بوحي من الطبيعة، قرر العلماء الاستفادة من الشمس أو أي مصدر للطاقة المتجددة؛ لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مكونات أساسية لمركَّبات يتم استخدمها في مجالات مختلفة. الفكرة تم اقتباسها من قيام النبات بتوظيف ثاني أكسيد الكربون والماء وضوء الشمس لتحضير غذائه. 

تصنيع طاقه مستحدثة للمستقبل، كان محور الدراسة التي نشرتها دورية "جول"، وأجراها فريق بحثي كندي- أمريكي، يسعى خلال العقد القادم لاحتجاز المخلفات الناتجة عن ثاني أكسيد الكربون (CO2) وتحويلها إلى مركبات نافعة كمواد خام ووقود حيوي وطاقه متجددة، وأيضًا استغلالها في مجال صناعة الدواء. وبالتالي يتم التخلص من آلاف الأطنان المترية من ثاني أكسيد الكربون، التي تطلقها محطات توليد الطاقة سنويًّا وتؤدي إلى تلوث الهواء.

يقول فيل دي لونا -الباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي استلهم الفكرة من الطبيعة، وقرر تنفيذها على نحوٍ أسرع وأكثر فاعلية، والمركبات التي من المتوقع الحصول عليها سيتم تطويرها باستخدام الأساليب التقليدية في علم الكيمياء لتسويقها تجاريًّا".

ويضيف "لونا" -الذي يستعد لنيل درجة الدكتوراة في علوم المواد- أنه "باستخدام المياه والطاقة المتجددة، يمكن تحويل مخلفات ثاني أكسيد الكربون إلى مركبات قيِّمة عبر التحفيز الكهربي باللجوء إلى الكهرباء النظيفة. فعلى سبيل المثال، يتطلب الحصول على غاز الميثان مزجَ ثاني أكسيد الكربون بإلكترونات وبروتونات، واعتمادًا على عددها، فإن دمجها بثاني أكسيد الكربون يُنتج موادَّ مختلفة". 

كما توصل الباحثون، بالتعاون مع "تيد سارجنت" -الباحث المشرف على الدراسة، وهو أستاذ بقسم هندسة الكهرباء والكمبيوتر- إلى إمكانية تصنيع مواد اقتصادية مثل الهيدروجين والميثان والإيثان لاستخدامها كوقود حيوي لسد احتياجات الطاقة، وكذلك تصنيع الإيثلين والإيثانول، وهي مكونات أساسية للعديد من المنتجات، وأيضًا استخلاص حمض الفورميك من ثاني أكسيد الكربون؛ لاستخدامه في صناعة الدواء، أو لشحن خلايا الطاقة".

ورغم أن عملية احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى مركبات نافعة لا تزال في بدايتها، يتصور الباحثون أن العقود القادمة ستحول هذا الحلم إلى حقيقة من خلال التحفيز الكهربي (تحفيز التفاعلات الكيميائية عن طريق الكهرباء)، وستظهر أولى نتائجه ما بين 5 إلى 10 سنوات، وفق الدراسة.

يقول "لونا": "إن هذه التكنولوجيا لديها القدرة على إحلال طاقة متجددة بديلة محل كثير من أنواع الوقود الأحفوري والمواد الخام الكيميائية. والهدف هو احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون الصادر من مصانع الحديد والأسمنت أو محطات توليد الطاقة، وتحويل انبعاثاته إلى وقود أو مواد خام باستخدام الطاقة المتجددة".

ويضيف الباحث أنه وزملاءه يعملون حاليًّا على نقل عملية التحويل من المعمل إلى وحدة صناعية تجريبية، مشيرًا إلى أنهم وصلوا للتصفيات قبل النهائية في الترشح لجائزة "كربون إكس برايز" التي تقدمها شركة إن آر جي لتوليد الطاقة وتحالُف ابتكارات حقول النفط الكندي (كوسيا) لمَن يتوصل إلى تدوير ثاني أكسيد الكربون؛ بهدف مواجهة أحد أخطر تحديات العالم وهو التغيُّر المناخي.

وسيُعلَن الفائز بالجائزة، التي تبلغ قيمتها 20 مليون دولار، في ربيع عام 2020، وهو مَن سيتمكن من ابتكار تقنية تعمل على احتجاز أكبر كمٍّ ممكن من ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى منتَج ذي قيمة صافية كبيرة. وتهدف بعض الفرق المتنافسة إلى تصنيع بوليمرات، أو وقود ليحل محل البنزين، أو مواد كيميائية صناعية.

كما تعمل بعض الشركات الناشئة وشركات كبرى مثل "سيمنز" على تطوير هذه التكنولوجيا. ومن المتوقع خلال 50 عامًا أن تقوم تكنولوجيا النانو بهذه المهمة، على حد قول "لونا".