"النيوترينو" جزيء أولي، يُعَد من الوحدات الأساسية في الكون، ويمتاز بأنه ليس له شحنة كهربائية، مما جعل رصده مهمةً غايةً في الصعوبة، حتى إنه عُرف في أوساط الفيزيائيين باسم "الجسيم الشبح". كان الاعتقاد السائد عن هذا الجسيم أنه عديم الكتلة، حتى اكتشف عالم الفيزياء الفلكية الكندي، آرثر بي ماكدونالد، ما يُعرف بتذبذبات النيوترينو، التي أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن للنيوترينو كتلة وإن كانت ضعيفة، وهو ما فتح الباب لحصول "ماكدونالد" على نوبل الفيزياء في العام 2015!

وكانت لجنة نوبل قد أوضحت في حيثيات قرارها أن الاكتشاف له انعكاسات كبيرة، واصفةً إياه "بالتاريخي"؛ فالنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الذي ظل ناجحًا بشكل لا يُصدق لأكثر من عشرين عامًا، متحديًا كل الاختبارات التجريبية، بات يوصَف بعد هذا الاكتشاف بأنه "لا يمكن أن يستمر نظريةً كاملةً لوصف المكونات الأساسية للكون، وأن اكتشاف "ماكدونالد" خطوة جديدة على طريق فهم الآلية الداخلية للمادة ومعرفة أفضل للكون".

ينتج بعض النيوترينوهات من التفاعلات النووية في باطن الشمس، في حين ينتج البعض الآخر من التفاعلات الحاصلة بين الأشعة الكونية والغلاف الجوي للأرض. وفي كل ثانية، تتدفق آلاف المليارات من النيوترينوهات التي لا يمكن إيقاف تدفُّقها خلال أجسامنا؛ إذ يُقصف كوكب الأرض بالنيوترينوهات التي تُعد الجسيمات الأكثر عددًا في الكون، من بعد الفوتونات (جسيمات الضوء)، بشكل مستمر.

وقبل أن تمر ثلاثة أعوام على حصول "ماكدونالد" على جائزة نوبل للفيزياء، وبالتحديد في مايو 2018، جرى افتتاح مركز جديد لأبحاث فيزياء الجسيمات الفلكية يحمل اسمه في جامعة كوينز في مدينة كينجستون، أونتاريو، الكندية. ومن المتوقع أن يتشارك حوالي 100 طالب وباحث من كافة أنحاء البلاد للوصول بهذا المركز إلى أهدافه، ألا وهي تحديد مكونات المادة المظلمة. ويضم المركز باحثين من حوالي 12 جامعة ومعهدًا بحثيًّا، جميعهم يتابعون دراساتهم حول المادة المظلمة والجسيمات النانوية، ومن المؤكد أن عملهم معًا داخل المركز الجديد سيكون له بالغ الأثر في تبادل الخبرات. لقد عبَّر "ماكدونالد" عن سعادته لافتتاح ذلك المركز، ليس لأنه يحمل اسمه، ولكن لأنه سيتيح له بمراقبة الأفكار الجديدة لحظة ولادتها، وسيستمع للنقاشات ويستمتع بالإبداعات التي دائمًا ما توجد حيث يوجد شباب الباحثين.

عن عالِم الفيزياء الفلكية الغامض، والمادة المظلمة الأكثر غموضًا، يفتح آرثر بي ماكدونالد -الفائز بنوبل للفيزياء عام 2015- خزائنَ معرفته لـ"للعلم"، في محاولة لتبسيط هذا العلم المعقد. جاء لقاء "للعلم" معه على هامش فعاليات الاجتماع السنوي التاسع والستين لعلماء نوبل، الذي أقيم في مدينة لينداو بمقاطعة بافاريا الألمانية في شهر يوليو الماضي.

وإلى نص الحوار:

هل لنا أن نعرف كيف يمكن لتجربة النيوترينو أن توفر صورةً كاملةً عن القانون الأساسي للفيزياء؟

Mohamed Mansour

نعلم جميعًا بوجود النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات الأساسية، الحقيقة النظرية الأساسية للطريقة التي يعمل بها الكون على مستويات ميكروية (مجهرية). ذلك النموذج القياسي يحتوي على معلومات كثيرة غاية في الأهمية، من بينها معلومة تفيد أن كتلة النيوترينو تساوي صفرًا، أي أنه جسيم أولي ليس له كتلة.

دعونا نعترف أنه دائمًا كانت هناك ألغاز تحتاج إلى حل، كانت هذه المعلومة أحد هذه الألغاز، ولكن سرعان ما ظهرت أدلة حقيقية عندما تم إجراء التجارب الأولية على النيوترينو القادم من الشمس بواسطة رايموند ديفيس، العالِم الذي حصل على جائزة نوبل للفيزياء في عام 2002،عن اكتشافه لوجود هذا الجزيء الأولي. وكان أحد التفسيرات المحتملة لملاحظة عدد قليل جدًّا من النيوترينوهات هو أنها كانت تتغير من نوع واحد تم إنتاجه في قلب الشمس إلى أنواع أخرى لم يكن من الممكن ملاحظتها في أثناء تجربته. حدوث هذا التغير يعني ضمنًا أن النيوترينوهات لها كتلة، وإن كانت محدودة، وهو ما يخالف النموذج القياسي الذي يُعَد أحد أهم اكتشافات الفيزياء الحديثة. وفي الواقع، إن أحد أهدافنا في الفيزياء هو العثور على ثغرات في نماذجنا القياسية، ما يدفعنا لنبحث أكثر ونصل إلى معرفة أكبر. فقد اتضح أنه إذا قام النيوترينو بتغيير نكهته أو حدث له تذبذب فهذا يعني بشكل مباشر أن لديه كتلة محدودة، وحدوث التذبذبات للنيوترينو مؤشر على أنه يسافر بسرعة أقل من سرعة الضوء، وهذا أيضًا دليل آخر يؤكد حقيقة أن له كتلة محدودة.

ما الفرق بين التجربة التي أجريتموها وتجربة رايموند ديفيس؟

التجربة التي أجريناها كانت أكثر تطورًا من تجربة "ديفيس"، وقد استخدمنا الماء الثقيل الذي تحوي نواة ذرة الهيدروجين منه نيوترونًا إضافيًّا يتيح رصد النيوترينوهات الشمسية بنكهاتها (أنواعها) الثلاث بطريقة متساوية، ما مكَّننا من قياس شيئين، الأول: نوع النيوترينوهات التي يتم إنتاجها في باطن الشمس بشكل واضح لا يدع مجالًا للشك، والثاني: مجموع جميع أنواع النيوترينو الثلاثة النشطة، الإلكترون والميون والتاو، بشكل أيضًا واضح ولا يدع مجالًا للشك. وبالمقارنة بين الاثنين وجدنا أنه من المجموع لم ينجُ إلا الثلث فقط، وكان في شكل نيوترينو إلكترون، ما يعني أن النيوترينوهات قد غيرت نكهتها، وهو دليل على أن لها كتلة. بالإضافة إلى تجربتنا، هناك أيضًا التجارب التي أجراها في اليابان فريق تاكاكي كاجيتا من جامعة طوكيو، الذي تقاسم معي الجائزة، والتي أثبتت أشكالًا واضحة من تذبذبات النيوتيرنوميون، والتي تدلل كذلك على أن له كتلة وإن كانت أيضًا محدودة. وهكذا نحرز تقدمًا من خلال بناء أفكار أوضح حول كيفية عمل الكون ومن ثم اختبارها. في حالة النيوترينو أظهر الاختبار أن هناك ما هو أبعد من النموذج القياسي. فالنيوترينوهات الثقيلة جدًّا لا يمكن الوصول إليها؛ لتجربتها تحت الطاقات الأعلى الموجودة في الكون. ولكن يمكننا أن نتوقع ما يمكن أن يحدث من خلال ملاحظة النيوترينوهات الأخف وزنًا ذات الكتلة المحدودة.

هل لك أن تشرح لنا ببساطة ما هو بالضبط تذبذب النيوترينو؟

إن تذبذب النيوترينوهات يُعَد ظاهرةً ميكانيكيةً كميّة. في لغة ميكانيكا الكم هناك ثلاث حالات يُشار إليها بالكتلة، وهي –بطبيعة الحال- لا تساوي الحالات الثلاث للنكهة، وهي الطريقة التي تُنتج بها النيوترينوهات. أنت تُنتج نيوترينو إلكترون أو نيوترينو ميون أو نيوترينو تاو استنادًا إلى الجسيم الذي كان ذا علاقة عند انبعاث النيوترينو. ويُنظر إلى النيوترينو إلكترون على أنه يحتوي على مزيج من الكتل الثلاث، وعندما يسافر يمكن لهذا المزيج أن يتغير في أثناء عملية السفر عبر الفضاء، فتتغير الكسور النسبية للمكونات الثلاثة للكتلة في ذلك النيوترينو إلكترون. عندما نريد أن نعرف إلى أي درجة يبدو جسيم مثل النيوترينو إلكترون نقيس مكوناته لنرى إلى أي درجة تشبه المكونات التي يتكون منها بعد السفر في الفضاء المكونات التي كان عليها في البداية.

الجواب في حالة القياسات التي أجريناها على الأرض أظهرت أن ثلث عدد النيوترينوهات فقط هي التي تحتفظ بمكوناتها. أما في حالة النيوترينوهات ميون، والتي تذبذبت في تجربة اليابان وهي تعبر الأرض ذهابًا وإيابًا فقد كان هذا مؤشرًا جيدًا على ما نعتبره تصديقًا قويًّا للنظرية القائلة بأن كتل النكهات الثلاث ليست واحدًا لواحد، مقارنةً بالإنتاج الأصلي للنيوترينوهات.

وكيف يمكننا الاستفادة من النتائج التي توصلتم لها؟

النتائج عبارة عن معلومات قد تقودنا إلى إجابة سؤال مهم: لماذا نعيش في عالم تهيمن عليه المادة؟ إنها بالفعل خصائص النيوترينو التي نعتقد الآن أنها النظرية السائدة. لماذا بعد الانفجار العظيم مباشرةً وبعد تضخم الكون، انتهينا إلى وجود أعداد متساوية من جزيئات المادة والمواد المضادة؟ لأننا نقوم بتحويل الطاقة إلى مادة.

ليس لدينا الآن في عالمنا أي مادة مضادة يمكن ملاحظتها، باستثناء المواد المشعة التي تسمح لها بالتحلل، مثل البوزيترونات المنبعثة من تحلُّل جسيمات بيتا، التي تنبعث من نوى إشعاعية النشاط مثل البوتاسيوم-40. ويتجه الفكر إلى أن خصائص النيوترينوهات هي التي تؤدي إلى التناظر بين المادة والمادة المضادة، ما يؤدي بدوره إلى تآكُل المادة الصغيرة على مدار فترة زمنية منذ الانفجار العظيم.

لذلك وجدنا أنفسنا نعيش في كون قائم على مادة بحتة. لذا فإن فهم كيفية تصرُّف النيوترينوهات يمكن أن يؤدي إلى فهم سبب هيمنة المادة على الكون. إن التجارب على النيوترينوهات التي لا تزال مستمرةً اليوم هي محاولة لفهم خصائص أخرى للنيوترينو، وللتحقُّق من صحة النظرية التي تقول إننا نعيش في كون تهيمن عليه المادة.

والآن ننتقل إلى جانب آخر، نرصد فيه معك التأثير الناتج عن فوزك بالجائزة على حياتك، هل غيّرت جائزة نوبل حياتك؟

غيرتها كثيرًا! أتلقى عددًا هائلًا من الدعوات للتحدث في مؤتمرات وندوات في جميع أنحاء العالم، وقد سافرت في السنوات الأربع الأخيرة، كما لم أسافر من قبل في حياتي. ورغم الأسفار والتنقُّل الدائم ما زلت أواصل أبحاثي. فأنا نظريًّا متقاعد؛ فقد توقفت عن التدريس، لكني أعمل مع مجموعات من الطلاب على مشروعات  كبيرة نحاول فيها إشراك العديد من الدول بهدف تحقيق إنجازات كبرى. فالمشروع الرئيسي الذي نعمل عليه الآن يُعنى باكتشاف المادة المظلمة. في الحقيقة أنني أحاول استغلال الشهرة التي اكتسبتها نتيجة فوزي بجائزة نوبل للقيام بالمزيد من الاكتشافات وتحفيز مجموعات عمل من الباحثين، من شأنهم أن يجتهدوا ليزودونا بالمعلومات التي قد تقودنا إلى حلول للألغاز الكبيرة في عالمنا، وعلى رأسها لغز المادة المظلمة.

وكيف تجد التواصل مع الجمهور العام؟ هل هو أمر سهل؟

الحديث في الفيزياء الفلكية أمام العامة ليس سهلًا بالطبع، فيجب أن أجتهد طول الوقت لأحافظ على اهتمامهم. ألجأ أحيانًا إلى استخدام الفكاهة للإبقاء عليهم مستيقظين. دعونا نتفق على أن الموضوعات التي نتعامل معها هي موضوعات أساسية مهمة للغاية بالنسبة لأصولنا. كيف نشأ العالم بعد الانفجار العظيم وحتى اليوم. واحدة من النتائج التي توصلنا إليها عبر اختبارات النيوترينو هي فهم كيفية الاندماج النووي في الشمس بالتفصيل.

محاولة أخرى للتواصل مع الجمهور العام هي الإشارة إلى فهم كيف تحترق الشمس، وفهم أصل الأشياء التي صُنعنا منها مثل الأكسجين والنيتروجين والكربون الذي ينتج عن التفاعلات النووية في نجوم مثل شمسنا. وكأنها مقياس يوضح من أين أتينا. فنحن مصنوعون من غبار نجمي، لا شك. الحديث عن أصول الأشياء دائمًا ما يكون طريقة ناجحة لجذب الجماهير، وتلك هي طريقتي في محاولات الاتصال علميًّا معهم.

قلت إنك متقاعد ولكنك تعمل على مشروعات كبيرة، ما المشروع الذي تعمل عليه حاليًّا؟

حتى العامين الماضيين، كنت أعمل في مرصد/ كاشف سودبوري للنيوترينو على تجربة لتحويل الكاشف ليكون قادرًا على دراسة المزيد من خواص النيوترينو، في عملية تسمى تحلل جسيم بيتا المزدوج.

بالإضافة إلى ذلك، أعمل على تجربة في مختبرنا الواقع على عمق 2070 مترًا تحت الأرض في كندا، والذي يستخدم الأرجون السائل وسيلةً للكشف عن جزيئات المادة المظلمة. نحن نعلم أن المادة المظلمة تتشكل من جسيمات كبيرة ذات تفاعلات ضعيفة نطلق عليها اختصارًا ويمبس wimps، هدفنا أن نعرف عدد تلك الجسيمات ومدى سرعة انتقالها بالنسبة لنا. وحتى نحصل على كاشف نظيف جدًّا يحتوي على أقل نسبة ممكنة من النشاط الإشعاعي، فنحن نُجري التجارب على عمق كيلومترين لحمايته  من الأشعة الكونية التي من شأنها أن تجعله يتوهج. فإذا تخلصنا من الأشعة الكونية وتوخينا الحذر في اختيار المادة الخاصة بالتجربة فسيمنحنا ذلك ميزة إضافية. المادة الخاصة التي اخترناها هي الأرجون السائل؛ فجسيمات المادة المظلمة حين تضرب نواة الأرجون يكون لها الأثر نفسه الذي تُحْدِثه كرة البلياردو، ترتد النواة وتكون سببًا في بعثرته، والميزة هنا أن الأرجون السائل تنبعث منه كمية كبيرة من الضوء. إلى الآن لم نكشف عن جزيئات المادة المظلمة عن طريق الأرجون السائل، وكذلك زملاؤنا الذين يستخدمون الزينون.. هدفنا هو معرفة خصائص جزيئات المادة المظلمة، ومدى توافقها مع النموذج القياسي.

وهل نتوقع وجود تعاون ما، في هذا الإطار، مع فرق بحثية عالمية أخرى؟

الحقيقة أن العديد من الفيزيائيين في العالم يشغلهم الأمر نفسه، لذا فكرنا في التعاون على المدى الطويل، وأصبح لدينا أكثر من 400 عالِم من 60 مؤسسة من 14 دولة يتشاركون ويتفاعلون. لقد كان الكاشف الأكثر حساسيةً في العالم هو ذلك الموجود في إيطاليا، في مختبر جران ساسو، الذي كان يبحث عن ومضات الضوء التي تنشأ من تفاعلات المادة المظلمة مع الذرات في خزان الزينون البالغة سعته 3 أطنان، ما نتكلم عنه الآن هو خزان بسعة خمسين طنًّا سيكون كذلك في جران ساسو! وسيكون هناك تعاون قوي مع المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن"؛ لأننا اكتشفنا أن استخدام الأرجون السائل، الكاشف الرئيسي للتجربة الرئيسية في مختبر فيرمي في الولايات المتحدة، لتحديد خصائص النيوترينو، مناسب جدًّا لما نريد عمله. إن التعاون مع سيرن هدفه تكييف التكنولوجيا التي تم تطويرها لنقل الغاز الطبيعي السائل مع أغراضنا. فنحن نحتاج إلى العمل في درجات حرارة منخفضة جدًّا للحصول على الأرجون السائل.

هل من السهل الحصول على تمويل في مجال أبحاث الفيزياء الفلكية؟

إن أبحاث الفيزياء الفلكية مثلها مثل أي أبحاث، ليس من السهل أن نجد لها تمويلًا. الخطوة الأولى هي الحصول على مراجعة جيدة من الأقران، أي عرض البحث على خبراء من الفيزيائيين في هذا المجال ليقروا كون البحث جديرًا بالدعم والتمويل، كأن يقترح البحث مثلًا طريقة مناسبة للبحث عن المادة المظلمة وهكذا. وحتى الآن كنت موفقًا في إيجاد تمويل لأبحاثي، ليس بسبب أنني حاصل على نوبل، فالأقران من العلماء المتخصصين لا يحكمون تبعًا لاسم الشخص، بل يحكمون وفق محتوى البحث ونتائجه، فالفوز بنوبل لا يفيد في تلك الحالة، الورق الجيد والفرضية والحجج هي المعيار. قبل أن تتقدم للحصول على دعم لبحثك لا بد أن تسأل نفسك ثلاثة أسئلة مهمة: هل يتفق معك آخرون في أن ما تفعله عمل جيد؟ هل تمتلك مجموعتك الخبرة اللازمة لمتابعة هذا الأمر؟ هل الشيء الذي تحاول متابعته يستحق الدعم؟ إذا كانت الإجابة عن الأسئلة بنعم، فستحصل على الدعم، وهذا ما يحدث معي.

كيف أثرت طفولتك على حياتك العملية؟

لا أستطيع أن أنسى مدرس الرياضيات في المدرسة الثانوية، فقد كان مدرسًا ممتازًا، وكان يفعل ما في وسعه ليجعل تلاميذه مهتمين بالرياضيات، وهو في تقديري قد نجح بالفعل في مهمته. في فصلي الدراسي المكون من 35 تلميذًا، حصل تلميذان على دكتوراة في الرياضيات، بينما حصلت أنا على دكتوراة في الفيزياء. حين التحقت بالجامعة، لم أكن أعرف كيف يمكنني الاستفادة من خبرات الرياضيات التي اكتستبها في المدرسة، لكنني اكتشفت أن الفيزياء ممتعة للغاية وتأتي عندي في المقام الأول، ففيها يمكننا وصف طريقة عمل الأشياء باستخدام الرياضيات بطريقة بناءة للغاية. وقد كنت جيدًا في ذلك، وهذا بالفعل ما يسألني عنه أغلب الطلاب الذين أقابلهم في محاضراتي ولقاءاتي.

ما أفضل طريقة يختار بها الإنسان حياته المهنية؟

أول شيء لا بد أن يسأل الإنسان نفسه: ما الأشياء الممتعة التي يحب أن يستيقظ كل صباح ليفعلها؟ ثم يسأل نفسه: أي شيء من هذه الأشياء يستطيع إجادته والتفوق فيه؟ الإجابة عن هذين السؤالين ستقود الإنسان إلى اختيار حياته المهنية بكل بساطة.

متى كانت أسعد لحظة في حياتك؟

أسعد لحظات حياتي كانت عندما ظهرت نتائج تجارب مرصد سودبوري، التي كانت أول دليل على تذبذب النيوترينو. لقد أغمضنا أعيننا عن كل التحاليل السابقة؛ حتى لا نتوقع الوصول إلى النتائج ذاتها. وحين بدأت نتائج تجاربنا في الظهور نظرت إليها، ووجدت أنه بعد 20 عامًا من العمل نجحنا في تحقيق كشف علمي كبير، وفعلنا ذلك معًا، كنا أكثر من 100 شخص نعمل معًا، وقد نجحنا بالفعل في إثبات صحة فرضيتنا، وعرفنا شيئًا جديدًا عن الكون، أليس هذا يومًا عظيمًا!!

هل كانت سعادتك في هذا اليوم أكبر من سعادتك يوم حصولك على نوبل؟

الجائزة تُمنح لشخص واحد، ولكن العمل الذي قاد إلى الجائزة كان نتاج جهد عدد كبير من الأشخاص. وأعتقد أنهم كانوا جميعًا ممتنين جدًّا لحقيقة أن هذه المنظمة المرموقة التي تقدم أرفع جائزة في العالم رأت أن ما فعلناه يستحق التكريم.