في رائعته "ماكبث"، يرى الكاتب البريطاني الشهير ويليام شكسبير في "غياب النوم" عقابًا يمنع عن بطله التراجيدي "بلسم النوم البريء"، بحيث "لا ترى عيون ماكبث النوم بعد الآن"؛ ردًّا على اغتياله لقائده "دنكن" طمعًا في الجلوس على عرش اسكتلندا.

وبعد أكثر من خمسة قرون من تراجيديا "ماكبث"، تسير دراسة نشرتها دورية "نيتشر هيومان بيهيفيور" (Nature Human Behavior)، وأجراها فريق من الباحثين بجامعة كاليفورنيا- بيركلي الأمريكية، على المنوال نفسه، مؤكدةً أن "الحرمان من النوم لليلة واحدة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق بنسبة 30٪، وأن هذه النسبة يمكن تخفيفها بواسطة النوم العميق".

يقول ماثيو والكر -أستاذ علِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا- بيركلي، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": على مدى العشرين عامًا الماضية، وُجد أن هناك ارتباطًا متبادلًا بين غياب النوم الطبيعي والإصابة بالاضطرابات النفسية، وأن حوالي 80% من مرضى القلق يشكون من اضطرابات في النوم، وقد حددنا في دراستنا وظيفةً جديدةً للنوم العميق؛ إذ يقلل من القلق بين عشية وضحاها من خلال إعادة تنظيم الروابط داخل المخ.

يضيف "والكر" أن "النوم الرديء قد يكون في كثير من الأحيان مجرد عرض من أعراض الاضطراب، وليس أحد عوامل القلق المُحفِّزة".

اضطرابات النوم

وتتفاقم مشكلة اضطرابات النوم من عام إلى آخر، لا سيما لدى الدول الصناعية الكبرى، التي يعاني سكانها من تناقُص فترات النوم بالمقارنة بالعقود الثمانية الماضية؛ إذ تشير تقديرات "مراكز مكافحة الأمراض واتقائها" في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ما بين 30% إلى 40% من البالغين الأمريكيين ينامون مدةً تقل عن سبع ساعات، وهي أقل من ساعات النوم التي يجب أن يحصل عليها الشخص وفق توصيات "المؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم" و"الأكاديمية الأمريكية لطب النوم"، في حين تشير "مؤسسة جالوب الدولية" إلى تراجُع نسبة الأمريكيين الذي يحصلون على عدد ساعات النوم الموصى بها من 84% في عام 1942 إلى 59% في عام 2013، موضحةً أن متوسط عدد ساعات النوم بالنسبة للأمريكيين في الوقت الحالي يبلغ 6.8 ساعات.

يقول "والكر": لسنوات طويلة، حذر علماء النفس والأعصاب مما يحدث في الدماغ عندما لا نحصل على قسط كافٍ من النوم، ورسمت العديد من التجارب النتائج الفسيولوجية الخطيرة للحرمان من النوم، ووجدنا أن عدم حصول الشخص على قدرٍ كافٍ من النوم يرتبط بالقلق ارتباطًا وثيقًا، وأن الحرمان من النوم لليلة واحدة فقط قد يؤدي إلى الإصابة بالقلق.

للتوصل إلى تلك النتيجة، أخضع الباحثون 18 شخصًا من البالغين الأصحاء للدراسة، وقاموا بتصوير أدمغتهم بالرنين المغناطيسي الوظيفي حين كانوا يشاهدون مقاطع فيديو "مثيرة للعاطفة" بعد ليلة نوم كاملة وبعد ليلة أخرى خالية من النوم، كما أجرى الباحثون دراسة طولية متناهية الصغر عبر الإنترنت، شاركت فيها عينة فرعية من عامة الناس بلغ عددهم 194 شخصًا.

اعتمد الباحثون في دراستهم على "اختبار النوم"، وهو اختبار يُستخدم لتشخيص اضطرابات النوم؛ إذ يسجل رسم مخطط النوم موجات الدماغ، ومستوى الأكسجين في الدم، ومعدل ضربات القلب والتنفس، وكذلك حركات العين والساق.

كما استخدم الباحثون مقياس (STAI)، الذي يقيس درجات القلق ويميزه عن متلازمات الاكتئاب؛ إذ طلبوا من المشاركين الإجابة عن 40 سؤالًا لمساعدتهم على قياس قدرتهم على التخطيط وتبنِّي أهداف حالية ومستقبلية بصورة ذاتية.

فحوصات الدماغ

يوضح "والكر" أن "فحوصات الدماغ كشفت عن انغلاق وضعف "قشرة الفص الجبهي الإنسي"، وهي منطقة موجودة بالجانب الأيسر من الدماغ، تساعد على تنظيم القلق بعد ليلة من عدم النوم، في حين كانت المراكز العاطفية الأكثر عمقًا في الدماغ مفرطة النشاط".

يقول جمال فرويز -استشاري الطب بالنفسي بالأكاديمية الطبية العسكرية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن قشرة الفص الجبهي الإنسي هي الجزء المتوسط من الفص الأمامي للقشرة المخية، وهي مسؤولة عن المهمات المعرفية كالتركيز والانتباه والتذكر، ويتأثر هذا الجزء بعدم النوم؛ فعندما يقل إفراز هرمونات الدوبامين والسيروتونين (هرمون مسؤول عن تنظيم الحالة المزاجية والشهية والنوم، إلى جانب بعض الوظائف الإدراكية مثل الذاكرة والتعليم) يزيد إفراز هرمون النورادرينالين، الذي يسبب التوتر؛ لأنه مادة قابضة للعضلات الخارجية للجمجمة فيجعل المريض يشعر بصداع ودوار وغيرهما من أعراض جسمانية ناتجة عن التوتر والقلق". وأضاف أن هذا الهرمون يفرز في الغدة الكظرية، لكنه يتجمع في الجزء المتوسط من الصدغ، الفص الأمامي من القشرة المخية المسؤولة عن السيطرة على القلق، لذا يُعد ترك الأفراد دون نوم إحدى وسائل غسيل المخ التي استُخدمت من قِبَل أجهزة الاستخبارات على مستوى العالم، فعندما يُترك شخص دون نوم لمدة أربعة أيام يمكن السيطرة عليه؛ نظرًا إلى أن الوظائف المعرفية للمخ تنهار نتيجةً لإغلاق هذا الجزء من الدماغ.

معدلات القلق

أظهرت الدراسة أن 78% من جميع المشاركين في حالة الحرمان من النوم أبلغوا عن زيادة في معدل إحساسهم بالقلق، مما يؤكد وجود تأثير قوي لفقدان النوم على تصاعُد القلق لدى الأفراد الأصحاء، وأن نصف المشاركين المحرومين من النوم تجاوزوا بالفعل مستويات القلق التي تشكل عتبةً أساسيةً لأعراض اضطرابات القلق السريرية، ما يعني أن فقدان النوم يمكن أن يتسبب بشكل مباشر في إثارة مستويات عالية من القلق لدى الأفراد الذين لم يعانوا من هذا الاضطراب النفسي عندما كانوا ينامون بشكل طبيعي.

وفي المقابل، كشفت قراءات قياس النوم التي جرى رصدها في أثناء نوم المشاركين أن الذين استمتعوا بأطول فترات النوم العميق، أو ما يسمى نوم الموجة البطيئة (SWS) والذي يتسم بحركة العين غير السريعة، عانوا من معدلات أقل من القلق. وتأكد الباحثون من نتائج التجربة عبر تكرارها في المعمل على 32 مشاركًا إضافيًّا من البالغين الأصحاء، وانتهوا إلى أن نوعية وكمية النوم التي تلقاها المشاركون من ليلة إلى أخرى تنبأت بمستويات القلق المتوقعة لليوم التالي.

الشعور بالوحدة

ولا يُعد القلق وحده أحد أشكال الاضطرابات النفسية التي تتأثر بالنوم المضطرب، لكن هناك اضطرابات أخرى قد تتأثر بسبب اضطراب تلك الوظيفة الحيوية للجسم؛ إذ انتهى "والكر"، في دراسة سابقة، إلى أن الأشخاص المحرومين من نومٍ كافٍ يشعرون بالوحدة، ويكونون أقل ميلًا إلى الانخراط مع الآخرين، والأسوأ من ذلك أن شعورًا بالنفور منهم يجعلهم أشخاصًا غير جذابين اجتماعيًّا.

وتشير دراسة أجراها باحثون من كوريا الجنوبية إلى وجود علاقة بين اضطرابات النوم والأمراض المصاحبة للأمراض النفسية في الموضوعات ذات الخطورة العالية كالأرق، مؤكدين ضرورة أن يأخذوا اضطرابات النوم بعين الاعتبار عند علاج الأرق.

كما ذكرت دراسة سابقة أن "الخلايا النجمية تتولى في العادة تنظيف الدماغ عن طريق إزالة نواتج التآكل العصبي خلال اليوم، وذلك في أثناء عملية النوم"، مضيفةً أنه "عند حدوث نقص في معدلات النوم، فإن تلك الخلايا تأكل نقاط الاشتباك العصبي، أي أن الدماغ يبدأ في إيذاء نفسه بدلًا من أن ينظف نفسه".

من جهتها، تقول ندى أبو المجد -استشاري الطب النفسي- في تصريحات لـ"للعلم": إن ضبط إيقاع دورات النوم من شأنه أن يعيد ضبط الحالة المزاجية، وبالتالي معالجة الاضطرابات المزاجية؛ إذ تندرج أمراض القلق والاكتئاب تحت قائمة الاضطرابات النفسية المزاجية التي تتأثر بشكل كبير بساعات النوم وجودته، ويكون الأشخاص الذين يعانون من الأرق أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب والقلق.

تضيف "أبو المجد" أن "هذه الدراسة على قدر كبير من الأهمية؛ لأنها تؤكد أن الحالة المزاجية تتأثر بمدى انضباط حركة عمل الموصلات العصبية داخل الدماغ، وأن اختلال إفرازها وعملها قد يؤدي إلى اضطراب الحالة المزاجية للفرد. فالنوم يساعد على تجديد نشاط الخلايا العصبية واستعادتها لحيويتها؛ كي لا يحدث أي خلل في عمل دوائر المخ وبالتالي يحدث خلل في طرق تشغيل هذه الموصلات العصبية التي تؤثر بدورها على مراكز المشاعر في الدماغ".

لذا توصي الدراسة بأن يصبح النوم الجيد خط الدفاع الأول للوقاية ضد القلق والتوتر، اللذَين أصبحا يؤرقان المحافل العلمية؛ إذ بلغ عدد مَن يعانون من القلق 260 مليون شخص على مستوى العالم، وفق تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2017.

يقول "والكر": تشير نتائجنا إلى أنه حتى التحسينات المتواضعة في جودة النوم قد تكون لها القدرة على تقليل القلق، وتكون بمنزلة وسائل وقائية غير دوائية. وإذا كان الأطباء يهدفون إلى علاج شكاوى النوم لدى الأفراد الذين يعانون من القلق باستخدام طرق مثل العلاج المعرفي السلوكي للأرق، فقد يوفر ذلك فائدة سريرية كبيرة، ويقلل الحاجة إلى استخدام الأدوية.