لا يزال العلاج الكيميائي، حتى الآن، الوسيلة الأشهر للتعامل مع الأورام السرطانية، رغم آثاره الجانبية، وأبرزها الشعور بالألم والهزال وسقوط الشعر وفقدان الشهية، ما دفع فريقًا بحثيًّا مشتركًا من جامعتي القاهرة وزويل المصريتين إلى المشاركة في استراتيجية عالمية تهدف إلى توفير بدائل له.

الاستراتيجية الجديدة ترتكز على دراسة خصائص علاجية جديدة لدواء متداول بالفعل، بهدف اكتشاف إمكانية الاستفادة منه في علاج أمراض أخرى، ما يضيف لجدوى هذا الدواء ويوفر كثيرًا من الجهد والوقت والمال.

 الفريق البحثي الذي قاده "إبراهيم الشربيني"، أستاذ علوم النانو والرئيس المؤسس لبرامجها ومدير مركز أبحاث علوم المواد بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، اعتمد على دراسات سابقة أظهرت أن عقار "الميتفورمين" Metformin، المستخدم لخفض سكر الدم، يمكن توظيفه في علاج سرطانات القولون والبروستاتا والثدي. ولكن كانت المشكلة أنه لا يحقق درجة التأثير نفسها التي يُحدِثها العلاج الكيميائي.

تقول "خلود عرفة"، الباحث المساعد بمركز أبحاث الشيخوخة بالمدينة، وأحد المشاركين في البحث الذي نُشر في فبراير الماضي بدورية درج ديفيلوبمنت أند إندستريال فارماسي Drug Development and Industrial Pharmacy: "ما عملنا عليه هو تحميل هذا العقار على حاملات دواء نانوية تم تحضيرها من بوليمرات طبيعية أبرزها الكيتوزان، لاستهداف خلايا سرطان القولون".

اختير سرطان القولون من بين الأنواع الأخرى من السرطانات بعد أن أثبتت التجارب أن البوليمر الذي تم تحميل الدواء عليه لا يحدث له التحلل الذي يطلق الدواء منه ببطء إلا في مستوى القلوية الخاص بالقولون، وبالتالي فإن الدواء لن يستهدف إلا الأورام التي توجد في القولون، كما توضح الباحثة في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

وظهر عقار الميتفورمين،        لأول مره عام 1920، وتم توصيفه كدواء فعال في خفض سكر الدم؛ إذ يعمل على خفض جزيئات الدهون في الكبد، الأمر الذي يسمح للإنسولين بالعمل على نحوٍ أفضل، لذلك فهو يستخدم لعلاج مرضى داء السكري من النوع الثاني الذين ما زالت لديهم خلايا فعالة تفرز الإنسولين في البنكرياس.

ناقلات نانوية

وحول التأكد من فاعلية هذه الطريقة لتوصيل العقار لعلاج سرطان القولون، تقول خلود: "اختبرنا فاعلية العقار في صورته الحرة، وكذلك في صورته المحملة على الناقلات النانوية لتدمير خلايا سرطان القولون معمليًّا، فوجدنا أن الدواء المحمَّل على الناقلات النانوية يحقق نتيجةً تفوق الدواء في صورته الحرة بمعدل خمسة أضعاف، كما اختبرناه مقارنةً بدواء كيميائي شائع الاستخدام وهو (الدوكسوروبيسين) Doxorubicin، فوجدنا أنه يُحدث أثرًا تدميريًّا للخلايا السرطانية مقاربًا لتأثير الدواء الكيميائي".

ويُعَد دواء (الدوكسوروبيسين) من أشهر الأدوية الكيميائية في علاج السرطان، واعتاد العلماء تسميته بـ"الشيطان الأحمر"، في إشارة إلى الآثار الجانبية الخطيرة للدواء على الجسم، و"الأحمر" يرمز للون هذا الدواء، لذلك يُستخدم تحت رقابة طبية صارمة؛ إذ إن تعاطي جرعات زائدة منه يشكل خطرًا كبيرًا ويتطلب تدخلًا طبيًّا فوريًّا.

أعراض أقل قسوة

وتساعد النتائج التي تم التوصل إليها في إنهاء معاناة المرضى مع هذا الشيطان الأحمر، إذ إن التحلُّل البطيء للناقلات النانوية يعمل على تعظيم الاستفادة من دواء الميتفورمين، ويمكن التحكم في معدلات خروجه لتصل إلى 48 ساعة، ما يساعد على تقليل عدد الجرعات التي تُعطَى للمريض، فضلًا عن أن الأعراض الجانبية للدواء ليست قاسيةً مثل دواء (الدوكسوروبيسين).

وكانت دراسات سابقة قد أُجريت على استخدام عقار الميتفورمين في صورته الحرة لعلاج سرطانات القولون والثدي والبروستاتا، فكانت كفاءة وصوله إلى المناطق المصابة غير مشجِّعة، وهي المشكلة التي عالجها تحميله على الناقلات النانووية المحضَّرة من بوليمرات طبيعية، كما أثبتت التجارب.

ويُثني "محمد عز العرب"، مؤسس وحدة الأورام بمعهد بحوث الكبد، على هذه النتائج، التي تتماشى مع التوجه العالمي نحو إعادة استخدام عقاقير قديمة في أغراض جديدة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته حاجة هذه النتائج التي تم التوصل إليها لمزيد من الأبحاث لتأكيدها عبر الانتقال بالتجارب إلى مستويات أخرى.

ويقول عز العرب لـ"للعلم": "بعض التجارب التي تُجرى معمليًّا، قد تأتي بنتائج مختلفة عند تطبيقها على حيوانات التجارب، وقد تأتي التجارب على متطوعين من البشر بنتائج مختلفة عند إجرائها على حيوانات التجارب، لذلك فإن النتائج المعملية لا يمكن الاعتماد عليها لإعطاء رأي قاطع، وإن كانت تعطي مؤشرًا إيجابيًّا".

ويضيف: "التحدي الأكبر الذي سيواجه الفريق البحثي هو التجارب على متطوعين من البشر، ونتمنى أن تحل هذه المشكلة قريبًا بصدور قانون الأبحاث الإكلينيكية والتجارب السريرية".

ما تمناه عز العرب ينتظره مجتمع البحث العلمي لاختبار كثير من التجارب التي تم إثباتها معمليًّا، ولكن إلى أن يحدث ذلك يقول د. إبراهيم الشربيني: "جهودنا مستمرة لاختبار العقار على مستوى حيوانات التجارب، انتظارًا للمرحلة الأكبر والأهم، وهي التجارب على متطوعين من البشر".