طوّر باحثون أمريكيون طريقة جديدة لإعطاء الأطفال جميع لقاحات التطعيم في حقنة واحدة. ويمكن للحقنة أن تستمر في إطلاق الجرعات داخل الجسم في مواعيد محددة مئات الأيام.

تغني هذه الحقنة عن إبر التطعيمات التي تسبب ألمًا شديدًا للأطفال، كما أنها تقلل من العبء المالي على الجهات المعنية بذلك، وبخاصة في الدول الفقيرة؛ إذ يحتاج الأطفال إلى تطعيمات تؤخذ على فترات متقاربة بعد الولادة ضد أمراض كثيرة، مثل: التيتانوس، والسعال الديكي، وشلل الأطفال، والتهاب الكبد الوبائي "ب"، والحصبة، والنكاف، وغيرها.

الحقنة طورها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، ونشروا نتائج أبحاثهم في عدد 14 سبتمبر الجاري من دورية (Science).

وأوضح الباحثون أنهم طوروا نوعًا جديدًا من الجزيئات العضوية الدقيقة، يمكن أن يجمع كل الجرعات في حقنة واحدة في كبسولات مجهرية، فيما يشبه أكواب القهوة الصغيرة الحجم التي تُملَأ باللقاح، ثم تُغلف بغطاء.

وأضافوا أن هذه الأكواب تُصمَّم بحيث يمكن تجزئة محتوياتها وتفريغها فى الجسم في الوقت المناسب فقط.

وأظهرت مجموعة من الاختبارات أُجريت على الفئران أنه يمكن تفريغ المحتويات إلى الجسم بالضبط بعد 9 أيام و20 يومًا و21 يومًا من حقنها. وأثبتت النتائج فاعلية هذا التوجه. وأوضح الباحثون أنهم استطاعوا أيضًا تطوير جزيئات أخرى يمكن أن تستمر مئات الأيام، لكن لم تُجْرَ اختبارات على المرضى حتى الآن.

مكتبة من الجزيئات

قال البروفيسور روبرت لانجر -أحد المشاركين في البحث، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- في حديثه لـ«للعلم»: "إننا سُعداء للغاية بهذا البحث". وأضاف: "إنها المرة الأولى التي يمكن فيها تأسيس مكتبة من جزيئات اللقاحات الصغيرة المُغطاة، وكلٌّ منها مُبرمَج لإطلاقها إلى الجسم في توقيت مُحدد؛ حتى يتسنى للأشخاص إمكانية الحصول على حقنة واحدة". وتابع: "لهذا تأثير كبير على المرضى في كل مكان، خاصةً في دول العالم النامي".

ويختلف هذا البحث عن غيره من المحاولات السابقة، التي نجحت في إطلاق أدوية إلى الجسم على امتداد فترة طويلة من الوقت؛ إذ إن التقنية الجديدة تطلق جرعات لقاحات على فترات طويلة المدى، فهي تحاكي إلى حدٍّ كبير برامج التطعيم المُعتادة.

من جانبه، أثنى خالد أبو شنب -أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة، كلية الصيدلة بجامعة عين شمس- على التقنية الجديدة، واعتبر أنها تحل الكثير من المشاكل في حال نجاح التجارب التي يعتزم الباحثون إجراءها على البشر.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أبو شنب أن هذه الحقن تحل الكثير من المشكلات المتعلقة بمخاوف التخلُّف عن أخذ تطعيمات الأطفال، خاصةً في المناطق النائية في دول العالم النامي؛ إذ تمكِّنهم من الحصول على جميع التطعيمات في مرة واحدة.

وأشار إلى أن هذه التكنولوجيا لا تتوقف فوائدها عند التطعيمات فقط، بل يمكن أن تمتد لمشكلات الأدوية التي تؤخذ بانتظام، كأدوية السرطان والقلب والأمراض المزمنة، وأمراض المناعة الذاتية.

كؤوس بحجم حبة الرمل

وفي حديث لـ"للعلم"، كشفت آنا جاكلينيك -أحد المشاركين في الدراسة، والباحثة في معهد كوش للبحوث التكاملية للسرطان لمعهد ماساتشوستس- عن الطريقة التي يمكن من خلالها حقن كؤوس اللقاحات، قائلة: "كؤوس اللقاح تُحقَن في الجسم بحقنة عادية، بالطريقة نفسها المتَّبعة مع اللقاحات التقليدية".

وعن إمكانية أن تحمل الحقنة لقاحات مختلفة، قالت جاكلينيك إن هذه الإمكانية متاحة، إذ يمكن تغليف اللقاحات المختلفة في أكواب مختلفة، وخلطها معًا في حقنة واحدة؛ إذ إن حجم كؤوس اللقاحات أصغر من حبة الرمل، وبالتالي يمكن لحقنة واحدة أن تحمل آلاف اللقاحات المختلفة.

ويتخوف البعض من مهاجمة الجهاز المناعي للجسم لهذه الكؤوس، لكن جاكلينيك أشارت إلى أن كؤوس اللقاحات لا تشكل خطرًا على الجسم؛ إذ يبلغ حجمها عدة مئات من الميكرومتر (وحدة طول في النظام الدولي للوحدات، وتعادل جزءًا من مليون جزء من المتر)، وبمجرد أن تطلق جرعات اللقاحات، ستتحلل إلى قطع أصغر، وفي نهاية المطاف إلى حمض اللبنيك والجليكوليك الذي يوجَد عادةً بشكل طبيعي في الجسم.

وأشارت إلى أن الكؤوس تتحلل في الجسم إلى قطع صغيرة من البوليمر، وتؤدي مادتها دورًا في تحفيز الاستجابة المناعية التي تساعد على تقوية عمل اللقاح، بالإضافة إلى ذلك، مؤكدةً أنه يتم استخدام المواد المُصنَّع منها الكؤوس حاليًّا في تصنيع خيوط الجروح والعمليات الجراحية؛ فهي آمنة وجرت تجربتها.

تحديات رئيسية

من جانبه، قال أبو شنب إن هذه التقنية تواجه تحديات، أبرزها الحفاظ على استقرار كؤوس اللقاحات مغلفة في الجسم، وعدم تأثُّرها بدرجة حرارة الجسم التي تبلغ 37 درجة، حتى يأتي الموعد المحدد للتفريغ، والذي قد يمتد أسابيعَ أو شهورًا.

وردًّا على ذلك قالت جاكلينيك إن فريق البحث يعتبر هذا التحدي "مسألة رئيسية، ويدرسه بعناية"، ويركز عمل الفريق حاليًّا على اختبار عدة استراتيجيات لتحقيق استقرار كؤوس اللقاحات داخل الجسم.

وأشار أبو شنب إلى أن هناك تحديًا آخرَ: هو أن بعض الأطفال قد يكون لديهم حساسية ضد لقاحات معينة، وإذا أخذوا هذه الحقنة التي تحتوى على لقاحات متعددة فقد تسبب لهم فرط الحساسية السريع، الذي تتفاوت أعراضه بين ظهور هَبَّات متوهجة، وحكة، واحتقان الأنف، وصعوبة في التنفس إلى هبوط ضغط الدم بسرعة، ما قد يؤدي إلى الإغماء والصدمة، بل حتى إلى الموت.

فيما أكدت جاكلينيك أن فريق البحث يأخذ في حساباته كل هذه التساؤلات؛ لتحديد درجة سُمِّيَّة اللقاحات وفاعليتها، كما أننا نعمل حاليًّا على مجموعة من اللقاحات المتاحة بالفعل مثل لقاح شلل الأطفال، ولقاحات أخرى جديدة لا تزال قيد التطوير. ونوهت إلى أن الفريق يتطلع لإنشاء خط إنتاج لتصنيع هذه التكنولوجيا؛ حتى يتمكن من التحرُّك بأسرع وقت ممكن للوصول إلى تجربة هذه الحقنة على البشر عبر التجارب السريرية.