تحدِّد حركة المياه بين الغلاف الجوي واليابسة والمحيطات الملامح الرئيسية لدورة المياه العالمية على سطح الأرض، التي تمثِّل بدورها أحد المقومات الأساسية للنظام المناخي للكوكب.

وترتبط جميع الظواهر المناخية وتقلبات الطقس بطريقة أو بأخرى بدورة المياه بين الأرض وغلافها الجوي، وتتضمن الأمثلة على ذلك هطول الأمطار الغزيرة في أثناء العواصف الرعدية، والأعاصير المدارية، والفيضانات، وموجات الجفاف، وارتفاع مستوى سطح البحر.

ومع تفاقُم ظاهرة تغيُّر المناخ، في الوقت الراهن، فإن دورة المياه (التي تعكس تغيُّر أشكال مياه الأرض من سائل إلى بخار، ثم إلى جليد، ومرةً أخرى إلى سائل) تشهد هي الأخرى تغيرات مهمة، وتغطي المياه أكثر من 70% من سطح الأرض، وتستأثر المحيطات بنسبة 97.5% من مجموع المياه الموجودة على سطح الأرض، ولا تمثل المياه العذبة سوى نسبة 2.5%، في حين يشكل الجليد نسبة 69% من تلك المياه العذبة، وفق تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

وتشير العديد من النماذج التجريبية إلى أن دورة المياه العالمية أصبحت أكثر اتساعًا، ما يعني أن كميات أكبر من مياه المحيطات أصبحت تتبخر إلى الغلاف الجوي، وبالتالي تزداد معدلات هطول الأمطار، وهو الأمر الذي كان من الصعب تأكيده في السابق، نظرًا لعدم القدرة على تقييم التغيرات السابقة في دورة المياه، بسبب صعوبة قياس معدلات التبخر وهطول الأمطار على نطاق عالمي، بالإضافة إلى صعوبات ترتبط بتوقعات أماكن هطولها وتوقيتاته.

لكن فريقًا من العلماء، بقيادة لي جينج تشينج -من معهد الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم- تغلب على تلك القيود، مقدمًا دليلًا جديدًا على أن دورة المياه العالمية بدأت تتسع بشكل كبير على مدار الـ50 عامًا الماضية، استنادًا إلى بيانات قياس درجة ملوحة مياه المحيطات منذ عام 1960.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "جورنال أوف كلايمت" (Journal of Climate)، اليوم "الأربعاء"، 9 سبتمبر، فقد ضم الفريق باحثين من المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي بالولايات المتحدة الأمريكية، والمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ بسويسرا، ومن جامعتي سان توماس وولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة.

يقول تشينج: إن "التغير في ملوحة المحيطات يمكن الاستناد إليه في تقييم حجم التغير في دورة المياه؛ وذلك لأنه يكشف عن مستوى تبادلات المياه العذبة السطحية عالميًّا، إذ يأخذ التبخر المياه العذبة من المحيط إلى الغلاف الجوي، وبالتالي تزيد مستويات ملوحة المحيطات، بينما تؤدي الأمطار إلى زيادة المياه العذبة في المحيطات، وبالتالي تقليل الملوحة"، موضحًا أن "التغير في مستوى الملوحة يكشف عن حجم التأثيرات على نطاق واسع، مما يوفر مؤشرًا جيدًا على مستويات التغير في دورة المياه".

من جهته، أكد كيفن ترينبرث -الباحث بالمركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي، والمؤلف المشارك للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" أن "الدراسة تقدم طريقةً أكثر مصداقيةً لتقييم التغير في درجة الملوحة على المدى الطويل؛ إذ أظهرنا أن هذه الطريقة لإعادة بناء نماذج جديدة لقياس الملوحة تتميز بأن لديها استمرارية أفضل كثيرًا من رصد التغيرات من خلال نظام المراقبة، الذي يعتمد على قياسات الارتفاع بواسطة الأقمار الصناعية، أو العائمات المثبتة على سطح المياه في المحيطات".

يضيف ترينبرث: البيانات الجديدة تُظهر أن نمط الملوحة الحالي قد تضخَّم كثيرًا، أو بعبارة أخرى، فإن مستويات المياه العذبة ازدادت عذوبةً، ومستويات المياه المالحة أصبحت أكثر ملوحةً، في معظم المحيط.

ويتابع: أظهرنا، لأول مرة، أن متوسط ملوحة المياه على سطح المحيط وحتى عمق 1000 متر، يقدم مؤشرات على مستويات عذوبة المياه في المحيط الهادئ بأكمله، وزيادة الملوحة في مناطق خطوط العرض المنخفضة والمتوسطة من المحيط الأطلسي، مع زيادة العذوبة في شمال الأطلسي، فضلًا عن تبايُن كبير بين شمال المحيط الهندي وجنوبه.

وحول ما توصلت إليه الدراسة من أن دورة المياه العالمية ازدادت اتساعًا نتيجة ارتفاع معدلات الاحتباس الحراري، قال: "إن درجات الملوحة الناتجة عن هطول الأمطار أو التبخر تشكل جزءًا رئيسيًّا من الدورة الهيدرولوجية، أما المحيط فيعمل كمقياس ضخم للأمطار، ونقوم بتحديد الأماكن التي تزداد درجة الملوحة بها، والأخرى التي تصبح أكثر عذوبةً، مع ملاحظة أن هذه الأماكن غالبًا ما تكون في مناطق أكثر ملوحةً أو عذوبةً وَفق طبيعة المحيط.

وأضاف "ترينبرث" أن "هذا يحدث في العادة نظرًا إلى أن هطول الأمطار لا يكون بشكل متساوٍ على كل سطح المحيط، كما لا يحدث هطول غزير للأمطار في جميع المناطق، وإنما يتركز في مناطق تشهد بالفعل هطولًا كثيفًا للأمطار، وهذا يجعل المناطق الرطبة أكثر رطوبةً، والمناطق الجافة أكثر جفافًا، ويؤدي ذلك إلى أن المناطق المالحة من المحيط تصبح أكثر ملوحةً، والمناطق العذبة تزداد عذوبة.

وأوضح أن الاحتباس الحراري يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة، وبالتالي زيادة معدلات التبخُّر في المسطحات المائية، إلا أن الاستثناء الرئيسي يتمثل في المناطق التي ترتفع معدلات تلوث الهواء فيها، حيث تتسبب الملوثات والعوالق الهوائية في حجب ضوء الشمس عن الوصول إلى مسطحات المياه، وفق "ترينبرث".

وعن التأثيرات المحتملة لتغيُّر درجة ملوحة المحيطات على الأمن الغذائي وصحة البشر، أوضح أن التغيُّر في ملوحة مياه المحيط يؤثر في كثافته، وبالتالي في حركة التيارات المائية، وقد ينتج عن هذه التأثيرات أضرار واسعة على شبكة الغذاء بأكملها، بدايةً من العوالق النباتية والكائنات الحيوانية الدقيقة وصولًا إلى الأسماك والثدييات المائية؛ إذ يعتمد الكثير من البشر على حصاد المحيطات، وتؤدي هذه التغيرات إلى تعرُّض الكائنات البحرية لكثير من المخاطر الجسيمة.