حذر أكثر من 1600 عالِم من احتمالات تعرُّض كوكب الأرض لحدوث انقراض جماعي للمرة السادسة في حالة عدم التصدي بشكل عاجل لحماية التنوع الحيوي قبل فوات الأوان.

وأوضح العلماء، في بيان نشرته مجلة "ساينس" (Science)، وصاغه علماء بمؤسسة "ديفندرز أوف وايلد لايف" المعنية بحماية البيئة، أن "2.9 مليار طائر في أمريكا الشمالية اختفى خلال الـ48 عامًا الأخيرة، وأن أكثر من مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض حول العالم".

تلك المؤشرات الخطيرة دفعت العلماءَ لتوجيه خطاب مفتوح لحث الكونجرس الأمريكي على التمويل الكامل لقوانين وبرامج الحفاظ على الحياة البرية، مستهجنين أن يظل التمويل أقل من 25% من المطلوب منذ عدة عقود لحماية التنوُّع الحيوي من التهديدات الخطيرة والمتنامية.

يكشف العلماء في مفارقة خطيرة أن تكاليف استعادة جميع الأنواع المعرضة للانقراض توازي 1% فقط من تكلفة الطعام الذي يهدره الأمريكيون سنويًّا، مطالبين بـ"تحرُّك سريع لتوفير التمويل الكامل لإنقاذ هذه الأنواع من الانقراض، وإقرار قانون استعادة الحياة البرية في أمريكا بميزانية تبلغ 1.2 مليار دولار سنويًّا".

أشار العلماء إلى عقود طويلة من نقص شديد في تمويل القوانين الناجحة في الحفاظ على البيئة، مثل "قانون الأنواع المهددة بالانقراض" (ESA)، وهو قانون صدر عام 1973، ويُعد أقوى قانون في العالم للحفاظ على الحياة البرية المعرضة للخطر وإنقاذها من الانقراض، مثل "النمس أسود القدمين"، و"كندور كاليفورنيا" وهو من أكبر الطيور، ويصل طول جناحه إلى أكثر من تسعة أقدام.

مطالب بإجراءات حاسمة

من جهته، يحذر "جيمي رابابور كلارك" -الرئيس والمدير التنفيذي لمؤسسة "ديفندرز أوف وايلد لايف"- من احتمال تعرُّض كوكب الأرض لحدوث انقراض جماعي للمرة السادسة وفقًا لتقرير IPBES، (وهو تقرير أسهَمَ في إعداده 150 خبيرًا من 50 دولة بالإضافة إلى إسهامات إضافية من 250 خبيرًا)، مشددًا على أهمية اتخاذ الكونجرس لإجراءات حاسمة؛ لإنقاذ الأنواع المعرضة للخطر والمهددة بالانقراض لحماية التنوع البيولوجي.

يقول "جاكوب مالكوم" -الكاتب الرئيسي لخطاب العلماء، ومدير مركز ابتكار برامج الحفاظ على البيئة بمؤسسة "ديفندرز أوف وايلد لايف"- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التنوُّع الحيوي يتعرض لتهديدات غير مسبوقة وانحدار نحو النهاية من خلال مواجهة نحو مليون سلالة لخطر الانقراض. لهذا يقف العلماء متحدين في مطالبة الكونجرس بالتمويل الكامل للبرامج المعتمدة في مجال الحفاظ على البيئة لوقف مد الانقراض".

ونفى "مالكوم" أن يكون خطاب العلماء ردًّا على التغيُّرات التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي على قانون ESA، مما أضعف سبل حماية الأنواع المعرضة للانقراض، مضيفًا أن "التعديلات التي أجرتها إدارة ترامب ليست جيدة بالنسبة للقائمة المسجلة في القانون، ولكن الدعوة الآن تركز على زيادة التمويل الذي ظل ضئيلًا لفترات طويلة، والهدف من هذا الخطاب الذي لاقى دعمًا كبيرًا من العلماء هو إيصال صوتهم إلى الكونجرس".

فقدان 25% من طيور أمريكا الشمالية

في السياق، يشير تقرير نشرته "المؤسسة الأمريكية لتقدُّم العلوم" إلى أن أمريكا الشمالية فقدت حوالي ثلاثة مليارات طائر منذ عام 1970 وتراجُع أعداد المئات من سلالات الطيور، مشددًا على أن "هذه النتائج تُعَد مؤشرًا خطيرًا لإغفال قضية التنوع الحيوي في موائل الطيور عبر أمريكا الشمالية؛ إذ أسهَمَ النشاط البشري في زيادة الانقراض على مستوى العالم، ورغم التركيز على محاولات فهم أسبابه، إلا أن العلماء لم يتوصلوا إلى حقيقة تراجُع السلالات الوفيرة، علمًا بأن ذلك يؤدي إلى تأثيرات بيئية وتطورية واقتصادية مهمة".

رصد التقرير تغيُّر أعداد 529 سلالة على مدار العقود الماضية في كلٍّ من الولايات المتحدة وكندا، وتَبيَّن فقدان نحو واحد من كل أربعة طيور منذ عام 1970، لتُقدر الخسارة بنحو 2.9 مليار طائر، موضحًا أن "أكثر من 90% من هذه الخسارة أصابت 12 عائلة من عائلات الطيور، من بينها العصافير المغردة. وفي المقابل، هناك أنواع أخرى تزايدت أعدادها، مثل الطيور الجارحة والطيور المائية؛ وذلك نتيجة جهود الحفاظ على التنوع الحيوي، وفاعلية قوانين الأنواع المعرضة للخطر".

استخدم الباحثون بيانات الهجرة من شبكة رادار "NEXRAD"؛ لمعرفة التغيرات بعيدة المدى في ممر الهجرة الليلي للطيور. وجاءت النتائج مشابهةً لما تحويه مجموعة بيانات المراقبة الأرضية للطيور، ما يكشف عن تدهور شديد في أعداد الطيور المهاجرة على مدى عشر سنوات، وخاصةً في شرق الولايات المتحدة. وتغطي تلك الشبكة 160 موقعًا عبر الولايات المتحدة وبعض المواقع المختارة خارجها.

يقول "أرفند بانجابي" -العالِم المهتم بحماية الطيور وصونها، والمشارك في إعداد التقرير- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التقرير شمل 529 نوعًا من الطيور، تختلف في تاريخ حياتها وممرات الهجرة التي تسلكها، ومأواها ومتطلباتها الغذائية. والنمط الوحيد البارز هنا هو أن معظم التناقص يتعلق بالسلالات الأكثر انتشارًا، وخاصةً تلك التي ترتبط بالموائل المفتوحة، مثل الأراضي الزراعية والمراعي والمناطق الحضرية والضواحي. وهي المناطق التي ساءت حالتها على مدى العقود الماضية القليلة مع زيادة استخدام مبيدات الأعشاب والمبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية؛ إذ تزيد سُمِّيَّة كثير من المبيدات المستخدمة حاليًّا بمئات المرات عن المبيدات المعروفة مثل "دي دي تي" التي تم حظرها. ونتيجةً لذلك تراجعت بشكل ملحوظ أعداد الحشرات الطائرة وطيور المراعي، وحتى العصافير المنزلية وطائر الزرزور والحمام".

ويوصي التقرير باتباع نموذج الحفاظ على الأراضي الرطبة في شمال أمريكا، الذي أدى إلى استعادة مجموعات الطيور المرتبطة بها منذ عام 1970، وهي المجموعة الوحيدة التي رصد زيادتها. ويرجع ذلك إلى تشريع فيدرالي قوى لحماية الأراضي الرطبة بدأ في 1972 مع قانون المياه النظيفة، وفى عام 1989 خصص قانون شمال أمريكا للأراضي الرطبة نحو ملياري دولار أمريكي لحماية الأراضي الرطبة وزيادة رقعتها، ليس فقط في الولايات المتحدة، لكن أيضًا في كندا والمكسيك ومنطقة البحر الكاريبي حيث تذهب الطيور المهاجرة.

يقول "بانجابي" لـ"للعلم": يجب الموافقة على قانون استعادة الحياة البرية في أمريكا، المعروض حاليًّا على الكونجرس؛ إذ يطالب بتخصيص 1.2 مليار دولار سنويًّا من عائدات إنتاج النفط في الخارج لتفعيل خطط المواجهة، وكذلك منع المبيدات الحشرية عالية السُّمِّيَّة وتقليل استخدام مبيدات الأعشاب؛ إذ أظهرت الدلائل أن سُّمِّيَّة المبيدات وراء تناقص أعداد الطيور، كما أنها غير صحية للإنسان أيضًا.