كشفت دراسة أمريكية حديثة أن إدخال نوع واحد من الكائنات المفترسة إلى موئل مغاير لبيئته الأصلية، يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التغييرات الإيكولوجية المتتالية، تشمل التأثير على أعداد الكائنات الأخرى، ونظام تكاثرها، والكتلة الحيوية للأنواع الأصلية.

وأوضح الباحثون في الدراسة التى نشرها موقع مجلة "ساينس أدفانسز"، أن "ذلك التأثير لا يتوقف على مكونات النظام البيئي الذي جرى غزوه وحده، بل يمكن أن يتسبب أيضًا في حدوث تغييرات عبر النظم البيئية الأخرى".

اعتمدت الدراسة على نتائج تجربة عملية امتدت لنحو 25 عامًا، من خلال إدخال نوع من أسماك "تروتة البحيرات"، من عائلة "السلمون المرقط"، إلى "منتزه يلوستون الوطني"، شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، في عام 1994، ومراقبة تأثير ذلك على النظم البيئية، إذ تَبيَّن حدوث تغييرات إيكولوجية ملحوظة، لم تقتصر فقط على البيئة البحرية في أكبر منتزه وطني بالعالم، بل امتدت التأثيرات أيضًا إلى شكل الحياة البرية ونوعها.

ومن شأن نتائج الدراسة، التي أعدها فريق علمي من جامعتي "وايومنغ" و"مونتانا"، ومن علماء الحياة البرية والأحياء البحرية في "منتزه يلوستون الوطني"، أن تساعد في تحسين فهم كيفية استجابة النظم الإيكولوجية لما تتعرض له من ضغوط، كما يمكن أن تقدم نظرة أكثر عمقًا لتعزيز كفاءة إستراتيجيات إدارة الحفاظ على النظم البيئية.

تغيرات إيكولوجية

يقول تود كويل -عالم الأحياء البحرية بمنتزه يلوستون- في تصريحات لـ"للعلم": "إن بحيرة "يلوستون" كانت تحوي نوعًا وحيدًا من أسماك "السلمون المرقط"، وهو "التروتة المذبوحة Cutthroat Trout"، واسمه العلمي "Oncorhynchus Clarkii Bouvieri"، الذي يتميز باللون الأحمر في منطقة العنق، وفي عام 1994 تم إدخال نوع آخر هو "تروتة البحيرات Lake Trout"، واسمه العلمي "Salvelinus Namaycush".

وللحصول على قياسات دقيقة لمدى التغييرات الإيكولوجية التي حدثت في بيئة البحيرة والنظم البيئية المحيطة، نتيجة إدخال هذا النوع غير الأصلي، اعتمد الباحثون على بيانات شباك الصيد لتقييم تكاثر أسماك السلمون في البحيرة، خلال الفترة من 1980 إلى 2017، بالإضافة إلى بيانات أخرى لقياس أعداد "التروتة المذبوحة" خلال الفترة نفسها تقريبًا.

واستخدم فريق الدراسة نماذج تحليل إحصائية لتقدير أعداد كلا النوعين من أسماك "التروتة"، والتغيرات التي طرأت على الكتلة الحيوية لبيئة البحيرة مع مرور الوقت، كما اعتمدوا على تقييم كثافة العوالق الحيوانية في البيئات الأخرى، وقياس كتلتها الحيوية وأحجامها، قبل إدخال "تروتة البحيرات" إلى البحيرة وبعده.

كائنات غازية

ووفق تصنيف الاتحاد الدولي لصون الطبيعة IUCN لأكثر الكائنات الغازية، فإن أسماك "التروتة" -وموطنها الأصلي المياه الباردة في النصف الشمالي للكرة الأرضية- يمكنها غزو بيئات أخرى غير التي تعيش فيها، لقدرتها على التكيُّف مع التغيرات المناخية، والعيش في المياه الدافئة، مما يتيح لها حرية الحركة للتنقل بين الأنهار والبحيرات العذبة والمحيطات، للحصول على غذائها.

وفق ما أكده "كويل" لـ"للعلم"، فإن "التروتة المذبوحة" كانت تمثل الحلقة الرئيسية في سلسلة الغذاء للنظم الإيكولوجية البحرية والبرية، وأدى غزو النوع الجديد من الأسماك المفترسة إلى انخفاض أعدادها بشكل كبير، ونتيجةً لذلك، فقد طرأت تغييرات على تجمعات العوالق داخل البحيرة، كما تأثر العديد من الأنواع الحيوانية الأخرى سلبيًّا؛ إذ كانت تعتمد على "التروتة المذبوحة" في غذائها.

مسح بصري

وبالإضافة إلى "التروتة المذبوحة"، أجرى الباحثون مسحًا بصريًّا لمعدلات تفريخ عدد من الكائنات الأخرى، ومنها الدببة السوداء، والدببة الرمادية، والطيور؛ لقياس مدى التأثير المحتمل لـ"تروتة البحيرات" عليها، ليكتشف الفريق البحثي أن الأسماك الغازية لم تتسبب في تغير النظام البيئي لمياه البحيرة فحسب، بل تسببت كذلك في تغيير الشبكة الغذائية للبيئة البرية.

ففي البيئة البحرية، لاحظ فريق الدراسة زيادة الكتلة الحيوية للعوالق الحيوانية كبيرة الحجم، مقابل انخفاضها بالنسبة للعوالق الصغيرة، كما تراجعت كثافة أسماك "التروتة المذبوحة" بمجرد إدخال النوع الجديد.

أما في البيئة البرية، فقد اكتشف الباحثون تراجُع أعداد طيور الببغاوات مزركشة الريش "أوسبري"، والصقور الصلعاء، وثعالب النهر، والدببة السوداء والرمادية.

ووفق "كويل" فإن معظم هذه الكائنات إما اضطر إلى الهجرة خارج النظام البيئي، أو البحث عن فرائس بديلة في منطقة بحيرة "يلوستون"، نتيجة نقص "التروتة المذبوحة"، التي كانت تعتمد عليها في سلسلة غذائها.

ويضيف أن "هذه النتائج تشير إلى احتمالية حدوث تغييرات مماثلة في العديد من النظم الإيكولوجية الأخرى، عند إدخال أو غزو أحد الأنواع المفترسة لبيئة أخرى غير بيئته الأصلية".

وبالنسبة للأنواع التي كان لديها فرصة للبقاء، فقد أوضح "كويل" أن الأنواع التي تمكنت من تغيير نمط غذائها كانت أقل تأثرًا بفقدان "التروتة المذبوحة"، وعلى سبيل المثال، اتجهت النسور الصلعاء إلى تناوُل بقايا فرائس الحيوانات الكبيرة من آكلات اللحوم فى منطقة البحيرة، كما بدأت تهاجم -وبشكل متكرر- فراخ البجع، وأعشاش بعض الطيور الأخرى، أما الدببة الرمادية فقد تحولت إلى التهام صغار الأيائل.

وعما إذا كانت النتائج تساعد في وضع إستراتيجيات أكثر كفاءةً للحفاظ على النظم البيئية، أكد "كويل" أن الدراسة تدعم الخطة الحالية لحماية الأسماك الأصلية، وإستراتيجية الإدارة التكيفية لمنتزه يلوستون الوطني، التي تركز على وقف تزايُد أسماك "تروتة البحيرات"، التي غزت بحيرة يلوستون بأعداد كبيرة، بما يسمح بانتعاش "التروتة المذبوحة" في بيئتها الأصلية من جديد، واستعادة الوظائف الطبيعية للنظم الإيكولوجية في المنطقة.

أسماك مفترسة

وفي تعليقه على الدراسة، أوضح رفعت محمد الجمل -رئيس قسم بحوث أمراض الأسماك بالمعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية التابع لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر- أن أسماك "تروتة البحيرات" من الكائنات المفترسة التي تتغذى على الأسماك الأخرى وأنواع من الطحالب البحرية والعوالق الحيوانية والنباتية، وعند إدخالها إلى بحيرة يلوستون، التهمت أعدادًا كبيرة من "التروتة المذبوحة"، وخاصةً في مواسم التفريخ ووضع البيض؛ إذ تكون فريستها هادئة ويسهل التهامها، في الوقت الذي كانت تتكاثر فيه الأسماك الغازية، مما أدى إلى زيادة أعدادها جيلًا بعد جيل، على حد وصفه.

وأضاف "الجمل"، في تصريحات لـ"للعلم"، أنه "نظرًا إلى التغيرات المناخية وعدم استقرار نسبة النيتروجين في الغلاف المحيط ببحيرة يلوستون، فقد زادت أعداد أنواع من الهائمات النباتية والحيوانية، مثل الطحالب والبكتيريا، على حساب الأنواع الأصلية التي كانت موجودة في البحيرة، أما بالنسبة للتغييرات التي حدثت في البيئة البرية، والتي شملت عددًا من الحيوانات والطيور، مثل الدببة وثعالب النهر والصقور، فقد كانت هذه الأنواع تتغذى بشكل رئيسي على "التروتة المذبوحة"، التي تراجعت أعدادها بصورة كبيرة، نتيجة التهام الأسماك الغازية لها، وقد أدى ذلك إلى تقلُّص أعداد تلك الحيوانات، بعدما تحولت إلى افتراس بعضها بعضًا".

واقعة مصرية

لم تتوافر دراسات مماثلة عن تأثير غزو أسماك السلمون للبيئة البحرية في مصر والمنطقة العربية، لكن محمد شوقي القطان -أستاذ الإرشاد السمكي في كلية تكنولوجيا المصايد والأسماك بجامعة أسوان- لفت إلى واقعة مماثلة شهدتها البيئة المصرية أواخر القرن الماضي، تتمثل في غزو "جراد البحر الأمريكي" -أو ما يُعرف بـ"إستاكوزا المياه العذبة"- لنهر النيل في معظم محافظات الدلتا، قبل أن يبدأ في اجتياح الترع والقنوات المائية وبحيرات المياه العذبة ومزارع الأسماك، وتسبَّب في تراجُع الإنتاج السمكي، بعد التهام الكائن الدخيل لكميات كبيرة من الزريعة، بالإضافة إلى قدرته الكبيرة على افتراس بعض أنواع من الأسماك الصغيرة، ومن ضمنها "البلطي"، الذي يعتمد عليه الصيادون مصدرًا لرزقهم.

وبينما رجح "القطان" -في تصريحاته لـ"للعلم"- عدم وجود دراسة علمية لتقييم التغييرات البيئية الناجمة عن غزو الحيوان القشري لنهر النيل وبحيرات المياه العذبة في مصر، فقد أشار إلى أن هناك بعض الدراسات التي سعت إلى تقييم التوازن البيئي، من خلال رصد معدلات تكاثر الأنواع المختلفة داخل بيئتها الأصلية، ومدى تأثير ذلك على بعض الأنواع الأخرى.

ويضيف "القطان": قمنا في جامعة أسوان مؤخرًا بقياس مدى ارتباط زيادة أعداد التماسيح في جنوب بحيرة "ناصر"، وتدنِّي الإنتاج السمكي في البحيرة، وذلك بعد تزايُد شكاوى الصيادين من أن التماسيح تلتهم أكثر من نصف أسماك البحيرة، وانتهينا إلى "براءة التماسيح"، إذ إن أعدادها تتراوح بين 6 آلاف و30 ألف تمساح في الماء وفوق اليابسة، غالبيتها صغيرة الحجم ولا يزيد عمرها عن سنة واحدة، أما نسبة التماسيح البالغة فلا تتجاوز 10%، ما يعني أن أعداد التماسيح الكبيرة في بحيرة ناصر تتراجع بصورة كبيرة على عكس ما كان سائدًا، لافتًا الانتباه إلى أنها تشكل أحد المقومات الأساسية للحفاظ على التوازن البيئي وحماية التنوع البيولوجي في بحيرة "ناصر".