قُبيل ظهيرة يوم الرابع من أكتوبر بتوقيت ستوكهولم، حقق ثلاثة من العلماء المبتكرين أصحاب الرؤية الثاقبة إنجازًا علميًّا متميزًا؛ إذ حصلوا على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2017. طوَّر الباحثون الثلاثة طرقًا لتصوير البروتينات المعقدة على المستوى الذري، واستخدموا مجهرًا إلكترونيًّا ليروا كيف تُطوِّر الجزيئات مناعةً ضد المضادات الحيوية، وتُحوّل الضوء إلى طاقة في عملية التمثيل الضوئي، وكيف يعمل فيروس زيكا. منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزةَ نوبل في الكيمياء لكلٍّ من جاك دوبوشيه، من جامعة لوزان بسويسرا، ويواكيم فرانك، من جامعة كولومبيا بنيويورك، وريتشارد هندرسون، من مختبر مجلس البحوث الطبية للبيولوجيا الجزيئية في كامبريدج بإنجلترا؛ تقديرًا لجهودهم في "تطوير مجهر إلكتروني فائق البرودة للتحديد عالي الدقة لبنية الجزيئات الحيوية في حالة سائلة".

تقول عالِمة الكيمياء أليسون كامبل -رئيس الجمعية الكيميائية الأمريكية، والتي أجرت أبحاثًا حول المواد الحيوية-: "إن هذا الاكتشاف بمنزلة برنامج "جوجل إيرث" للجزيئات، من حيث إنه يأخذنا إلى أدق تفاصيل الذرات داخل البروتينات". وفي حين أكدت لجنة جائزة نوبل التطبيقات البيولوجية والطبية لهذه التقنية، فإن كامبل تشير إلى أنه يمكن استخدامها لتحليل أي نوع من البوليمر، مثل الإنزيمات الصناعية التي تحلِّل البلاستيك.

وقد أشار فرانك -في مكالمة هاتفية وقت الإعلان عن الجائزة- إلى أن التطبيقات العملية ليست متاحة بعد، فقال: "إننا لا نتحدث هنا عن تطبيق فوري وجاهز، بل ستمر عدة سنوات قبل أن نصل إلى هذه المرحلة". وتتفق معه كامبل في الرأي، فتقول: "إنها تكنولوجيا يتعامل معها المستخدم مباشرة، ولكن الإمكانات هائلة؛ إذ إنها تتيح فهم أي جزيء تستهدفه، فيمكنك رؤية شكله، وعندما تغيِّر البروتينات شكلها فإنها تغيِّر وظيفتها أيضًا".

وتُعَدُّ هذه الجائزة هي جائزة نوبل في الكيمياء الثانية التي يحصل عليها علماء تقديرًا لعملهم على مجهر في الأعوام الأربعة الماضية؛ ففي عام 2014 حصل ستيفان دبليو. هيل وإيريك بيتزيج وويليام إي. مورنر على جائزة نوبل تقديرًا لجهودهم في زيادة قوة المجهر الضوئي وإتاحة الفرصة للعلماء لرؤية الجزيئات في أثناء عملها في الخلايا الحية، ولكن ليس على مستوى التغيُّرات الذرية.

على مدار فترة طويلة كانت دراسة البلورات بالأشعة السينية هي الطريقة الموثوق بها بالنسبة للكيميائيين والبيولوجيين الذين يسعون لفهم بنية البروتينات، وقد ساعدت هذه التقنية العلماء على حصاد أكثر من اثنتي عشرة جائزة نوبل، من بينها جائزة نوبل لعام 1962 لاكتشاف التركيب الحلزوني المزدوج للحمض النووي، وذلك وفق مقال نُشر في دورية Nature، وبحلول عام 2015 كانت الأشعة السينية تُستخدَم لتحديد بنية ما يقرب من 90% من إجمالي عدد الجزيئات، التي يبلغ عددها حوالي 100 ألف، في بنك بيانات البروتين الشهير.

غير أن التقنية لا يمكنها تنفيذ المهمة بأكملها؛ فكما يتضح من اسم علم البلورات، فإنه يتطلب أن تكون المادة المستهدفة مصنوعة من البلورات. وفي ظل وجود العديد من الجزيئات الضخمة والمعقدة داخل الخلايا وحولها –مثل الريبوسوم المسؤول عن تحويل التعليمات الجينية إلى بروتينات عاملة– لم يتمكن العلماء من تحقيق هذا الشرط.

أما الإلكترونات، فيمكنها أن تنعكس عن جميع الذرات في أحد البروتينات وتزيح الستار عن بنيتها. وهذه البنية ثلاثية الأبعاد، وبدءًا من سبعينيات القرن العشرين طوَّر فرانك طريقةً رياضية لمعالجة الصور، تتيح لجهاز الكمبيوتر دمج العديد من صور المجهر الإلكتروني ثنائية الأبعاد في صورة واضحة ثلاثية الأبعاد. أما إسهام دوبوشيه فكان في توضيح كيفية استخدام هذا النوع من المجهر على الجزيئات الحيوية؛ فالجزيئات من نوعية البروتينات تكون محاطة بالماء الذي يساعدها على الحفاظ على بنيتها، ولكن المجهر الإلكتروني يجفِّف ذلك الماء، فتوصل دوبوشيه إلى طريقة لتبريد الماء بسرعة بحيث أصبح مثل الزجاج –وهو ما يُعرف باسم تحويل الماء إلى زجاج– وأتاح للجزيئات بالداخل الحفاظ على شكلها.

ثم في عام 1990، بعد خمسة عشر عامًا من العمل على تنقيح إعداد العينة والكشف الإلكتروني، نجح هندرسون في استخدام مجهر إلكتروني لإعداد صورة لبروتين غشاء خلية بكتيرية ضخم يُطلق عليه "الرودوبسين البكتيري" Bacteriorhodopsin، بل وحقق ذلك بدقة على المستوى الذري. وقد كتب هندرسون، مع نايجل أنوين في عدد فبراير 1984 من مجلة "ساينتفك أمريكان"، مقالًا حول ريادة الباحثين في استخدام المجهر الإلكتروني لرؤية تفاصيل بروتينات غشاء الخلية.

واليوم، كما تقول كامبل: "بالنسبة لأي عالم مهتم ببنية البروتينات ووظيفتها، فسيروق لي كثيرًا أن يكون لديَّ أحد هذه الأجهزة في معملي". وسيحصل دوبوشيه وفرانك وهندرسون على الميداليات وثلث مبلغ الجائزة الذي يصل إلى 9 ملايين كرونة سويدية (حوالي 1.1 مليون دولار أمريكي) لكلٍّ منهم في الاحتفال السنوي بجائزة نوبل المزمَع إقامته في مدينة ستوكهولم في شهر ديسمبر القادم.