تتجه عيون العالم يوم الثلاثاء القادم، في الثاني من شهر أكتوبر، إلى العاصمة السويدية "ستوكهولم"، حيث تعلن "الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم"، والتي أسسها الملك "جوستاف الثالث" عام 1786، اسم الفائز/ الفائزة بجائزة "نوبل للفيزياء" لعام 2018. وهي الجائزة التي حصل عليها 206 أشخاص حتى الآن، بينهم الفيزيائي الأمريكي جون باردين والذي حصل عليها مرتين، وسط توقعات باحتمال أن تذهب هذا العام لامرأة، وذلك بعد 55 عامًا كانت فيها حكرًا على الرجال، أما لقب "أصغر الفائزين" سنًّا و"أطولهم عمرًا" فيظل عصيًّا على السقوط.

فعلى مدى 103 أعوام، حافظ العالم الأسترالي "ويليام لورنس براج" على لقب أصغر الحاصلين على جائزة نوبل للفيزياء؛ إذ حصل عليها عام 1915 مناصفةً مع والده وهو في عامه الـ25 عن أبحاثه في مجال الأشعة السينية والبلورات.

في عام 1913، طرح لورنس براج قانونًا يصف حيود الأشعة السينية من قِبَل المواد البلورية. ومنذ ذلك الحين، استخدم علماء البلورات هذا القانون؛ لتبيان البِنَى الذرية لكثير من المركّبات، بدءًا من ملح الطعام، وحتى الجزيئات الحيوية الكبيرة المعقدة للغاية.

اشتهر "براج" بدراسته لانكسار الأشعة السينية في البلورات؛ إذ تمكَّن من وضع نموذج بسيط للتركيب البلوري يمكن بواسطته معرفة اتجاه حيود الأشعة السينية من البلورة بعد سقوطها عليها.

وفي هذا النموذج، افترض "براج" أن المستويات المختلفة التي تتكون منها ذرات البلورة يمكن أن تعكس الأشعة السينية. وقد نص "قانون براج"[1] على أن "موجات الأشعة السينية التي تسقط على سطح بلورةٍ ما تنعكس من المستويات الذرية المتوازية انعكاسًا منتظمًا، ويحدث الحيود من المستويات المتوازية فقط عندما تتداخل الحزمات المنعكسة تداخلًا بَنَّاءً".

وُلد "براج" في 31 من شهر مارس من عام 1890 في مدينة "أديلايد" الأسترالية، والتحق بالجامعة ليتخصص في مجال الرياضيات الذي أثبت نبوغه فيه عندما حصل على المركز الأول في عام 1908؛ وبعدها بعام واحد، التحق بجامعة "ترينتي" البريطانية ليتخرج فيها في عام 1912 ومعه شهادة في العلوم الطبيعية. وتوقفت أبحاثه في أثناء كلٍّ من الحربين العالميتين الأولى والثانية.

بعد تخرجه، عمل مُحاضرًا في جامعة "ترينتي"، ونال وسام برنارد عن العديد من أبحاثه، وعمل كذلك في منصب مستشار فني في إحدى الشركات في فرنسا، حيث كانت وظيفته هي تحديد الإحداثيات لبطاريات المدفعية، والتي كانت تستمد من أصوات البنادق، وكان يعمل أيضًا في جامعة مانشيستر أستاذًا في مادة الفيزياء.

كما عُيِّن في الجمعية الملكية في عام 1921، وعمل مديرًا لمختبرات الفيزياء الطبيعية في الفترة ما بين 1938 و1938، حتى انتقاله للعمل أستاذًا للفيزياء الحديثة في معهد كافنديش في جامعة كامبريدج حتى عام 1953.

جونيور.. الأكبر

على النقيض من اسمه، الذي يعني بالإنجليزية "الأصغر سنًّا"، فإن "ريموند ديفيس جونيور" -العالِم الأمريكي المتخصص في الفيزياء والكيمياء- هو أكبر الحاصلين على جائزة نوبل للفيزياء عمرًا، التي حصل عليها عام 2002 عن "بحوثه الرائدة في الفيزياء الفلكية، وبصفة خاصة عن إثباته وجود الجسيم الأولي المسمى "نيوترينو"، ما جعله يُلقَّب بـ"مكتشف نيوترينو".

وُلد "جونيور" في 14 أكتوبر 1914 بمدينة واشنطن، واقترن اسمه بتجربة هومستاك لقياس النيوترينو، وقد شاركه الجائزة الفيزيائيان ماساتوشي كوشيبا وريكاردو جياكوني.

بدأت رحلة "جونيور" مع الـ"نيوترينو" في ستينيات القرن الماضي؛ إذ خصص جزءًا كبيرًا من وقته لاستكشاف النيوترينات القادمة من الشمس، فأنشأ أول كاشف نيوترينات عام 1961، وذلك على عمق 2300 قدم تحت الأرض، وانتهى إلى أن "النيوترينو"، الذي يُلقَّب بالجسيم الشبحي لصعوبة رصده، ينتج عند انحلال بعض الجسيمات مثل النيوترون والبروتون والميزون، وتصدره النجوم أيضًا بغزارة وكثافة عالية، بصورة جعلته مرشحًا لأن يكون المادة المظلمة التي تشكل الجزء الأعظم من الكون وتمسك الكون بكتلتها الهائلة، ما يعني أنه يمتلك سر تحديد نهاية الكون ومصيره، سواء كانت هذه النهاية بتمدد الكون واستمرار تمدده حتى تفلت زمام الأمور من القوة الثقالية (في هذه الحالة كتلة المادة المظلمة كاملة لا تكفي لتماسك الكون وضبط توسعه)، أو كانت بتمدُّد الكون إلى حد معين ثم تقلُّصه من جديد ليعود كما كان لحظة ولادته (المادة المظلمة في هذه الحالة كافية لكبح جماح التوسع وقوة الجاذبية تعمل عملها).

استخدم "جونيور" ورفيقه "باكال" خزانًا أسطوانيًّا قطره 20 قدمًا وطوله 48 قدمًا، ويحتوي على 100 ألف جالون (455 ألف لتر) من مادة الإيثيلين، مشددين على أن "من شأن النيوترينو التفاعل مع نظائره المحددة من الكلور الموجود في سوائل التنظيف وتحويلها إلى أحد نظائره المشعة وهو الأرجون، وتركا الأرجون لمدة شهر أو اثنين، ثم عملا على تجميعه عن طريق إطلاق غاز الهيليوم على السوائل. وأخيرًا، قاسا النشاط الإشعاعي لتحديد مقدار النيوترينو التي تشكلت.

وكان لـ"مكتشف النيوترينو" الفضل في العديد من الأبحاث التي تواصلت بعد وفاته في 31 مايو 2006 بمدينة "بلو بوينت" بولاية نيويورك، فقد عاد اسمه للتردد بقوة على خلفية فوز العالم الياباني تاكاكي كاجيتا مناصفة مع العالم الكندي آرثر بي ماكدونالد، بجائزة نوبل للفيزياء في عام 2015 لاكتشافهما اهتزازات النيوترينو، التي حولت "النيوترينو من جسيم ليس له كتلة إلى جسيم له كتلة".

هل يبتسم الحظ للنساء؟

ذهبت بعض التقارير الإعلامية[2] إلى أن جائزة نوبل للفيزياء قد تبتسم للنساء بعد 55 عامًا من "التجاهل" الذي يوصف أحيانًا بأنه "تجاهل يصل إلى حد التحيز ضد النساء"؛ إذ تعد "ساندرا فابر" -أستاذ الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة كاليفورنيا- أحد أبرز الأسماء المرشحة لنيل الجائزة عن مجمل أعمالها، التي تُعَد إسهامات شديدة التأثير في الوصف الدقيق لأعمار المجرات الأخرى وحجمها وابتعادها عنَّا، فضلًا عن عملها على تطوير نموذج للمادة المظلمة الباردة (Cold Dark Matter 10)، التي قد تكشف الكثير عن نشأة المجرات؛ إذ تطرح فرضية ترى أن "المادة المظلمة (وهي صاحبة الكم والتأثير الجذبوي الأكبر في الكون) هي ما دفع المادة العادية في الكون -وهي الكم الأقل- للتجمع بالمقام الأول في أشكال خيطية بينها فجوات كالإسفنج، وأن تلك الدفعة هي ما جمع الغاز والغبار الكوني المبكر بعضه مع بعض، وبسبب ذلك الاندفاع تكونت مناطق كانت فيها كثافة المادة أكبر من غيرها، وهكذا تكدست كميّات الغاز والغبار معًا لتصنع النجوم ثم المجرات الأولى في تلك المناطق، وسحبت جاراتها بقوى الجذب"، مضيفةً أنه "لكي تحدث تلك الدفعة، يجب أن تكون سرعة جسيمات المادة المظلمة أقل من سرعة الضوء وأقل تفاعلًا مع المجال الكهرومغناطيسي، ما دعا لتصوُّر وجود مادة مظلمة باردة، ولأنها باردة فإن سرعة جسيماتها ستكون أقل".

لكن "فابر" تواجه منافسة قوية من عدد لا يستهان به من العلماء "الرجال"، ومنهم الأوكراني يوري جوجوتسي -الأستاذ بمؤسسة مواد النانو في جامعة دريكسل- ورودني روف -مدير مركز مواد الكربون متعددة الأبعاد والأستاذ بمؤسسة نالسان القومية بكوريا الجنوبية- وباتريس سيمون -أستاذ علم المواد من جامعة بول ساباتييه تولوز الفرنسية- وذلك عن أعمالهم في علم المواد المكونة من الكربون مثل أنابيب النانو، والجرافين، والماسات نانوية الحجم. فضلًا عن ديفيد أوشالوم، أستاذ الهندسة الجزيئية بجامعة شيكاغو، وآرثر جوسارد، أستاذ هندسة الحاسوب والهندسة الكهربائية بجامعة كاليفورنيا عن أعمالهم في مجال أشباه الموصلات.

وكان لتَراجُع نسبة النساء ضمن قائمة الحاصلين على جائزة نوبل للفيزياء (سيدتان فقط) أشد الأثر في الوصف[3] الذي أطلقه ماثيو فرانسيس -الكاتب في مجال العلوم والفيزياء- على القائمين على الجائزة بأنهم "يفضلون الرجال على النساء".

وتُعد العالمة "جوسلين بيل بورنيل" نموذجًا حيًّا لتجاهُل "نوبل للفيزياء" للنساء؛ إذ نجحت في اكتشاف "النجوم النابضة" في عام ١٩٦٧ حين كانت لا تزال طالبةً في جامعة كامبردج؛ وبالرغم من دورها البارز في هذا المجال، إلا أنه تم منح جائزة نوبل للفيزياء لعام 1974 لاثنين من زملائها في البحث، وهما "أنتوني هويش ومارتين رايلي"، في حين جرى استبعاد[4] "بورنيل"، لا لشيء سوى أنها "لا تزال طالبة"، وهو الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا آنذاك.

وكانت "ماري كوري"[5] -عالِمة الفيزياء والكيمياء البولندية المولد، والتي اكتسبت الجنسية الفرنسية فيما بعد- أول سيدة تحصل على جائزة نوبل للفيزياء، كما كانت الوحيدة التي حصلت عليها مرتين في مجالين مختلفين (مرة في الفيزياء وأخرى في الكيمياء)، وكان حصولها على جائزة نوبل للفيزياء لعام 1903 بالمشاركة مع زوجها "بيار كوري" لاكتشافهما عنصري البولونيوم والراديوم، كما حصلت على جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1911، والعجيب أن ابنتها "إيرين" نالت وزوجها فريدريك جوليوت جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1935 لاكتشافهما النشاط الإشعاعي الاصطناعي، واختارا الاعتراف بجميل "الأم" من خلال إطلاق الوحدة (كوري) لقياس النشاط الإشعاعي، وكذلك إطلاق اسمها على عنصر "الكوريوم".

وخلال الحرب العالمية الأولى، أسست أول مراكز إشعاعية عسكرية. ورغم حصولها على الجنسية الفرنسية، لم تفقد ماري "كوري" إحساسها بهويتها البولندية، التي احتلت مكانة بارزة في عقلها وقلبها معًا؛ فقد أطلقت على أول عنصر كيميائي اكتشفته اسم "البولونيوم" نسبة إلى بلدها الأصل. وخلال الحرب العالمية الأولى أصبحت عضوًا في منظمة بولندا الحرة. كما أسست معهدًا مخصصًا للعلاج بالراديوم في مدينة وارسو سنة 1932 (يسمى حاليًّا معهد ماريا سكوودوفسكا كوري للأورام).

وكما كانت حياتها مليئة بالعجب، فقد كانت وفاتها أيضًا مصدرًا للتعجب؛ إذ توفيت عام 1934 بمرض فقر الدم اللاتنسجي الذي أصيبت به نتيجة تعرُّضها للإشعاع لأعوام.

أما "ماريا جوبرت- ماير" –العالمة الألمانية التي حصلت على الجنسية الأمريكية- فكانت ثاني وآخر امرأة تفوز بجائزة نوبل للفيزياء في عام 1963، مشاركة مع العالِمَين الألماني " هانز جنسن" والأمريكي "يوجين بول فيجنر"، عن إدخالها نموذج "الغلاف النووي" والتي توضح تركيب نواة الذرة.

وانتهت "ماير" -التي وُلدت في ألمانيا- إلى أن النويات الذرية لها أغلفة تشبه أغلفة إلكترونات الذرات. وتحتوي تلك القشرة على أعداد متنوعة من البروتونات والنيوترونات التي تؤدي إلى إحداث تنظيم مرتب في الذرة تبعًا للخواص التي تتميز بها كل ذرة.

 

[1] https://bu.univ-ouargla.dz/master/pdf/Ben_sari_azaoui.pdf?idmemoire=6456

[2] https://clarivate.com/blog/uncategorized/clarivate-analytics-reveals-annual-forecast-of-future-nobel-prize-recipients/

[3] https://galileospendulum.org/2012/10/10/the-nobel-savages/

[4]https://books.google.com.eg/books?id=h8VvDwAAQBAJ&pg=PA173&lpg=PA173&dq=%22%D8%A8%D9%8A%D9%84+%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%86%D9%8A%D9%84%22&source=bl&ots=UOIbjZzMlx&sig=dy0G9wI84HcvdKh6bccCXdNSo58&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwj9yYrwxNjdAhUKxYUKHQMrDBEQ6AEwDXoECAgQAQ#v=onepage&q=%22%D8%A8%D9%8A%D9%84%20%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%86%D9%8A%D9%84%22&f=false

[5] https://www.marefa.org/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A_%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A