ارتبطت معرفة الإنسان للزراعة، بالميل إلى الاستقرار الاجتماعي، ونشأة التجمعات البشرية، وتأسيس القرى والمدن، ما اعتبره المؤرخون المقدمة الطبيعية لنشأة الحضارة الإنسانية. ويرتبط أصل التحضر الإنساني ارتباطًا وثيقًا باكتشاف الإنسان لزراعة محاصيل الحبوب التي شكلت الجزء الأكثر أهميةً في النظام الغذائي للبشر منذ الأزمنة الأولى وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من أنه غير معلوم حتى الآن متى عرف الإنسان الزراعة، على وجه الدقة، إلا أن أغلب الظن أن تاريخ نشأتها يعود إلى أكثر من 10 آلاف عام قبل الميلاد، وجرى ذلك في مناطق متفرقة من العالم؛ إذ كان القمح والشعير من أوائل المحاصيل التي جرت زراعتها. وقد أسهم التطور الكبير في تقنيات التسلسل الجيني وكذلك تكنولوجيات تجميعه في تعضيد الأدلة العلمية عن الأنماط التاريخية لحركة محاصيل الحبوب حول العالم واستئناس الإنسان القديم لها.

في دراسة حديثة، نُشرت اليوم الإثنين 4 نوفمبر، في دورية "نيتشر بلانتس"، تتبَّع فريق دولي من الباحثين -تقوده كلية لندن الجامعية- التسلسل الجينومي للقمح المصري القديم لأول مرة. حدد الباحثون في الدراسة الجديدة الخريطة الوراثية لعينة من القمح تم حصدها منذ أكثر من 3000 عام، وتم التنقيب عنها وعُثر عليها ضمن الحفريات الأثرية، والمقابر المصرية القديمة، قرب الهمامية في محافظة أسيوط في عام 1924. وتُعرض عينة القمح المصري هذه حاليًّا في متحف "بتري للآثار المصرية" في كلية لندن الجامعية بعد حفظها هناك لمدة 90 عامًا.

القمح الفرعوني

وكان نوع القمح الذي استُخدمت مادته الوراثية في الدراسة من نوع القمح ثنائي الحبة أو قمح "إيمر"Tetraploid emmer wheat، المحفوظ بقشوره في متحف "بتري"، وهو واحد من أقدم الحبوب المستأنسة في العالم القديم. أطلق عليه الرومان اسم "القمح الفرعوني"؛ لأنه كان أكثر أنواع القمح شيوعًا في مصر القديمة.

كان قمح "إيمر" من أوائل الحبوب التي استُؤنست في العالم القديم قبل حوالي 9700 ق.م. في منطقة الهلال الخصيب، ومنها انتقلت زراعته إلى جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا وأوروبا مع انتشار الزراعة في العصر الحجري الحديث. وكان لـ"إيمر" مكانة خاصة في مصر القديمة، حيث كان القمح الرئيسي المزروع في العصور الفرعونية القديمة، وتكمن قيمته في قدرته على إعطاء غلة جيدة للتربة الفقيرة، ومقاومته للأمراض الفطرية، مثل صدأ الساق الذي ينتشر في المناطق الرطبة، وفق "محمد عابدين" -الباحث في تربية النبات والوراثة الكمية في مركز البحوث الزراعية. وأوضح "عابدين" في تصريح لـ"للعلم" أنه "بما أنه يوجد تشابه قوي في الشكل والتركيب الوراثي بين النوعين البري والمستأنس، أوضحت الدراسات أن قمح إيمر البري هو سلف للإيمر المستأنس".

القمح الذي استُخدمت مادته الوراثية في الدراسة من نوع القمح ثنائي الحبة أو قمح "إيمر المحفوظ بقشوره في متحف "بتري"، وهو واحد من أقدم الحبوب المستأنسة في العالم القديم. credit: Dr Michael Scott, UCL Genetics Institute

"يعتبر القمح ثنائي الحبة أو قمح إيمر هو أحد أنواع جنس القمح، وهو نوع من القمح الذي ينتج حبوبًا مركبة على شكل سنابل، والفرق الرئيسي بين الأنواع البرية والأنواع المستأنسة هو أن رؤوس الحبوب الناضجة من الأنواع البرية تكسر وتنتشر الحبوب على الأرض، أما في الأنواع المستأنسة فتبقى رؤوس الحبوب سليمة، وبالتالي تسهل على البشر عملية حصاده دون فقد كميات كبيرة منه"، وفق "عابدين".

أظهر الباحثون في الدراسة أن القمح الفرعوني يحتوي بالفعل على معظم الخصائص الوراثية المرتبطة بالاستئناس. على سبيل المثال، كان القمح "الفرعوني" يتميز بطفرات جينية تجعله أكثر قدرةً على التماسك وتُضعف من فرص تكسُّره، مما يعني زيادة قدرة المحصول على الاحتفاظ ببذوره، ما يسهل من عملية الحصاد.

كما تكشف الدراسة عن أن معظم القمح الذي يُزرع في العالم اليوم هو قمح الخبز، وهو نتيجة تهجين بين القمح الفرعوني والقمح البري، كما يُعد قمح "إيمر" نفسه أحد الأقماح الناتجة عن عمليات تهجين قديمة في البرية.

ارتباط جيني

يقول "مايكل سكوت"، من معهد الوراثة في كلية لندن، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن القمح المبحوث يتكون من قطع جينية ناتجة عن التهجين مع أنواع أخرى. وبعد أن صنع "سكوت" وفريقه خبزًا من بعض حبوب القمح القديمة هذه، قال إنه رغم قلة "الجلوتين" في الخبز، كان طعم رغيف الخبز لذيذًا. 

صنع "سكوت" وفريقه خبزًا من بعض حبوب القمح القديمة credit:Dr Michael Scott, UCL Genetics Institute

تم قياس تاريخ عينات القمح باستخدام الكربون المشع والتحليل الطيفي، وقد جُمعت العينات النباتية المستخدمة في هذه الدراسة من الجانب الغربي للموقع الأثري في الهمامية. ووجد الفريق البحثي أن العينة المصرية القديمة تختلف عن القمح الحديث، ولكنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقمح الإيمر الحديث، الذي يُزرع في مناطق مختلفة بالهند وسلطنة عمان وتركيا.

ويوضح "سكوت" في تصريح لـ"للعلم" أن هذه النتائج التي عمل الفريق على مدار ثلاث سنوات للوصول إليها، تشير إلى وجود علاقة جينية بين التوسعات المبكرة في زراعات القمح في شرق وجنوب منطقة زراعة قمح الإيمر الأولى في منطقة الهلال الخصيب في العراق. وترجح الدراسة أن يكون قد جرى استئناس هذا النوع من القمح في الفترة بين (9700 - 6300) قبل الميلاد، وقبل حقبة إدخال قمح إيمر إلى مصر، والتي تقدرها الدراسة بالفترة (بين 5500 و4500 قبل الميلاد)، وفقًا للأدلة الأثرية التي عثر عليها الباحثون.

وتدعم هذه الفرضية -بشأن نشأة الزراعة وانتشارها في منطقة الهلال الخصيب- نتائج دراسة سابقة نُشرت في دورية "نيتشر"، تشير بالأدلة الجغرافية والوراثية إلى المنطقة بالقرب من مصادر نهري دجلة والفرات، باعتبارها مهد الزراعة. كما تشير الدراسة إلى انتقال الأنواع النباتية بين المناطق الحضرية المحيطة بمنطقة الهلال الخصيب في مصر وتركيا. 

وتشير دراسة أخرى نُشرت في دورية "نيتشر بلانتس" إلى تجاوُز زراعة القمح منطقة الهلال الخصيب إلى شرق آسيا في منطقة حوض النهر الأصفر في الصين قبل حوالي 2600 عام. 

ويضيف الباحث أنه في الآونة الأخيرة جرى تطوير مجموعة من البروتوكولات العلمية وطرق التحليل للحصول على تسلسل الحمض النووي القديم والتحقق من صحته. ويوضح أنه بمرور الوقت، ينقسم الحمض النووي إلى أجزاء أصغر ويتراكم نمطٌ مميزٌ من الطفرات، وبمجرد أن نكون على ثقة من أن لدينا الحمض النووي القديم أصلًا، يمكننا مقارنة الاختلافات في تسلسلات الحمض النووي مع العينات الحديثة. "كان الحمض النووي القديم من هذه العينة المصرية من نوعية جيدة، وربما يرجع ذلك إلى الظروف البيئية الجافة محليًّا"، يقول "سكوت".

نتائج مهمة

يصف "تشاد نيدرهوث" -أستاذ بيولوجيا النبات المساعد في جامعة ميتشجن الأمريكية- في تصريح لـ"للعلم" نتائج الدراسة بـ"المهمة"؛ لأنها "تتيح لنا من خلال البيانات الوراثية التي جمعها الباحثون من العينات أن ننظر في التركيبات الجينية للمحاصيل القديمة وعلاقتها بالمحاصيل التي نتغذى عليها اليوم، بالإضافة إلى توضيح العلاقة بين النباتات القديمة بعضها وبعض". ووفق "نيدرهوث" فإن دراسة الخصائص الجينية للمحاصيل القديمة تمكِّننا أيضًا من استنبات محاصيل جديدة أكثر قدرةً على التكيُّف مع الظروف البيئية في المستقبل. 

أما "عابدين"، فيوضح أن القمح هو الغذاء الأساسي الذي يعيش عليه أكثر سكان العالم، لذا يستوجب إجراء العديد من الدراسات التصنيفية والجينية على الأصول الوراثية، وسجلات النسب، ومراكز النشوء لهذا المحصول الإستراتيجي، مما قد يعود إيجابيًّا على زيادة عائد الإنتاج الكلي، بما يتناسب مع الزيادة المطَّردة في عدد السكان على مستوى العالم.

"وتُظهر نتائج الدراسة أهمية مجموعات الحبوب المحفوظة في المتاحف، باعتبارها مصادر للبيانات الجينية للكشف عن تاريخ الحبوب القديمة وتنوعها، والصفات المشتركة بينها وبين الحبوب الحديثة المزروعة حاليًّا. وعلى الرغم من أهميتها، فإن التحليلات السابقة لتسلسل الجينوم بالكامل من القمح القديم غير متوافرة"، يقول "عابدين".

أما المؤلف الرئيسي في الدراسة "سكوت" فيشير إلى أن هذه الدراسة درست موقعًا واحدًا فقط من مواقع زراعة القمح الإيمر وفي فترة زمنية محددة. "سيكون من المثير للاهتمام مقارنة البيانات الجينية من قمح الإيمر المزروع حديثًا، خاصة تلك التي تُزرع الآن في أفريقيا"، يوضح "سكوت". 

ويضيف أن جينومات القمح القديمة الأخرى ستكون ذات قيمة كبيرة تستحق الدراسة، مما يسمح لنا بتحديد تحرُّكات المحاصيل التاريخية والتغيُّرات التي طرأت عليها فيما يتعلق بالتنوُّع الجيني، وهو ما دعا "سكوت" للتعبير عن رغبته في وجود تعاون مع الباحثين المقيمين في المناطق ذات الصلة والمهتمين بمعالجة هذه القضايا.