كما توقع الكثيرون، فاز بجائزة نوبل في الفيزياء هذا العام العلماء الثلاثة الذين يقودون الرحلة البحثية التي استمرت خمسين عامًا لرصد الأمواج الثقالية؛ إذ سيتشارك الجائزة كلٌّ من رينر وايس وباري سي. باريش وكيب إس. ثورن؛ تتويجًا لعملهم المتعلق بمرصد الموجات الثقالية بالتداخل الليزري، المعروف باسم مرصد "ليجو"، الذي أعلن في عام 2016 أنه رصد للمرة الأولى تموجات في الزمكان.

وقد قال جوران كيه. هانسون -الأمين العام للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم- صباح الثالث من أكتوبر في المؤتمر الصحفي للإعلان عن الفائز بالجائزة: "إن جائزة هذا العام تتمحور حول اكتشافٍ هز أركان العالم". وقد كان هانسون يقصد -حرفيًّا ومجازًا- إنجازًا علميًّا تصدَّر الصحف العالمية، وُلد من رحم كارثة كونية شعرنا بآثارها على الأرض على بُعد مليارات السنوات الضوئية من المكان الذي وقعت فيه.

وقد قال وايس عبر الهاتف صباح يوم الإعلان في المؤتمر الصحفي لجائزة نوبل: "هذا أمر رائع حقًّا. إنني أراه تتويجًا وتقديرًا لعمل ما يقرب من ألف شخص". يضم مرصد ليجو علماء من 90 مؤسسة بحثية تقريبًا في خمس قارات. وقد أعلنت التجربة حتى الآن أربع عمليات رصد منفصلة لأمواج ثقالية، الأخيرة بينها، والتي أُعلن عنها قبل أقل من أسبوع، جاءت بالمشاركة مع النظير الأوروبي لمرصد ليجو، وهو تجربة فيرجو. وقد قال وايس متذكرًا: "عندما أفكر في الأمر، ونحن نحاول الوصول إلى أية عملية رصد في الأيام الأولى، وفي بعض الأحيان نحاول ونفشل. من المذهل حقًّا أن الأمر نجح في نهاية المطاف".

الأمواج الثقالية، التي ظهر أول توقُّع لها في نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين قبل مئة عام، عبارة عن اهتزازات في نسيج الكون تنشأ عندما تتسبَّب الأجرام هائلة الحجم في انحناء الزمكان حولها. وقد كان كل الإشارات التي التقطها مرصد ليجو حتى الآن آتيًا من تصادمات بين ثقبين أسودين، حادث تصادم كوني صغير النطاق يتجاوز عنفه حدود الخيال.

وقد علق نيلز مارتنسون -رئيس لجنة جائزة نوبل للفيزياء- قائلًا: "إنه إنجاز عظيم حقًّا، يكلل جهودًا بحثية وتجريبية استمرت قرابة الخمسين عامًا". وسيحصل وايس -عالِم الفيزياء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي قاد مجهودات تصميم وبناء مرصد ليجو في أيامه الأولى- على نصف مبلغ الجائزة الذي يبلغ 9 ملايين كرونة سويدية (1.1 مليون دولار أمريكي). أما ثورن -عالِم الفيزياء بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)- فهو المؤسس المشارك للتجربة، الذي تولى قيادة العمل النظري لتوقُّع الشكل الذي قد تبدو عليه الإشارات من تصادم الثقب الأسود، في حين كان باريش -وهو أيضًا عالِم فيزياء بمعهد كالتك- مسؤولًا عن مساعدة التجربة للوصول إلى أعلى مستوى من الدقة مطلوب لرصد الأمواج الثقالية.

صرحت لورا كادوناتي -عالِمة الفيزياء بمعهد جورجيا للتكنولوجيا، ونائب المتحدث الرسمي لمجموعة التعاون العلمي لمرصد ليجو-: "اليوم يوم خاص ومميز لمجتمعنا بأسره؛ فالمئات من العلماء في مختلِف أنحاء العالم كانوا يتابعون أخبار جائزة نوبل، وكانت الرسائل تطير جيئةً وذهابًا عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. وكثيرٌ منا اغرورقت أعينهم بالدموع عند سماع الخبر، وأعتقد أن الاحتفالات ستقام في مختلِف أنحاء العالم اليوم، احتفالات من أجل رينر وكيب وباري، وأيضًا من أجل مجموعة التعاون العلمي لمرصد ليجو، وأصدقائنا وزملائنا في فيرجو، وكذلك من أجل مستقبل الفيزياء الفلكية للأمواج الثقالية. إنه يوم رائع دون شك".

ويتكون مرصد ليجو من جهازي كشف مقياس التداخل الليزري -أحدهما في ولاية واشنطن والآخر في لويزيانا- لرصد الاختلالات في الفضاء التي تنشأ عند حدوث موجة ثقالية. ويستخدم جهازا الكشف -وكلاهما مصمم على شكل حرف L ضخم- مرايا لدفع أشعة الليزر للارتداد جيئةً وذهابًا على طول الأذرع العمودية التي يبلغ طولها أربعة كيلومترات. وتلتقط الساعات الذَّرِّيَّة شديدة الدقة الاختلافات في المدة الزمنية التي تستغرقها الأشعة في اجتياز الأذرع. وإذا مرت موجة، أدت إلى تمدُّد وتقلص الأرض حولها، فإن الأذرع لن تعود متساوية الطول بالضبط كما كانت، وسيصل أحد أشعة الليزر متأخرًا عن الآخر بمقدار جزء من الثانية.

وقد بدأت التجربة في ستينيات القرن العشرين، ولكن استغرق الأمر عقودًا حتى تصل إلى مستوى الدقة الذي تحتاج إليه لقياس التأخر الزمني الضئيل الذي تستغرقه أشعة الليزر بسبب الأمواج الثقالية. وقد التقط علماء مرصد ليجو أول إشارة مؤكدة في سبتمبر 2015، وأعلنوا النتيجة في شهر فبراير التالي. والآن ثمة خطط قيد التنفيذ لإطلاق أجهزة مماثلة في اليابان والهند وغيرها.

ويقول روبرت كالدويل -أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في كلية دارتموث-: "لهذه الجائزة أهمية كبيرة؛ إذ إنها تمثل بداية عصر جديد في الفيزياء وعلم الفلك، عصر لدينا فيه أداة جديدة لسبر أغوار الأطراف المترامية للكون، باستخدام الأمواج الثقالية. في الواقع، ثمة "عالم غامض" هناك من الثقوب السوداء وغيرها من الأشياء المذهلة التي لا يمكننا الوصول إليها إلا من خلال الأمواج الثقالية. إنه أمر مذهل ومثير للاهتمام حقًّا، وكأن المرء قد اكتسب حاسة جديدة".