"الأدينوسين" إن لم تكن قد سمعت عنها من قبل، فهي مادة كيميائية تؤدي العديد من الوظائف الفسيولوجية المهمة لجسم الإنسان؛ فهي مسؤولة عن استرخاء الأوعية الدموية وتوسيعها، وتنظيم وظائف الدورة الدموية في عضلة القلب والشريان التاجي، كما تتحكم في الإشارات الكهربائية التي تنظم ضربات القلب عند تعرُّضها لأي خلل، ويمتد الأثر الفسيولوجي لمادة الأدينوسين إلى الجهاز العصبي والجهاز الهضمي وجهاز المناعة والرئتين والكلى والأعضاء التناسلية وخلايا الدم.

ونظرًا إلى أهمية تلك المادة الموجودة بشكل طبيعي في الخلايا البشرية، فكر الباحثون في إضافتها إلى الصمامات القلبية الاصطناعية، باستخدام مواد مسامية قادرة على تخزينها ومن ثم إفرازها إلى الجسم عند الحاجة، وفق نتائج دراسة أجراها فريق بحثي مشترك بين جامعة العلوم والتكنولوجيا بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار ومركز مجدي يعقوب للقلب بأسوان.

وتشير الدراسة التي نشرتها دورية "رويال سوسياتي أوف كيميستري" Royal Socity of Chemistry، إلى أن العلماء استهدفوا صناعة مادة يمكن إضافتها إلى صمامات القلب الصناعية من مواد متوافقة مع الأنسجة، بحيث يمكن زرعها داخل جسم المريض لمدة طويلة دون أن تؤدي إلى حدوث التهابات.

يقول محمد الكردي -أستاذ الكيمياء في جامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا ومدير مساعد بمركز علوم المواد، والمشرف العام على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": فكرنا في مادة طبيعية مضادة للالتهابات يمكن إضافتها إلى صمامات القلب الاصطناعية مستقبلًا، كنا نعلم أن الأدينوسين مضاد للالتهابات، لكن كان علينا استخدام مادة أخرى وسيطة يمكنها تحفيز خروج الأدينوسين ونقله إلى الجسم، لذلك استخدمنا تقنية الهياكل الفلزية العضوية، بحيث تساعد على تخزين الأدينوسين ومن ثم إمكانية إفرازه إلى الجسم لمدة طويلة تصل إلى تسعة أيام متتالية.

الهياكل الفلزية العضوية

الهياكل الفلزية العضوية (MOFs) هي أنظمة بلورية بالغة التعقيد، تتكون من شبكات ثنائية أو ثلاثية الأبعاد، تحتوي على جزيئات من المعادن تربط بينها مادة عضوية، وتتميز بوجود فراغات في بنائها الداخلي مثل الإسفنج، ما يمنحها قدرةً فائقةً على الامتصاص والتخزين، وبسبب بنائها الداخلي ومساميتها الكبيرة، أثبتت (MOFs) فاعليةً في تطبيقات عديدة، مثل تنقية المياه من الملوثات، وفصل الغازات وتخزينها، ومؤخرًا التوصيل الدوائي؛ إذ يمكنها أن تعمل كأوعية تخزين لجزيئات الدواء الصغيرة.

استخدم الباحثون الهياكل الفلزية العضوية لـ"الزنك" و"الزركونيوم" لدراسة مدى توافقها الحيوي مع خلايا جسم الإنسان، وما إذا كانت قابلةً للتحلل بعد انتهائها من أداء دورها في توصيل الأدينوسين أم لا، اختار الباحثون هذه الهياكل تحديدًا بناءً على أبحاث سابقة أثبتت قدرتهما على التوصيل الدوائي، وتوافقهما الحيوي داخل جسم الإنسان.

قارن الباحثون بين تأثير الزنك والزركونيوم على أنواع مختلفة من الخلايا مثل الخلايا الخلالية للصمامات (VICs)، التي تؤدي دورًا مهمًّا في عملية ضيق الصمام الأورطي (ضيق الأبهري)، ما يقلل أو يمنع تدفق الدم من القلب إلى الشريان الرئيسي في الجسم (الأورطي) وباقي أجزاء الجسم، وكذلك الخلايا البطانية للصمام (VECs) التي تعمل على تحديد درجة انقباض الأوعية الدموية من خلال إفراز مواد مثل أكسيد النيتروجين والبروستاسيكلين تؤدي إلى توسّع الأوعية الدموية، والخلايا الجذعية المشتقة من الأنسجة الدهنية (ADSCs) التي يشيع استخدامها كأداة علاجية جديدة لعلاج عدة أمراض تتراوح بين أمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الكبد والكلى والأمراض العصبية.

وحضّر الباحثون مركبات الهياكل الفلزية العضوية للزنك والزركونيوم باستخدام "طريقة الإذابة الحرارية" (Solvothermal Method)، أي إذابة تلك المعادن مع مواد عضوية في سوائل مذيبة، ثم وضعها في أوعية مغلقة مصممة خصوصًا للتفاعلات الكيميائية التي تتطلب ضغطًا وحرارةً مرتفعَين، وفق "الكردي".

دكتور محمد الكردي بصحبة السير البروفيسور مجدي يعقوب Credit: Mohamed Elkordy

واستخدم الباحثون ثلاثة أنواع مختلفة من الهياكل الفلزية لـ"الزركونيوم"؛ إذ وجد الباحثون أنها لا تسبب أي تسمم للخلايا، وأنها آمنة تمامًا للاستخدام في التوصيل الدوائي مهما ارتفعت تركيزاتها، وذلك على النقيض من الهياكل الفلزية لـ"الزنك"، التي جاءت نتائجها سلبيةً في اختبارات السُّمِّية، كما أنها لم تتوافق حيويًّا داخل جسم الإنسان.

الاحتفاظ بالأدينوسين

يقول "الكردي": أثبتنا فاعلية الهياكل الفلزية لـ"الزركونيوم" للاستخدام في التوصيل الدوائي، على عكس الهياكل الفلزية لـ"الزنك"، وينفي هذا ما ذهبت إليه دراسات سابقة من أن استخدام الهياكل الفلزية لـ"الزنك" آمن، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الباحثين في الدراسات السابقة استخدموا تركيزاتٍ ضئيلةً جدًّا من الزنك، قد يصعب معها اكتشاف درجة سُميته، ولكننا اعتمدنا في دراستنا على استخدام تركيزات عالية من الزنك والزركونيوم، لقياس مدى قدرتهما على الاحتفاظ بالأدينوسين وإطلاقه لمدة طويلة.

ويتميز عنصر الزركونيوم بوجوده بكثرة في الطبيعة، على شكل خامات لمعدنيين رئيسيين هما الزركون وأكسيد الزركونيوم، ويُستخدم في صناعة الحلي والجواهر والإكسسوارات وطب الأسنان وتحديدًا في عمل الحشوات السنية، كما يستخدم كمادة جامدة في المصابيح المتوهجة وأنظمة التفريغ، وإزالة الأكسجين والنيتروجين والكبريت من الفولاذ، بينما وجد الباحثون أن هياكل الزنك العضوية تتكسر جزيئاتها في سوائل جسم الإنسان إلى معدن الزنك ومواد عضوية نتيجة الوسط الحمضي للسوائل التي تتسبب في عدم استقرار هياكل الزنك، كما درسوا سُمية المواد العضوية واكتشفوا أنها غير سامة، بينما كانت جزيئات الزنك سامة للخلايا.

محاكاة واقعية

لدراسة قدرة هياكل الزركونيوم العضوية المحملة بالأدينوسين على إطلاقه إلى الجسم، أجرى الباحثون محاكاةً واقعيةً لسوائل جسم الإنسان، بحيث تحتوي هذه السوائل المنتجة على أيونات موجبة وأخرى سالبة مثل الفوسفات والكالسيوم والبوتاسيوم وغيرها، ووجد الباحثون أن قدرة هياكل الزركونيوم العضوية على إطلاق الأدينوسين امتدت إلى تسعة أيام متتالية.

يقول "الكردي": كلما زادت مدة إطلاق جزيئات الدواء المضاد للالتهابات إلى جسم الإنسان، زادت فاعليته في الحماية منها، فعند زرع الصمامات داخل الجسم، تستغرق الخلايا وقتًا لكي تنمو عليها، لذلك من الضروري أن نمنع أي التهاب في هذه المرحلة؛ لأنه قد يتسبب في رفض الجسم للصمام الجديد، إذ يَعدُّه جهاز المناعة جسمًا غريبًا تجب مهاجمته، ما يؤدي إلى تعرُّض المرضى لمشكلات صحية جسيمة.

ويرى عمر فرحة -أستاذ الكيمياء بجامعة نورث ويسترن في الولايات المتحدة الأمريكية، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": هذه الدراسة على قدر كبير من الأهمية؛ إذ أكدت إمكانية استخدام الهياكل الفلزية العضوية في التطبيقات الطبية الحيوية، كما تسلط الضوء على قابلية استخدامها في تطبيقات معقدة في المستقبل.

وأيده كايل كوردوفا -المدير التنفيذي لقطاع البحث العلمي، والمساعد الأول لرئيس الشؤون العلمية في الجمعية العلمية الملكية في الأردن، والباحث المتخصص في الهياكل الفلزية العضوية- مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم" أن "المواد المستخدمة متوافرة على المستوى التجاري، ما يزيد الأمل في إمكانية تصنيع هذه الصمامات وطرحها في الأسواق في المستقبل".

تعاون بنَّاء

من جهتها، تؤكد ورود الميهلمي -الباحثة الأولى في الدراسة، والأستاذ المساعد في علم النانو في جامعة العلوم والتكنولوجيا بمدينة زويل- أن التعاون بين فريقين من خلفيات علمية مختلفة وتخصصين مختلفين -وهما علم المواد وعلم الأحياء- يفتح آفاقًا جديدةً على مستوى الإنتاج العلمي.

تقول "ورود" في تصريحات لـ"للعلم": كان التعاون بين الفريقين على مستوى عالٍ من المهنية والدقة، فبالرغم من التعامل عن بُعد مع فريق الدكتور مجدي يعقوب بلندن، إلا أنه لم يكن عائقًا أمامنا في تنظيم العمل، إذ كنا نجري اجتماعات على (زوم) بشكل دوري لتنظيم إرسال العينات بين المعملين ليقوم كلٌّ منا بدوره في البحث ومناقشة النتائج أولًا بأول.

واختتم "الكردي" تصريحاته قائلًا: كان الفريقان على قدر هائل من التعاون، لقد أثبتنا قدرة الهياكل الفلزية العضوية على إطلاق مادة الأدينوسين إلى الجسم لمدة تصل إلى 9 أيام متتالية، ونواجه الآن تحديًا في دمج هياكل الزركونيوم مع الصمامات الصناعية، ودراسة إمكانية استخدامها على نطاق صناعي واسع، وعلى الرغم من حداثة هذه المواد، إلا أن أفق تطبيقات الهياكل الفلزية العضوية تُنبئ بمستقبل واعد إذا ما قورنت بالتقنيات والمواد الحالية، وهذا يتطلب مزيدًا من الدراسات والأبحاث عليها.