تواجه البيئة البحرية في جميع أنحاء العالم صعوبات نتيجة تأثيرات تغيُّر المناخ الآخذة في التسارع، والتي كان من أبرزها تعرُّض شعاب "الحاجز المرجاني العظيم" في أستراليا لعملية موت كارثية في أعقاب موجة شديدة من موجات الحر البحرية الممتدة منذ عام 2016، والتي أدت إلى تغيُّر في الأداء البيئي لما يقرب من ثلثها.

وتشير دراسة نشرتها مجلة "نيتشر كلايمت تشينج" (Nature Climate Change)، اليوم "الإثنين"، 4 مارس، إلى ازدياد حدة موجات الحر البحرية مع زيادة عدد أيام الموجات الحارة بنسبة 54% في الفترة من 1987 وحتى 2016، مقارنةً بالفترة من 1925 وحتى 1954.

ورغم تفاوت حدة هذه الموجات، إلا أنها جميعًا تشترك في تأثيراتها السلبية بعيدة المدى على النظام البيئي، تلك التأثيرات تشمل حالات ابيضاض الشعاب المرجانية، وموت الأعشاب والأسماك البحرية، وهو ما سينعكس بالضرورة على مدى وفرة غذاء الإنسان، وفق الدراسة.

بدأ الفريق البحثي العمل على موضوع الدراسة منذ عام 2014، ونشر 4 ورقات بحثية حول موجات الحر البحرية وتأثيراتها. في حين بدأ العمل الفعلي على الدراسة الحالية في عام 2016. ويتوقع الباحثون أن تصبح موجات الحر البحرية أكثر تك تكرارًا، وأكثر كثافةً، وأطول أمدًا، خلال القرن الحادي والعشرين.

حدد الباحثون، الذين ينتمون إلى عدد من الجامعات الأوروبية والأسترالية، اتجاهات وخصائص موجات الحر البحرية عبر جميع أحواض المحيطات؛ لدراسة آثارها البيولوجية على الأنواع وعلى النظم البيئية.

وخلصت الدراسة إلى أن مناطق متعددة في المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي معرَّضةٌ بشكل خاص لموجات حرارة بحرية كثيفة، سواء بسبب انتشار الأنواع البحرية بعيدًا عن موائلها التقليدية من جَرَّاء تجاوُز الحرارة لدرجاتها بفعل التغيُّرات المناخية وإطلاق الغازات الدفيئة، أو بسبب التأثيرات البشرية غير المناخية المتزامنة، مثل الأنشطة البشرية التي يمارسها الإنسان على الساحل (مناطق موائل الأسماك)، كأنشطة الصيد الكثيف أو التعدين.

يقول "دانيال سمالي" -الباحث في البيئة البحرية والبيولوجيا بجامعة غرب أستراليا، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الهدف من الدراسة كان استخدام إطار موحد يسمح بمقارنة موجات الحر البحرية عبر خطوط العرض وأحواض المحيطات والنظم الإيكولوجية".

ويضيف: "التحليل الذي أجريناه أظهر أن عدد الأيام في أي سنة واحدة، والتي سيتم تصنيفها على أنها أيام موجات الحر البحرية، قد زاد في المتوسط ​​بنسبة 54٪ على مدار 60 عامًا تقريبًا، وهذا يعني أن أي مجموعة من الكائنات البحرية، سواء كانت من الشعاب المرجانية أو الأعشاب البحرية أو الأسماك، من المرجح أن تكون قد تعرَّضت لدرجات حرارة شديدة في المحيط في أوائل القرن الحادي والعشرين، مقارنةً بمنتصف القرن العشرين".

وأوضحت الدراسة أن جميع أحداث موجات الحر البحرية المدروسة جيدًا، مثل تلك التي رُصدت في البحر الأبيض المتوسط وعلى هوامش غرب أستراليا، كان لها آثار بيئية سلبية، وأن عددًا من الكائنات الحية بدايةً من "العوالق النباتية" وانتهاءً بالشعاب المرجانية والأسماك والطيور البحرية تتأثر بهذه الأحداث.

ويُرجع الباحث هذا الارتفاع في درجة الحرارة إلى الأنشطة البشرية التي تُسهم في تفاقم ظاهرة الدفيئة. 

وعن أبرز التأثيرات السلبية لموجات الحر البحرية، يوضح "سمالي" لـ"للعلم" أن "هذه الموجات يمكن أن تؤثر على خدمات النظام البيئي المقدمة للمجتمعات البشرية، مثل التسبُّب في انقراض عدد من أنواع الأسماك والقشريات التي يستهلكها الإنسان في غذائه، وقد يتم إطلاق الكربون المخزن بواسطة الأعشاب البحرية وأشجار المانجروف إذا تم تدميرها بواسطة درجات الحرارة العالية، إضافةً إلى تقليل إمكانية تخزينه في المستقبل".

وتواجه النظم البيئية في المحيط عددًا من التهديدات، مثل التلوُّث الناجم عن مخلَّفات البلاستيك وتحمُّض المحيطات، ولكن من الواضح أن أحداث الاحترار الشديد يمكن أن تؤدي إلى تغييرات مفاجئة في النظم البيئية بأكملها مع عواقب واسعة النطاق. وسوف يكون لموجات الحر البحرية تأثيرٌ كبيرٌ على المحيطات في العقود القادمة، على حد وصف "سمالي".