يُصنع الورق من حياة، فمادته الأساسية هي الأشجار، فأكثر من 93% من الأوراق التي نستخدمها في حياتنا اليومية يأتي من الأشجار. كما أنه لكي ننتج كيلوجرامًا واحدًا من الورق؛ يستهلك المصنِّعون نحو 324 لترًا من الماء. والآن، يبدو أن هناك تقنية جديدة، يجري تطويرها معمليًّا، وفق البحث المنشور على نانو ليترز  Nano Letters يمكنها أن تُسهِم في الحد من قطع الأشجار لأغراض صناعة الورق.

وكان علماء من جامعة شاندونج الصينية بالتعاون مع باحثين من جامعة كاليفورنيا الأمريكية قد نجحوا في ابتكار طريقة جديدة للطباعة، يُمكن بواسطتها أن تُستخدم الورقة الواحدة لأكثر من 80 مرة.

بدأت بشائر الابتكار الجديد في ديسمبر 2014، عندما حاول الباحث يادونج ين -أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا الأمريكية- استخدام الأشعة فوق البنفسجية Ultra Violet rays للطباعة على الورق لتكون بديلاً للطباعة بالحبر. وقتها؛ رغب ين في الاستفادة من خصائص تبدل ألوان بعض المواد الكيميائية، ولكن هذا النهج واجه بعض الصعوبات؛ بسبب عملية تحبير الورق، وارتفاع التكاليف، ومدى الثبات والاستقرار، واحتمالات السُّمِّيَّة، والقدرة على تثبيت الطلاء على الورق التقليدي.

ومن خلال العمل على معالجة هذه المشكلات، قام الباحثون بالبحث والتحقُّق من بدائل الورق غير القابل للاستخدام إلا لمرة واحدة فقط disposable paper. أحد الاحتمالات كان في الاستفادة من قدرة بعض المواد الكيميائية على تبديل ألوانها color-switching ability عندما تتعرض للضوء. واستمرت المحاولات حتى تمكن مؤخرًا علماء من جامعة شاندونغ في الصين وجامعة كاليفورنيا الأمريكية من ابتكار طريقة جديدة للطباعة على الورق باستخدام الضوء.

تتميز الطريقة الجديدة بكونها أرخص بكثير وصديقة للبيئة مقارنة بالطباعة باستخدام الحبر التقليدي؛ إذ يمكن استخدام ورقة واحدة للطباعة أكثر من 80 مرة، ما سيساعد على توفير تكاليف الحبر والورق، وانخفاض التكلفة البيئية لإعادة التدوير والتخلص من المخلفات الورقية.

ويمكن تقسيم أزمة الطباعة التقليدية إلى بُعدين رئيسيين: يشمل الأول الأثر المدمر على البيئة الذي تسببه صناعة الورق، لكونها تأتي مباشرة من الأشجار المسؤولة عن تنقية الجو من غاز ثاني أكسيد الكربون. فيما يتعدى البعد الثاني البيئة ويلامس الاقتصاد، فأسعار الورق آخذة في التصاعد عالميًّا؛ وفق مجدي الحفناوي، الذي يعمل مديرًا للطباعة والتوزيع في عدة مؤسسات صحفية مصرية كبرى، إذ يؤكد أن سوق الورق عالميًّا "في طريقه للركود" بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية التي يُصنع منها الورق. بالطبع، لم يكن يدر بخلد يوهان جوتنبرج -والذي اشتهر باختراعه حروف الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر- أن تصل الأزمة التي يصنعها الورق إلى نتيجتها الحالية.

5 أيام فقط

في الدراسة التي نحن بصددها، جرى الجمع بين نوعين من الجسيمات، متناهية الصغر، لإنتاج طلاء جديد خاص بالورق المستخدم في عملية الطباعة؛ وهو الأزرق البروسي، وهي صبغة زرقاء مستخدمة في الدهانات تتحول إلى عديمة اللون عندما تكتسب الإلكترونات. وقد استخدم ثاني أكسيد التيتانيوم (TIO2)، كمحفز ضوئي مسؤول عن تسارُع التفاعلات الكيميائية؛ إذ يرفع من مستويات الاستجابة للأشعة فوق البنفسجية. وعند مزج هاتين المادتين معًا، يتم الحصول على طلاء باللون الأزرق، وبعد تعرض الورق للأشعة فوق البنفسجية، تُثار جسيمات ثاني أكسيد التيتانيوم وتفقد الإلكترونات ليتحول الصباغ الأزرق البروسي إلى عديم اللون، بحيث تظهر الكتابة على الأجزاء الفارغة الزرقاء من الصفحة، فيظهر النص عديم اللون مكتوبًا على خلفية زرقاء. ويمكن أيضًا أن تُستخدم الألوان الأخرى عن طريق استخدام نظائرها ذات الألوان المختلفة عن اللون الأزرق البروسي.

ويرى الباحثون أنه يمكن طلاء هذا المركب بسرعة على ورقة عادية باستخدام الرش أو النقع، وبالتبعية فإن هذه التقنية ستكون رخيصة للغاية ومفيدة عند انتشارها وتداولها على نطاق تجاري، أضف إلى ذلك عدم الحاجة إلى شراء الأحبار غالية الثمن وكذلك الملوثة للبيئة.

يقول الباحثون إن الأوراق يمكن أن تحتفظ بالتكوين ووضوح الكلام لمدة خمسة أيام على الأقل بدقة 5 ميكرونات، ومن ثم تتلاشى الطباعة ببطء وتتحول إلى اللون الأزرق. ولمحو الكتابة بسرعة، يمكن تسخين الورقة مدة 10 دقائق لإعادتها إلى الحالة الزرقاء الثابتة، وذلك عبر تعريضها لتيار من الهواء الساخن تصل حرارته إلى 120 درجة مئوية.

الطباعة الكاملة بالألوان

ويؤكد الباحثون أن الميزات الحصرية لذلك الأسلوب لن تكون خفض التكاليف فحسب، بل ستمتد لتشمل مجموعة من الفوائد البيئية أيضًا، والمتعلقة بعدم قطع الأشجار لإنتاج الورق، علاوة على تقليل حجم النفايات والطاقة اللازمة لتدويرها. ويشدد الباحثون على أن الخطوة التالية هي محاولة تطوير الطريقة إلى نظام الطباعة العملي. ويرى ين أن الخطوة التالية مباشرة هي بناء طابعة ليزر للعمل على هذه التقنية وتمكين الطباعة السريعة، قائلاً: "سوف ننظر أيضًا إلى وسائل فعالة لتحقيق الطباعة الكاملة بالألوان"، وأضاف في تصريحه لموقع ساينس أليرت: "نعتقد أنه لإعادة الكتابة على الورق سيكون لديها عديد من التطبيقات العملية، كتسجيل المعلومات المؤقتة والقراءة السريعة (المعلوماتية فقط)، مثل الصحف والمجلات والملصقات، ودفاتر الملحوظات، ومؤشرات صلاحية المنتجات".

لكن الحفناوي كان له رأي آخر؛ إذ يقول: "أنا لا أتحدث عن البُعد البيئي"، فالاقتصاد ربما لا يأخذ في اعتباره ذلك البُعد، وفق رأيه. الحفناوي الذي يعمل في تلك الصناعة منذ نحو ربع قرن، يرى أن صناعة الصحف المعتمدة على طُرق الطباعة التقليدية ربما تكون في طريقها للزوال، بسبب الزيادة المُطردة في التكاليف، لكنه يشير إلى أن الطريقة الجديدة: "لن تكون ذات جدوى في صناعة الصحف أو حتى طباعة الكتب في الوقت الحالي"، إذ إن هناك عددًا من الصعوبات التقنية التي تواجه تلك الطريقة. ويشدد على أن "بعض الناس يحب الاحتفاظ بالجرائد، لذا لن تكون تلك المطبوعات المُنتجة بالطريقة الجديدة مثالية بالنسبة لهؤلاء"، مشيرًا إلى أن تلك هي المعضلة الحقيقية التي تواجه ذلك الأسلوب في استخدامه كوسيلة لطباعة الصحف، فزوال الطباعة هو ما يجعل إعادة استخدام الورق ممكنة ويعطي تلك التقنية معنى، ومن دونها؛ لن يتحقق البُعدان البيئي والاقتصادي، على حد قوله.

طباعة الصحف التي يتحدث عنها يادونج تتكلف الكثير والكثير، وفق الحفناوي، الذي يقول إن تلك التكاليف لا تتوقف فقط عند قيمة الورق، فهناك الاستثمار في المطابع، وتدريب القوى العاملة، وأسعار الطاقة، والكثير من المتغيرات الأخرى التي يصفها الحفناوي بـ"المعقدة"، وبالتالي لن تنجح تلك الوسيلة في عالم الجرائد. ويرى الحفناوي أن حل الأزمة في الوقت الراهن يجب أن يتحرك في جانب تقليل الاستهلاك، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ حين يسعى الشخص لسحب أمواله من ماكينة الصراف الآلي، تظهر على الشاشة الصغيرة عدة خيارات، من ضمنها مدى رغبته في تلقي إيصال مطبوع فيه معلومات عن الحساب البنكي، "تنصحك الآلة الحديدية بعدم تلقي الإيصال للحفاظ على البيئة"، غير أن الغالبية العظمى من العملاء يفضلون استلام المستند المطبوع، إذ يلقون نظرة عابرة عليه، ثم يرمون به إلى أقرب سلة مهملات، يقول الحفناوي: "تذكر في المرة القادمة رفض استلام المستند المطبوع؛ ويشدد على أنه لا يزال أمام التقنية الجديدة الكثير والكثير".