كشفت دراسة أجراها باحثون في المركز الطبي بجامعة "لايدن" الهولندية أن ارتفاع معدلات الدهون في الجسم يمكن أن يؤثر سلبًا على بنية دماغ الأشخاص.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "راديولوجي" (Radiology)، أن الجهاز العصبي يحتوي على نوعين من الأنسجة، أولهما المادة الرمادية، التي تشغل قسمًا كبيرًا من الجهاز العصبي المركزي، وهي المسؤولة عن معالجة المعلومات في أثناء انتقالها عبر الألياف العصبية حتى تصل إلى هدفها، والثانية هي المادة البيضاء التي تحيط بالبنى المركزية للدماغ.

قام الباحثون بتحليل نتائج تصوير المخ باستخدام أشعة الرنين المغناطيسي لـ12.087 شخصًا (52.8% من النساء و47.2% من الرجال) تراوحت أعمارهم بين 45 و76 عامًا، وتم الحصول على بياناتهم من "البنك الحيوي للمملكة المتحدة"، في إطار تجربة كبرى بدأت عام 2006 لمعرفة المزيد عن العوامل الوراثية والبيئية التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض.

واعتمد مسح المخ على تقنيات متطورة لأشعة الرنين المغناطيسي أتاحت معلوماتٍ عن كلٍّ من الكتلة الرمادية والكتلة البيضاء التي يُشار إليها باعتبارها شبكة الاتصال التي تنقل الإشارات الكهربية في المخ. وقد أظهرت النتائج ارتباطات واضحة بين نسبة دهون الجسم وشكل المخ وبنيته.

وأوضحت النتائج أن "السمنة تمثل إحدى أخطر المشكلات الصحية في العالم؛ إذ تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري، إضافةً إلى خطر التدهور المعرفي والخرف، بما يشير إلى أن السمنة تؤدي إلى حدوث تغيرات في الدماغ؛ إذ يؤدي ارتفاع معدلات الدهون في الجسم إلى صغر حجم الكتلة الرمادية بالمخ".

تقول "إيرونا ديكرز" -طبيبة الأشعة في "المركز الطبي بجامعة لايدن"، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أشعة الرنين المغناطيسي تُعَد أداةً لا يمكن الاستغناء عنها في فهم العلاقة بين السلوك والتغيرات التشريحية المتعلقة بالوصلات العصبية في المخ".

وأوضحت بيانات أشعة الرنين المغناطيسي بشكل قاطع أن  توزيع مستويات عالية من الدهون في الجسم يؤدي إلى صغر أحجام بِنًى مهمة في الدماغ، تتضمن بنية المادة الرمادية الموجودة في وسط الدماغ، وأن تلك الصلات تختلف من الرجال للسيدات.

تضيف "ديكرز" أن "الدراسات الحديثة أظهرت أن السمنة تؤثر بشكل ملحوظ على الهرمونات وجهاز المناعة بالجسم، مما يؤدي إلى حدوث التهابات تضر بأنسجة المخ. ووفقًا لنتائج الدراسة التي أجريناها، فإن السمنة تحفز عمليات سلبية تؤدي بالتبعية إلى فقدان أنسجة المخ، وهو ما تُظهره أشعة الرنين المغناطيسى على المخ. لهذا نأمل أن يزيد وعي الجمهور بالعلاقة الحتمية بين الصحة الجسمانية والصحة البيولوجية العصبية وتأثير السمنة على صحة المخ مثلما يدرك الكثيرون ضررها على القلب والأوعية الدموية وتسبُّبها فى حدوث مرض السكري من النوع الثاني والسرطان.

وتوضح "ديكرز" أن الاختلافات بين الرجال والنساء ترجع إلى أن ارتفاع دهون الجسم لدى الرجال يرتبط بانخفاض الكتلة الرمادية عمومًا وبتغيير في أجزاء محددة في مركز المكافأة والجهاز الحركي. أما النساء، فإن إجمالي دهون الجسم لديهن يُظهر ارتباطًا سلبيًّا مهمًّا في منطقة "الكرة الشاحبة" المسؤولة عن الحركات الإرادية في المخ. وبالنسبة للجنسين، فإن زيادة إجمالي نسبة الدهون بالجسم تزيد من احتمالية حدوث تغيرات يمكن رصدها تحت المجهر في الكتلة البيضاء بالمخ".

ويرجح الباحثون أن انخفاض حجم الكتلة الرمادية يؤدي إلى فقدان الوصلات العصبية في حين أن تغيرات الكتلة البيضاء قد تؤثر عكسيًّا على انتقال الإشارات داخل شبكات المخ. وبما أن صغر حجم الكتلة الرمادية أسفل القشرة المخية يؤدي دورًا في نظام المكافأة الخاص بالطعام، فإن هذه التغيرات تجعل فقدان الوزن أصعب بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من السمنة.

تقول "ديكرز": ثبت أن الالتهاب البسيط المصاحب للسمنة له تأثيرات سلبية على أنسجة المخ، وهناك دليل على أن استجابة الخلايا في المخ لهذا الالتهاب قد تكون وراء هذه التأثيرات، لكننا ما زلنا نحتاج إلى إجراء مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كان ارتفاع نسبة الدهون بالجسم في السن الصغيرة يرتبط فعليًّا بانخفاض حجم الكتلة الرمادية مع تقدم السن، ومعرفة ما إذا كان فقدان الوزن يمكن أن يؤدي إلى تراجع الآثار السلبية للسمنة على المخ أم لا.