بالكاد، تطأ أقدام البشر المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين والممتدة على مسافة 249 كيلومترًا بين الجارتين وبعرض يناهز الـ4 كيلومترات، وهي المنطقة التي تم إنشاؤها عام 1953، وتديرها قوات من الأمم المتحدة تسعى لمنع الحرب بين الدولتين.

في الماضي، استوطن المكان مُزارعو الأرز، أما الآن، ومع قلة النشاط البشري استوطن طائر "الكركي الياباني الأحمر" النادر ذلك المكان، وعوضًا عن مزارع الأرز ظهرت المستنقعات البرية، والطيور النادرة. إذ سمح القرار الأممي الهادف لجلب السلام للمنطقة المتوترة للطبيعة بأن تغزوها بعد أن هجرها الإنسان.

إلا أن حُسن طالع الطبيعة في ذلك المكان لم يمتد لباقي مناطق الكرة الأرضية؛ إذ تشير دراسة نشرتها مجلة "ساينس"، إلى أن نشاط الإنسان امتد ليُدمر حتى المناطق المحمية بموجب القانون.

تقول الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة "كوينزلاند"، بالتعاون مع آخرين من جامعة "كولومبيا البريطانية" وجمعية "المحافظة على الحياة البرية"، إن "نحو ثلث المحميات الطبيعية حول العالم على وشك الدمار بسبب الضغوط البشرية التي تشمل شق الطرق والبناء، وأن مساحة تبلغ ضعف مساحة ولاية ألاسكا الأمريكية (نحو 6 ملايين كيلومتر مربع) على وشك الاختفاء".

كان عام 1992 هو العام الأول الذى انتبهت فيه الدول لضرورة الحفاظ على التراث البيولوجي حول العالم، ففي قمة الأرض التي عُقدت في ريو دي جانيرو، فُتح الباب للتوقيع على اتفاقية لحماية التنوع البيولوجي، وهي الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 1993، وكان من ضمن آليات الحفاظ على التنوع البيولوجي إنشاء مناطق محمية حول العالم، تُغطي نحو 15% من مساحة سطح كوكب الأرض، على أن تمتد إلى ما لا يقل عن 17% بحلول عام 2020.

كما نصت الاتفاقية على حظر أي أعمال هندسية في المناطق المحمية، ومنها شق الطرق أو بناء الجسور أو أداء أنشطة بشرية أو استخراج المعادن، بهدف الحفاظ على الطبيعة، غير أن الدراسة تقول إن تلك الاتفاقية في مهب الريح.

نتائج صادمة

استخدم المؤلفون خرائط البصمة البشرية العالمية لإجراء تقييم لمناطق المحميات الطبيعية حول العالم، ليجدوا دلائل على أن نحو 32.8% من الأراضي المحمية متدهورة بدرجة كبيرة.

تشير الدراسة إلى أن المناطق المحمية التي تم إنشاؤها قبل التصديق على اتفاقية التنوع البيولوجي شهدت نشاطات بشرية محمومة، وأن نحو 55% منها تُعاني من التقويض المستمر نتيجة الضغوط البشرية.

واستخدمت الدراسة 8 معايير للحكم على سلامة المحميات الطبيعية، هي وجود المراكز الحضرية داخل حدود المحمية، ومساحة الأراضي الزراعية وكثافة السكان وأضواء الليل والطرق والسكك الحديدية والمجاري المائية الصالحة للملاحة وأنشطة التعدين.

وأوضحت أن الضغوط التي يُمارسها الإنسان على الأنظمة الطبيعية في كوكب الأرض تؤدي إلى تغيُّرات حادة في التوازن البيئي، وهو ما يتفق مع التغيُّرات التي رصدتها دراسة نُفذت في عام 2002، وانتهت إلى تأثر الأنظمة البرية في العالم بنسب مختلفة بسبب النشاط البشري، فيما أشارت دراسات أخرى إلى أن البصمة البيئية البشرية زادت بنسبة 9% بين عامي 1993 و2009، وهي الفترة التي زاد فيها عدد السكان بنسبة تصل إلى 23% وتضاعف فيها الاقتصاد العالمي بنسبة 153%، وأن المناطق الخالية من الضغوط تضاءلت على نحوٍ خطير، لتشمل بعض الصحاري وأجزاء نائية من غابات الأمازون، وبعض الغابات المدارية وغابات التندرا في أمريكا الشمالية.

يقول جيمس واطسون، أحد مؤلفي الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم": "إنه منذ تطبيق اتفاقية التنوع البيولوجي، يحاول العلماء تعقب الضغوط البشرية على البيئة لفهم آثارها، وتقديم النتائج للساسة أصحاب القرارات، وحاولنا إنجاز تلك الدراسة لعلها تدق ناقوس الخطر في رؤوس هؤلاء القادة، إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن شبكة المناطق المحمية تتدهور باستمرار، وأن ثلث المحميات الطبيعية لم تعد محمية، وأن الخسائر في التنوع البيولوجي متفاقمة".

مبالغات حكومية

تُظهر الدراسة أن الحكومات تُبالغ في تقدير المساحة المتاحة للطبيعة داخل المناطق المحمية، وأنه على عكس المكتوب في الاتفاقيات الدولية، فإن المحميات الطبيعية تتعرض لقطع الأشجار وعمليات التعدين وبناء الطرق والزراعة والتدمير الممنهج لأنظمتها الإيكولوجية.

يقول "واطسون": رصدت بنفسي خلال العقد الماضي عمليات التدمير الممنهج التي يقودها البشر داخل حدود المنتزهات المحمية بموجب القوانين الدولية، سواء على اليابسة أو داخل البحار والمحيطات.

وتشير الدراسة إلى أن المناطق المحمية الأكثر تأثرًا بالنشاط البشري تُوجَد في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وخاصة في الأماكن ذات الكثافات البشرية المرتفعة.

لكن الدراسة تحمل، في الوقت ذاته، خبرًا جيدًا، مشيرةً إلى أن "المحميات الطبيعية في مناطق أخرى لا تعاني بالقدر نفسه، كما هو الحال بالنسبة لمحمية كيو سيما للحياة البرية في كمبوديا، ومحمية ياسوني في الأكوادور ومحمية نياسا في موزمبيق؛ إذ شهدت تلك الأماكن ضخ استثمارات كبيرة في مجال حفظ التنوع البيولوجي، وبالتالي نجت من التدهور".

مشكلة ضخمة

نتائج الدراسة التي يصفها مؤلفها بـ"الصادمة" تُظهر أن 111 دولة تعتقد أنها وفَّت بالتزاماتها تجاه اتفاقية التنوع البيولوجي على أساس المساحة التي خصصتها للمحميات الطبيعية، ولكن، بحساب مساحة الأراضي المحمية التي لم تتدهور، فقد كشفت الدراسة أن 77 دولة من تلك الدول لم تُوَفِّ بهذه الالتزامات.

يقول طارق القناوتي -مدير المحميات في وزارة البيئة المصرية وخبير المحميات الطبيعية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن المشكلة ضخمة للغاية، والنسب المذكورة في الدراسة مخيفة، والعمران بات يُشبه الأمراض السرطانية؛ إذ يزحف على المناطق المحمية ويدمرها".

يضيف "القناوتي" أن "كلمة التنمية، التي يتلفظ بها رجال الأعمال والمستثمرون وأصحاب النفوذ حول العالم، باتت أكثر أهميةً من كلمة صون الطبيعة التي لا يعرفها الكثيرون؛ فحين يتحدث أصحاب رؤوس الأموال تصمت وتتلاشى أصوات المتحدثين عن حفظ التنوع البيولوجي".

من جهته، يرى "واطسون" أن الإعلان عن المناطق المحمية ليس سوى خطوة أولى على طريق صون الطبيعة، مضيفًا أن "الأماكن المهمة بيولوجيًّا لا تزال بحاجة إلى حماية أكبر، لضمان استمرار التنوع البيولوجي".

بدوره، يشير "القناوتي" إلى أن الحل يكمن في زيادة الوعي الجماهيري بأهمية المناطق المحمية، موضحًا أن "الحفاظ على المحميات الطبيعية يستلزم إرادة سياسية ومجتمعية، ويجب أن تشترك المجتمعات المحلية في حماية المحميات الطبيعية، ولا بد أن يكون لتلك المحميات مردود اقتصادي واجتماعي على السكان المحليين، إذ إن وقف التدهور في المناطق المحمية لا يزال صعبًا وسط غياب ثقافة أهمية صون الطبيعة، ما يعني أن العالم سيفقد في المستقبل مزيدًا من تنوعه البيولوجي إذا لم تُتخذ خطوات أكثر صرامة للحفاظ على الطبيعة، ومن دون ذلك فإن القادم سيكون أسوأ، فالعمران كالسرطان، يأكل الأخضر ويدمر طبيعتنا الأم".