الميكروبات الفائقة، هل تعتقد أنه في المستقبل القريب ستقوم المزيد من شركات الأدوية بالاستثمار في تطوير مضادات حيوية جديدة؟

 

  • من وجهة نظري، فإن العديد من شركات الأدوية تتراجع عن تطوير مضادات حيوية جديدة؛ لأنهم يعتقدون أنه لا يمكن تحقيق أرباح من ورائها. فالمضادات الحيوية تقوم بعلاج المرضى، وبمجرد اكتمال شفائهم فإنهم لن يشتروا الدواء مرة أخرى، خاصة وأن معظم المضادات الحيوية فعال ويؤدي وظيفته في غضون عدة أسابيع على الأكثر. كما أن تطوير مضاد حيوي جديد أمر يتكلف الكثيرَ من الأموال التي قد تصل إلى مليار دولار أمريكي لكل دواء جديد. لكن بطبيعة الحال يجب أن يكون هناك مَن يستثمر في تطوير مضادات حيوية جديدة، لذا أنشأت شركتي التي جمعت أموالًا من عدة مستثمرين، يأملون في الحصول على مقابل لما استثمروه من أموال. لذا أعتقد أن ردود أفعال الشركات ستختلف وفقًا لاحتياجاتهم، إذ قد ترى بعض الشركات أن السوق في حاجة إلى تطوير مضادات حيوية جديدة وستعمل على ذلك، وهناك بعض آخر يفعلون ذلك لأنهم يريدون فعل أمر صائب حيال تلك المشكلة.

 

  • إذا ظهرت الميكروبات الفائقة بالفعل، ما أسوأ سيناريو يمكن حدوثه؟

 

  •  لا أعلم! فحدوث وباء عالمي يقضي على البشرية بأكملها هو أسوأ ما يمكن أن يحدث بطبيعة الحال. لكن الحقيقة هي أن أعداد المضادات الحيوية التي يمكنها القضاء بفاعلية على السلالات المقاوِمة من البكتيريا تتناقص، وفي الوقت ذاته تتزايد السلالات البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية. وفي النهاية فإن البكتيريا تتطور باستمرار، وستكون دومًا قادرة على إيجاد طريقة للالتفاف حول الأمر ومقاومة المضادات الحيوية الجديدة مهما بلغ ذكاء تصميمها، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهنا.

 

  • من وجهة نظرك، ما دور العلماء في توعية المجتمع حول مشكلة مقاومة المضادات الحيوية؟

 

  • في البداية، يجب توضيح أهمية العلم وفائدته للمجتمع، إذ أعتقد أنه لا يدرك ما يمكن للعلم أن يقوم به، وما المشكلات التي يمكن له مجابهتها. أعتقد أن بعض الناس يعرفون معلومات بسيطة عن المضادات الحيوية التي تقتل الميكروبات، لكنهم لا يفهمون ذلك بشكل واضح. لذا يجب على العلماء أن يجعلوا المجتمع يفهم على نحوٍ أفضل، فالتعليم مهم للغاية على جميع المستويات.