وسط الحاشية، جلس على عرشه، بقامته القوية وعضلاته المفتولة وشعره الأسود المُجعد استقبل رسول الغازي، كان الملك الذي عبر لتوه عقده الرابع من العمر يرث ميراثًا ثقيلًا من الفراعنة السابقين؛ ففي الشمال عدوٌّ متبجح، يناور ويناوش ويرغب في الاستيلاء على ما تبقى من الدولة التي نهشها ضعف حكامها، كان الفرعون العظيم مجتمعًا بقادته، يناقشهم في الوضع المتردِّي، ويرغب في دفع العدوان حين دخل عليه ذلك الرسول.

أما الملك فهو "سقنن رع تاعا الثاني"، وأما الرسول فهو أحد مبعوثي حاكم الهكسوس "أبوفيس"، جاء حاملًا الرسالة من سيده المغتصِب، يُخبر فيها الملك بأن أصوات أفراس النهر في طيبة تُزعجه، بذكاء مُتَّقد، فهِم الفرعون المطلوب، فإما أن يقتل أفراس النهر جميعها، ويكون ذلك اعترافًا بالإذعان، وإما الحرب.

بكرمٍ حاتمي، أمر الفرعون بإكرام رسول الغازي وتقديم سُبل الراحة إليه، ثم طلب منه العودة إلى سيده دون رد، وبعد رحيله، اجتمع بقادة الجيش وعرض عليهم الأمر فأصابهم الوجوم، هنا، تنتهي البردية المحفوظة بالمتحف البريطاني، والتي تؤرخ لتلك الواقعة.

إلا أن الوقائع التاريخية تُكمل القصة، وتُخبرنا عن خيار الفرعون؛ فـ"سقنن- رع الثاني" اختار الحرب، وأشعل ثورةً أكملها ابنه "كاموس"، ثم جاء من بعده خلفًا حرر البلاد وشتت الغزاة.. الملك أحمس.

شرارة البداية
في عام 1880 عُثر على تابوت يحتضن مومياء الفرعون العظيم "سقنن- رع الثاني"، كشف فحص موميائه عن أكفان فكت عن آخرها ثم لُفت على عجل، وعن رأسٍ ممتلئ بالجروح، وتحنيط كان العلماء يظنون أنه دون المستوى، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن، وُضعت عشرات النظريات حول وفاة "سقنن- رع"، إلا أن دراسةً حديثة، نفذتها الباحثة المصرية الدكتورة سحر سليم، وتعاون معها وزير الآثار المصري الأسبق، زاهي حواس، تكشف عن سيناريو جديد حسمته الأدلة العلمية.

credit: Dr. Sahar Saleem 

فالملك العظيم كان مُحاربًا صنديدًا، دخل معركة الكرامة مع الهكسوس، وأُصيب في الصفوف الأمامية، وربما أُسر خلال المعركة وأُعدم في ساحتها، فأشعل مقتله الثورة، وجاء من صلبه "أحمس" الذي طرد الهكسوس شر طردة، انتقامًا لوالده وأخيه "كاموس".

تبدأ رحلة الكشف عن ذلك السيناريو قبل أكثر من 25 عامًا، وقتها، كانت "سليم" تخطو خطواتها الأولى لتعلُّم فنون الكشف بالأشعة المقطعية في جامعة "ويسترن أونتاريو" الكندية، كانت تلك الطبيبة التي تشغل الآن منصب أستاذ الأشعة التشخيصية في كلية الطب جامعة القاهرة، تدرس تلك التقنية لتطبيقها على الأحياء، إلا أن القدر ألقى في طريقها تلك الصدفة.

ففي أثناء محاضرة اعتيادية في تلك الجامعة الكندية، طلب الأستاذ من مجموعتها فحص مومياء فرعونية، "تلك كانت لحظة الشرارة.. فقد تساءلتُ وقتها: لمَ لا أتخصص في دراسة المومياوات؟".

عادت "سليم" إلى مصر مُحملةً بمعارف جديدة، وفي عام 2005، اشتركت في مشروع "فحص المومياوات الملكية" الذي بدأ بمومياء توت عنخ آمون، وامتد ليشمل 21 مومياء ملكية، من ضمنها رمسيس الثاني.

في مايو 2019، قررت "سليم" فحص مومياء "سقنن- رع"، كان المسؤولون على وشك نقلها إلى متحف الحضارة الجديد، "ولطالما فُتنت بتلك الشخصية"، تقول "سليم" في تصريحاتها لـ"للعلم".

كان "سقنن-رع" ملكًا مميزًا، رمزًا لبطولة عسكرية ومثالًا يُحتذى به، على حد ما تقول "سليم"، إلا أن المعلومات التاريخية حوله ظلت غير موثقة؛ فلا أحد يعرف على وجه الدقة الكيفية التي قُتل بها أو موقع مقتله؛ "فمنذ الكشف عن المومياء ظهرت آثار تعرُّض ذلك الفرعون لهجوم وحشي، لكن لم يوثق أحدٌ سيناريو مقتله".

سيناريوهات عملية القتل
وضعت الطبيبة المصرية مومياء "سقنن- رع" على جهاز الأشعة المقطعية، لتلتقط أكثر من 2000 صورة للمومياء، "يختلف التصوير بالأشعة المقطعية عن التصوير بالأشعة العادية.. فالأولى تُعطي صورةً ثلاثية الأبعاد، أما الثانية فتمدنا بصور ثنائية الأبعاد".

بعد التصوير.. بحثت "سليم" عما كُتب بخصوص سيناريوهات مقتل "سقنن-رع"، كان السيناريو الأول أنه قُتل في مؤامرة دُبرت له في قصر، وضع ذلك السيناريو أحد علماء المصريات "إليوت سميث"، وقال إن الفرعون كان فريسةً لهجوم غادر من شخص أو أكثر. 
يقول "سميث" إن "سقنن-رع" قُتل في فراشه في أثناء نومه، فقد تسلل القاتل أو القتلة من خلفه وطعنوه بخنجر تحت أذنه اليسرى، فلم يستطع الفرعون رفع ذراعيه والدفاع عن نفسه، ثم انهال عليه القاتل بأسلحة متنوعة شملت بلطات وعِصِيًّا، فوقع الضحية على وجهه، ثم استلقى على جانبه الأيسر وتدلَّى لسانه خارج فمه ليضغط عليه بأسنانه بشكل ينم عن الألم المبرح.

أما السيناريو الثاني فوضعته مجموعةٌ أخرى من علماء المصريات، جاء في ذلك السيناريو أن الفرعون قُتل بعيدًا عن طيبة، ربما كان ذلك في أثناء المعركة، يدعم ذلك السيناريو حالة تحنيط الجسد، الذي ظن العلماء أنه تعفَّن جزئيًّا قبل إجراء عملية التحنيط على عجل.

تقول "سليم" إن كلا الافتراضَين على درجةٍ كبيرةٍ من الخطأ، وتُدلل على وجهة نظرها بالكثير من الصور الملتقَطة بجهاز الأشعة المقطعية، وبابتسامة تنم عن ثقة بأدلتها.. تُكمل الطبيبة المصرية الحكاية.

على بُعد عشرين كيلومترًا جنوب مدينة "دندرة" التابعة لمحافظة قنا المصرية، يقع الموقع الأثري المعروف باسم "دير البلص"، يعج ذلك الموقع ببقايا لقصر ملكي بُنى على عجل، اتخذه "سقنن- رع" قاعدةً عسكريةً لحملاته ضد الغزاة، من هنا تبدأ القصة الحقيقية، كما ترويها الدراسة.

من ذلك القصر خرجت الحملة العسكرية التي كان في طليعة صفوفها الملك الشاب "سقنن- رع"، وفي مكانٍ ما، بين ذلك المكان وعاصمة الهكسوس "أفاريس"، التقى الجيشان وكانت المعركة ضارية.

"لم يحتمِ سقنن- رع بجنوده، كان على خط المواجهة وقُتل بشكل وحشي"، تقول "سليم" في تصريحاتها لـ"للعلم"، هكذا تُشير الأدلة؛ فالفرعون كان رجلًا حتى النهاية!

مفاجأة غير متوقعة
نعود إلى نتيجة فحص المومياء بالأشعة المقطعية، كان الهدف من فحص المومياء مرةً أخرى الوقوف على حجم الجروح، ومقدار توغُّلها، وفحص سائر الجسد لمعرفة إذا ما كان هناك جروحٌ أخرى.

credit: Dr. Sahar Saleem 

المومياء مُفككة، وحالة حفظها ليست بجودة حالة المومياوات الملكية الأخرى، إلا أن التحنيط كان جيدًا، بمستوى تحنيط المومياوات الملكية، كانت تلك الملحوظات الأولى لـ"سليم".

أظهر الفحص العديد والعديد من الجروح في الرأس التي كانت دراسات سابقة قد وصفتها، علاوةً على جروح أخرى وُصفت لأول مرة؛ إذ لم تُلحَظ باستخدام تقنيات الفحص السابقة التي اعتمدت على الأشعة السينية، وخاصةً بعد أن أجرى المُحنط المصري للجثة "عملية تجميل" لإخفاء بعضٍ من تلك الجروح.

 تقول "سليم" إن هناك خمس مجموعات من الجروح في الرأس، كانت الضربة التي قضت على "سقنن- رع" هي ضربة في أعلى الجبهة وصلت إلى مخ الفرعون -في المواجهة- ثم جاءت ضرباتٌ أخرى يبدو أنها انتقامية.

وفي أثناء الفحص.. كانت هناك مفاجأة في الانتظار.

فيد الفرعون كانت في وضعية شديدة الغرابة، مثنيةً عند الرسغ "وكأنها مُقيدة"، أما شكل الضربات وعمقها فيشير إلى أن المهاجم كان في وضع أعلى من وضع الفرعون.

هنا، بدأ السيناريو الجديد المقترح يُرسم في ذهن الطبيبة.

ففي يومٍ أغبر، التحم الجيشان، تفوَّق الهكسوس وأسَروا الملك، ثم قيدوا يديه من الخلف، وانهالوا عليه بوحشية في طقس وصفته الدراسة بـ"الإعدام الاحتفالي"، شمل ذلك الطقس ضربةً في أعلى الرأس، وأخرى في الصدغ الأيمن، وثالثةً على الصدغ الأيسر، ثم ضرباتٍ متتاليةً من رمح. 

تُركت الجثة يومًا أو اثنين في الساحة، على جانبها الأيسر، فانكمش المخ على ذلك الجانب من الجمجمة، وهو ما يُفسر حالة التحنيط المُزرية، نُقلت الجثة إلى ورشة ملكية في طيبة -ربما كان ذلك بواسطة مركب- وحُنطت، لكن بعد أن أصابها العفن.

لكن ذلك السيناريو كان يحتاج إلى تأكيدات إضافية.

هنا، لمعت في ذهن "سليم" فكرة مُذهلة؛ فلإثبات مقتل "سقنن رع" على يد الهكسوس، يُمكن مقارنة السلاح بالجراح.


مضاهاة الأدلة
لكل سلاحٍ بصمةٌ خاصة، يُحدث في الجسد ما لا يُحدثه غيره، طلبت "سليم" إذنًا خاصًّا لفحص 5 أسلحة تعود إلى زمن الهكسوس، وهي محفوظة بعناية ضمن مخازن الآثار في المتحف المصري. 

قارنت "سليم" النصال بجروح الرأس عند "سقنن-رع"، لتجد أن كل الجروح تتطابق مع ما يُمكن أن يُحدثه السلاح الهكسوسي، إلا واحدًا فقط، أحدثه نصل يُشبه نصال الفؤوس المصرية القديمة، تقول "سليم": إن ذلك الفأس ربما تسرَّب إلى يد أحد الغزاة في أثناء المعركة.

تُشير النظريات السابقة إلى أن جُثة "سقنن- رع" حُنطت في الطريق إلى طيبة على عجل؛ حتى لا تتفسخ أكثر، إلا أن تلك النظرية دحضتها الدراسة الحديثة.

فقد استخدم المُحنط مجموعةً من الحشوات بهدف الحفاظ على الجسد، كما أخفى بعض الجروح بمهارة، وذلك لا يُمكن حدوثه إلا في ورشة التحنيط الملكية في طيبة؛ فقد استخدم المحنطون طريقةً متطورةً لإخفاء جروح رأس الملك تحت طبقة من مادة التحنيط التي تعمل بشكل مشابه للحشوات المستخدمة في الجراحة التجميلية الحديثة، وهذا يعني أن التحنيط تم في ورشة تحنيط بالفعل وليس في مكان غير مُعَد، كما تم تفسيره سابقًا.

credit: Dr. Sahar Saleem 

كما حدد التصوير بالأشعة المقطعية أن "سقنن رع" كان يبلغ من العمر قرابة أربعين عامًا عند وفاته، بناءً على شكل العظام (مثل مفصل ارتفاق العانة) الذي جرى الكشف عنه في الصور، مما يوفر التقدير الأكثر دقةً لعمره حتى الآن.

اطلع خبير المومياوات الأمريكي، رونالد ديكت، على نتائج الدراسة واتفق معها، كما اطلعت عليها أيضًا أستاذ الطب الشرعي في القصر العيني، الدكتورة عبلة عطية، واتفقت مع ما جاء فيها.

ساعدت تقنيات الأشعة المقطعية على دراسة المومياوات المصرية بشكل أكثر دقة، تقول "سليم"، مشيرةً إلى أن تلك الطريقة "غير التدميرية" ستُسهم مستقبلًا في الكشف عن كثير من ألغاز الحضارة الفرعونية.

كما توفر هذه الدراسة تفاصيل جديدةً مهمةً حول نقطة محورية في تاريخ مصر الطويل؛ فوفاة "سقنن رع" حفزت خلفاءه على مواصلة الكفاح لتوحيد مصر وبدء المملكة الجديدة؛ إذ واصل أبناء "سقنن رع" القتال المقدس ضد الهكسوس، ففي لوحة معروفة باسم لوح "كارنافارون"، وُجدت في معبد طيبة الكرنك، سجِّلت المعارك التي خاضها "كاموس"، نجل "سقنن رع"، ضد الهكسوس. 

سقط "كاموس" قتيلًا في أثناء الحرب ضد الهكسوس، وأكمل أحمس -الابن الثاني لـ"سقنن رع"- الكفاحَ لطرد الهكسوس، فحاربهم وانتصر عليهم وطاردهم حتى المنطقة التي تُعرف اليوم باسم قطاع غزة ووحد مصر، وكان ذلك الانتصار إيذانًا ببدء الدولة الحديثة.

تقول "سليم" إنها وقعت في حب ذلك الفرعون؛ فقد كان "شجاعًا" قاتل حتى النهاية، يحمل جسده علامات الشرف، جروحًا أحدثها الغزاة شوهت جسده وتسببت في مقتله، لكنها في الآن ذاته خلدت سيرته وحولته إلى أسطورة.. أسطورة محارب عظيم.. محارب اسمه "سقنن-رع".

في بحثهما قدم الباحثان المصريان زاهي حواس وسحر سليم تفسيرًا جديدًا للأحداث قبل وفاة الملك سقنن رع وبعدها، استنادًا إلى صور الأشعة المقطعية ثنائية الأبعاد وثلاثية الأبعاد، والتي تم تركيبها بواسطة تقنيات الكمبيوتر المتطورة، إذ يُظهر تشوه الذراعين أنه يبدو أنه حدث بالفعل أَسْر سقنن رع-تا في ساحة المعركة، وقُيدت يداه خلف ظهره، مما منعه من صد الهجوم الشرس عن وجهه.
وقالت الدكتورة سحر سليم، أستاذة الأشعة في جامعة القاهرة والمتخصصة في علم الأشعة القديمة: "هذا يشير إلى أن سقنن رع كان حقًّا على خط المواجهة مع جنوده، يخاطر بحياته مع جنوده لتحرير مصر". 

credit: Dr. Sahar Saleem 


 ولقد كشف التصوير المقطعي لمومياء سقنن رع عن تفاصيل دقيقة لإصابات الرأس، تتضمن جروحًا لم يجرِ اكتشافها في الفحوصات السابقة؛ إذ أخفاها المحنِّطون بمهارة.
واشتمل البحث على دراسة أسلحة مختلفة للهكسوس محفوظة في المتحف المصري بالقاهرة، شملت فأسًا وحربةً وعدة خناجر، وأكدت سحر سليم وزاهي حواس تطابُق هذه الأسلحة مع جروح سقنن رع؛ إذ تشير النتائج إلى أنه قُتل من قِبل مهاجمين متعددين من الهكسوس، أجهزوا عليه من زوايا مختلفة وبأسلحة مختلفة، فكان قتل سقنن رع على الأرجح إعدامًا احتفاليًّا.
كما حددت دراسة التصوير المقطعي أن سقنن رع كان يبلغ من العمر قرابة أربعين عامًا عند وفاته، بناءً على شكل العظام (مثل مفصل ارتفاق العانة) والذي تم الكشف عنه في الصور، مما يوفر التقدير الأكثر دقةً حتى الآن.

زاهي حواس، عالِم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق، وسحر سليم أستاذة الأشعة، يُعَدان رائدَين في استخدام الأشعة المقطعية لدراسة العديد من المومياوات الملكية ومحاربي المملكة الحديثة، مثل تحتمس الثالث ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث، ومع ذلك، يبدو أن سقنن رع هو الوحيد من هذه المجموعة اللامعة الذي كان على خط المواجهة في ساحة المعركة،
وبالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسة التصوير المقطعي المحوسب عن تفاصيل مهمة حول تحنيط جسد سقنن رع، فعلى سبيل المثال، استخدم المحنطون طريقةً متطورةً لإخفاء جروح رأس الملك تحت طبقة من مادة التحنيط التي تعمل بشكل مشابه لعمل الحشوات المستخدمة في الجراحة التجميلية الحديثة، وهذا يعني أن التحنيط تم في ورشة تحنيط بالفعل، وليس في مكان غير مُعَد كما تم تفسيره سابقًا.