"قف في الموضع الصحيح قبل أن تبدأ رحلة الوصول إلى الهدف"، عبارة ربما رسمت ملامح العلاقة الوثيقة التي تربط بين سرطان المتوسطة الذي يُعد أحد أكثر أنواع السرطانات عنفًا وشراسة، ومعدن "الأسبستوس" الذي حظي بمكانة رفيعة ضمن قائمة المواد الكيميائية التي استخدمها قدماء المصريين في التحنيط.

ففي الفترة ما بين 2000 إلى 3000 سنة قبل الميلاد، استخدم قدماء المصريين معدن "الأسبستوس" (Asbestos) في صناعة أكفان المومياوات؛ لما له من قدرة فائقة على حفظ أجساد الموتى من التحلل، كما بات استخدام "الأسبستوس" في العصر الحديث عنصرًا أساسيًّا في العديد من الصناعات، وأهمها مواد البناء، ومواسير الصرف، والعوازل الحرارية، إلى أن حُرم استخدامه من جانب كثير من الدول، وعلى رأسها المملكة المتحدة والجزائر واليابان وكندا، التي كانت آخر الدول التي جرمت استخدامه في 2019، وذلك بعدما أثبتت النتائج علاقته المباشرة بـ"سرطان المتوسطة" Mesothelioma.

و"سرطان المتوسطة" هو نَوعٌ عنيفٌ ومُميت من مرض السرطان، يحدث في الطبقة الرقيقة من الأنسجة التي تُغطِّي مُعظَم الأعضاء الداخلية (الظهارة المُتوسِّطة)، وتتوافر علاجات ورم المتوسطة، ولكن يُعد الشفاء بالنسبة للعديد من الأشخاص المصابين بالورم غير ممكن.

ويقسم الأطباء ورم المُتوسِّطة إلى أنواع مختلفة وفق الجزء المصاب، وغالبًا ما يصيب هذا الورم الأنسِجة التي تحيط بالرئة (غشاء الجَنب)، ويسمى هذا النوع بـ"ورم المتوسطة الجَنْبي"، كما تصيب أنواع أخرى نادرة من ورم المُتوسِّطة الأنسجة في المعدة (ورم المُتوسِّطة الصفاقي) وحول القلب وحول الخصيتين، وحاليًّا، يعيش سبعة مرضى فقط من كل مئة لمدة خمس سنوات بعد تشخيص إصابتهم بالمرض.

ومن هنا تأتي أهمية الأبحاث والتجارب السريرية التي أجراها فريقٌ من علماء الجينوم بجامعة "ليستر" في إنجلترا، وانتهوا فيها إلى أن الذكاء الاصطناعي والعلاج المناعي يثبتان فاعليةً في مواجهة هذا النوع من السرطان.

يقول "دين فينيل"، رئيس قسم طب الأورام في جامعة "ليستر"، ومدير برنامج ليستر لأبحاث ورم المتوسطة: اكتشفنا منذ زمن بعيد تورط الأسبستوس في سرطان المتوسطة، ولكن لا يزال الغموض يحيط بآلية تورطه، وقد أجرينا دراستين متتاليتين لفك رموز ذلك الغموض، موضحًا: كانت الأولى في مارس من العام الحالي؛ إذ استخدمنا الذكاء الاصطناعي لتحليل مسارات الطفرات الجينية له، وهذه التحليلات ستمكِّننا من التنبؤ بمدى شراسة المرض، والمدة الزمنية التي سيعيشها المريض بعد تشخيصه، واختيار الطرق المُثلى لعلاجه، أما الثانية فانتهينا منها مؤخرًا، وتمثلت في إجراء تجارب سريرية استهدفت استخدام العلاج المناعي كوسيلة للعلاج.

الذكاء الاصطناعي

ففيما وُصف بأنه سابقة هي الأولى من نوعها، نشرت دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications) دراسة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل تسلسل الحمض النووي DNA لسرطان المتوسطة، وتبين أن لهذا التسلسل مسارات متشابهة لدى المرضى، ما يعني إمكانية التنبؤ بالمسارات العدوانية للمرض.

يقول "فينيل" في تصريحات لـ"للعلم": في الآونة الأخيرة، بزغ نهجٌ جديدٌ في علم الذكاء الاصطناعي يُعرف بـ"نقل التعلم" Transfer Learning، ويرتكز على إيجاد حلول لإحدى المشكلات، ثم تطبيق هذه الحلول مع مشكلات أخرى شبيهة، ويُعد نقل التعلم أمرًا ذا قيمة خاصة في مجال علم البيانات، وقد انتهجناه لدراسة تطور سرطان المتوسطة ومساراته وتغيره الجيني على 22 مريضًا بعد التعرُّض للأسبستوس، وكانت تلك هي خطوتنا الأولى.

مسار "هيبو"

يضيف "فينيل": في الخطوة الثانية استهدفنا مسارًا يسمى "مسار تأشير هيبو" (Hippo)، وهو مسار يرتبط بتحديد مصير الخلية ونمو الأنسجة، وقد برز كمنظِّم مهم لتجديد الأنسجة في البالغين، ويتكون من عدة جينات، وإذا ما تعرض لطفرات معينة، تتعرض الأنسجة لفرط في النمو، ووجدنا أن شرارة ورم الظهارة المتوسطة تنطلق منه، ومن هنا أصبح شغلنا الشاغل هو إيجاد دواء يستهدف هذا المسار الجيني.

ويتابع: نواصل أبحاثنا من أجل التوصل إلى علاج، وحتى وقت قريب، كان العلاج الكيميائي هو الوسيلة الوحيدة، وتخبو آمال الأطباء إذا أثبتت نتائج الفحوص فشله في شفاء مرضاهم، ولكن في مطلع العام الجاري، وبالتعاون مع جامعة ساوثهامبتون بإنجلترا، لجأنا إلى العلاج المناعي باعتباره وسيلة أخرى لمقاومة المرض، وذلك باستخدام عقار يحفز الجهاز المناعي، يسمى "نيفولوماب" Nivolumab، وقد أثبتت نتائج التجارب السريرية التي نشرتها دورية "لانسيت أونكولوجي" فاعلية هذا العقار، ما يعني زيادةً في متوسط أعمار المرضى، ونعمل الآن على إيجاد طرق جديدة لتحسين أداء النيفولوماب في تثبيط سرطان المتوسطة.

التجارب السريرية

أُجريت المرحلة الثالثة من التجارب على 332 مريضًا بالغًا يعانون من هذا النوع من السرطان في 24 مستشفى في المملكة المتحدة، وتم إجراء فحص عشوائي للمرضى البالغين (الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًا) في الفترة ما بين 10 مايو 2017 و30 مارس 2020، وتم تقسيم عينة الدراسة إلى مجموعتين: الأولى ضمت 221 مريضًا (66.6% من إجمالي عينة البحث) خضعوا للعلاج باستخدام عقار "نيفولوماب"؛ إذ تلقوا جرعةً ثابتةً من 240 مجم كل أسبوعين على مدى 30 دقيقة عن طريق الوريد، أما الثانية فضمت 111 مريضًا (33.4% من إجمالي عينة البحث) تلقوا علاجًا "وهميًّا"، وكان على المرضى استيفاء المعايير المختبرية التي تحدد عدد خلايا الدم البيضاء وعدد الصفائح الدموية، وتركيز الهيموجلوبين والكرياتينين، في حين كان المتوقع أن يكون متوسط ​​البقاء على قيد الحياة من دون علاج إضافي حوالي 6 أشهر للمرضى المشاركين في المرحلة النهائية من الدراسة.

وبالرغم من أنه لم تكن هناك وفيات مرتبطة بالعلاج في أيٍّ من المجموعتين، إلا أن استخدام هذا العقار أظهر بقاءً أطول على قيد الحياة على نحوٍ ملحوظ؛ إذ زاد متوسط البقاء على الحياة بثلاثة أشهر بالنسبة للمجموعة التي خضعت للعلاج باستخدام عقار "نيفولوماب"، في حين كانت مدة الزيادة بالنسبة للمجموعة التي تلقت دواءً وهميًّا 1.8 شهرًا فقط، وكانت نسبة تعرض المجموعة التي خضعت للعلاج باستخدام عقار "نيفولوماب" قد بلغت 41%، مقابل 44% بالنسبة للمجموعة التي تلقت دواءً وهميًّا.

معدن الأسبستوس

يقول أمير سعيد -أستاذ جيولوجيا المعادن بكلية العلوم بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": هناك نوعان أساسيان من معدن الأسبستوس، هما الـ"أمفيبول أسبستوس" (Amphibole Asbestos)  والـ"سيربينتين أسبستوس" (Serpentine Asbestos)، ويتكونان عندما تتعرض صخور السيربنتين والأمفيبول للضغط والحرارة.

وأضاف أنه في مصر، تمتلئ الصحراء الشرقية بالكثير من المعادن، ومنها الأسبستوس الذي نجده في مناطق عدة مثل البرامية ومنجم ذهب أم عود ومنجم الفواخير، ولكنه بات الآن من المعادن المحرمة دوليًّا منذ اكتشاف سُمِّيَّته الشديدة وضلوعه في سرطان المتوسطة.

وفي عام 2013، قادت روسيا العالم في صادرات الأسبستوس بهامش كبير؛ إذ شحنت 618.037 طنًّا متريًّا من المعدن السام، وتلتها كازاخستان (175.235 طنًّا متريًّا) والبرازيل (125832 طنًّا متريًّا) والصين (52860 طنًّا متريًّا)، وكانت تلك البلدان أكبر الدول المصدرة للأسبستوس.

أرقام صادمة

وبالرغم من المحاولات المضنية لتجريم استخدام الأسبستوس، إلا أن تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن 125 مليون شخص حول العالم يتعرضون سنويًّا للأسبستوس في مكان العمل، وأن أكثر من 107 آلاف عامل يموتون كل عام بسبب مرضٍ ذي صلة، بينما يموت آلاف الأشخاص كل عام بسبب وجود الأسبستوس في البيئة، كما تشهد العديد من بلدان العالم زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بسرطان المتوسطة المرتبط بالأسبستوس، ومنها إنجلترا التي شهدت زيادة كبيرة في معدلات الإصابة بالمرض بنسبة بلغت 61% منذ عام 1990.

Credit: Pedro Henrique Santos on unsplash تتحجر ألياف الأسبستوس في الرئة ما يمثل خطرًا على العاملين في مجال المناجم

من جهته، يقول مصطفى زايد -أخصائي جراحة الأورام بمعهد أورام دمياط- في تصريحات لـ"للعلم": سرطان المتوسطة من أسوأ أنواع السرطانات وأكثرها شراسة، إذ تتحجر ألياف الأسبستوس في الرئة أو القلب، كما يمثل خطرًا على العاملين في مجال تبطين الأسقف ومواد العزل والمناجم، وتكمن صعوبة سرطان المتوسطة في التباس أعراضه على المريض؛ إذ يشعر بمشكلات تنفسية طفيفة مألوفة له نظرًا لطبيعة عمله، وتبقى هذه الأعراض مدةً زمنيةً طويلة (20-50 عامًا بعد التعرض للأسبستوس)، وعلى عكس أورام الرئة الأخرى، تحتد الأعراض فجأة، وعند الفحص قد يتبين أنه قد فات الأوان.

يقول "فينيل": نعلم صعوبة المهمة، لكننا نؤمن –في الوقت ذاته- بأن البدائل العلاجية مرحَّب بها دائمًا في مسابقة الأمراض التي يصعب علاجها مثل ورم الظهارة المتوسطة الجنبي الخبيث، ولا يجب التوقف أبدًا عن استكشاف مزيد من الفرص العلاجية لمقاومة انتكاسة المرض.

  • مساع دولية
  • 2005: حثت منظمة الصحة العالمية أعضاءها على العمل من أجل القضاء على ورم الظهارة المتوسطة وأنواع السرطان الأخرى الناتجة عن التعرض الذي يمكن تجنُّبه لمواد مسرطنة في العمل وفي البيئة.
  • 2007: طلبت جمعية الصحة العالمية إطلاق حملة عالمية للقضاء على الأمراض المرتبطة بالأسبستوس، واستهداف البلدان التي لا تزال تستخدمه.
  • 2013: قدمت منظمة الصحة العالمية خطة عمل عالمية للفترة من 2013 إلى 2020، مطالبةً بمنع الاستخدام العالمي لجميع أنواع الأسبستوس.
  • المصدر:

https://www.asbestos.com/mesothelioma/worldwide/