كان عام 2001 هو نقطة التحول في حياة الشاب الذي كان قد أتم بالكاد عامه الثامن عشر، فداخل إحدى القاعات الدراسية جلس عمر الحلفاوي، مُستعدًّا للمحاضرة الأولى في عامه الجامعي الثاني. بعد لحظات، دلف الدكتور "مصطفى النقيب"، وعلى "سبورة" المدرج كتب بالقلم عنوانًا من كلمتين: "المضادات الحيوية".

ومن وقتها وإلى الآن، ارتبطت الكلمات بـ"الحلفاوي"، مستقرةً راسخةً داخل عقله، بل وكيانه كله. فقد انقلبت حياة " الحلفاوي" رأسًا على عقب، وقرر الاستمرار في دراسة هذا النوع من المواد الكيميائية. وطيلة السنوات الماضية، انخرط الشاب في ذلك المجال، حتى تمكَّن مؤخرًا من ابتكار مركب حيوي جديد يُمكن أن يُسهم في القضاء على مُقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

حصل "الحلفاوي" على شهادته العلمية الأساسية بترتيب متقدم من كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية عام 2005، عُيّن في الجامعة في العام ذاته، مدرسًا بقسم الميكروبيولوجي. بدأ أبحاثه العلمية في المجال ذاته حتى حصل على شهادة الماجستير عام 2009.

خلال العمل على رسالة الماجستير، قام "الحلفاوي" بمساعدة فريق علمي لتصميم "ضمادة ذكية"، مُكونة من ألياف نانوية تحتوي على مضاد حيوي، المكوِّن الرئيسي فيه هو حمض الفوسيديك. تقوم تلك الضمادة بإفراز ذلك المُضاد "وقت الطلب". فحين تهاجم البكتيريا الضمادة، تُدمر الألياف المكونة لها، فيفرز المُضاد الحيوي على الجرح، وبالتالي كلما زاد عدد البكتيريا الموجودة في مكان الجرح، أفرزت الضمادة كميةً أكبر من المضاد الحيوي. "كانت الفكرة رائدةً وقتها.. إذ تلافى الفريق خطر امتصاص المضادات الحيوية بصورة كبيرة في الجروح، وتمكَّن من عمل ضمادة ذكية تُفرز فقط الكمية المناسبة لقتل البكتيريا.. دون زيادة أو نقصان".. وفق ما يقول "الحلفاوي" في تصريحاته لـ"للعلم".

credir:Omar El-Halfawy

 وبعد عام قرر السفر إلى الخارج للحصول على شهادة الدكتوراة من جامعة "ويستيرن أونتاريو" الكندية، التي تُعد واحدة من أعرق الجامعات الكندية وأكثرها شهرة.

في تلك الجامعة، عمل "الحلفاوي" على محاولة فهم الطرق غير التقليدية التي تُقاوم بها البكتيريا المضادات الحيوية. كانت الطريقة المعروفة هي أن البكتيريا تنقل "خبراتها" الخاصة بالمضاد الحيوي عن طريق الجينات إلى السلالات المختلفة. وبالتالي تستطيع كل سُلالة مقاومة المُضاد الحيوي بطريقة أفضل.

إلا أن "عمر" والفريق البحثي الذي يعمل ضمنه اكتشف طريقة تستخدمها البكتيريا في مواجهة المضادات الحيوية، عن طريق ظاهرة "تكافلية"، بها تحمي البكتيريا بعضها بعضًا بواسطة بروتينات قادرة على مُعادلة أثر المُضاد الحيوي، وتحييد تأثيره بصورة كاملة.

كان ذلك الاكتشاف مفاجئًا للغاية، إذ لم يُلاحظ العلماء من قبل تلك الظاهرة على الإطلاق. يقول عُمر في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن العدوى تحدث في الغالب من جَرَّاء أنواع مختلفة من البكتيريا داخل المكان ذاته، وحين "تشعر" البكتيريا بالخطر –المتمثل في المضاد الحيوي- يبدأ بعضها في إفراز بروتينات "تُشكل درعًا حول الأنواع الأخرى من البكتيريا لحمايتها"، وهي ظاهرة غريبة، لم يلاحظها العلماء إطلاقًا.

بعد عدة سنوات قضاها "الحلفاوي" في جامعة "ويسترن أونتاريو"، قرر الصيدلي المصري الانتقال إلى جامعة "ماكماستر" الكندية. كان الهدف الرئيسي من انتقاله إلى تلك الجامعة هو التركيز على اكتشاف مُضادات حيوية جديدة.

في تلك الجامعة "كان لدينا مكتبات من المواد الكيميائية"، على حد قول "الحلفاوي". بدأ الباحث الشاب في اختبار تلك المركبات على البكتيريا العنقودية الذهبية، بهدف تثبيطها، وتقليل ضراوتها وعدوانيتها؛ "لجعل فرصتها أقل في مقاومة المضادات الحيوية الموجودة حاليًّا بالأسواق".

وبالفعل، تمكن "الحلفاوي" –بمساعدة فريق علمي من الجامعة- من ابتكار مركب يُساعد الجهازَ المناعي على إزالة عدوى المكورات، وهي النوع الأكثر انتشارًا من البكتيريا، بشكل أكثر فاعلية، كما يسلبها القدرة على فعل العديد من السلوكيات التي تجعل علاجها صعبًا للغاية.

credir:Omar El-Halfawy

قبل أن يتجه إلى مجال البحث العلمي، عمل "الحلفاوي" صيدليًّا، ويقول الشاب –الذي وُلد في عام 1983- إنه قرر الاتجاه لمجال البحث العلمي بدافع "الشغف". رغم صعوبة ذلك المجال، إلا أنه استمع في بداية الطريق إلى نصيحة لا يزال صداها في أذنيه. "الباحث يجب أن يتعلم التعامل مع الاحباطات قبل أن يبدأ بحثه".. يقول "الحلفاوي" إن تلك النصيحة بمنزلة الكأس المقدسة لكل باحث في أى مجال، "نُجري مئات التجارب، ينتهي معظمها بالفشل، يجب أن نتعلم أن الفشل في مجال البحث العلمي هو نتيجة إيجابية!".

يعمل "الحلفاوي" الآن على اكتشاف إمكانيات علاجية لنبات "القنب". إذ تمكَّن من عزل مجموعة من المواد القادرة على قتل البكتيريا سالبة الجرام، عبر منعها من تكوين أغشية حيوية، "وهي خط الدفاع الأساسي لذلك النوع من البكتيريا مزدوجة الغشاء".

يأمل الشاب أن تُسهم أبحاثه في ابتكار مُضادات حيوية جديدة قادرة على حماية مئات الألوف من ضحايا البكتيريا الشرسة المُقاومة للمضادات الحيوية.

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019