بقوة عشرة بلايين قنبلة ذرية، اصطدم نيزك بكوكب الأرض، نهاية العصر الطباشيري، منذ قرابة 66 مليون عام مضت، تاركًا وراءه فجوة في خليج المكسيك يُقدّر عمقها بنحو 20 كيلومترًا وتتسع إلى حوالي 150 كيلومترًا، أحدث ذلك الاصطدام دمارًا شاملًا في جميع بقاع الأرض، في مشهد مَهيب كان الموت فيه هو سيد الموقف، لتنطلق موجات المحيطات والبحار بسرعات خيالية وطاقات مهولة، مصحوبةً بأمواج التسونامي العاتية، لم تقف الكوارث عند هذا الحد، بل اندلعت البراكين وثارت النيران في كل مكان وانبعثت كميات هائلة من الغازات السامة والغبار حاجبةً أشعة الشمس بما تحمله من دفء وضوء، خيَّم الظلام على الأرض ونهشت البرودة القاسية كل كائن حي اعتمد يومًا ما في حياته على الحرارة، ماتت النباتات ومعها الحيوانات آكلة العشب، وتلتها آكلات اللحوم والكائنات التي تترمم على الجثث، 76% من أيقونات سكان الأرض في حقب الحياة المتوسطة (التي ينتمي إليها العصر الطباشيري) مثل: الديناصورات غير الطيرية والزواحف البحرية والزواحف الطائرة وغيرها ذهب بلا عودة، كان هذا هو ما عُرف بالحد الفاصل بين الحياة والموت، أو ما يُطلق عليه علميًّا (K-Pg boundary)، أي الحد الفاصل بين العصر الطباشيري وفترة الباليوجين، عند هذا الحد حدث الانقراض الجماعي الذي اشتهر بانقراض الديناصورات، لقد ساد الأرض الصخب والذعر والدمار، فكل ما عليها كانت تفوح منه رائحة الموت، ومع ذلك كان البقاء مصير كل مَن استطاع الإفلات بنفسه من هول تلك الكارثة، يقول الكاتبان ويليام جيبسون وبروس ستيرلنج في كتابهما "محرك الاختلاف": "عصفت الكوارث بأرض عصر الطباشيري، فثارت الحرائق الهائلة وتناثر فتات المذنبات عبر الأجواء لتحرق وتقتل أوراق الأشجار والنباتات، كما وقعت الديناصورات القوية في شرَك الانقراض الجماعي، فانطلقت آليات التطور واثبةً لإعادة إعمار الكرة الأرضية المتصدعة بفصائل جديدة من الكائنات".

عودة سريعة للحياة

استطاعت بعض المجموعات الحية كالثدييات والطيور وبعض الزواحف كالثعابين، رغم قلة تنوعها في ذلك الحين، أن تنجو بنفسها وتستمر في الحياة إلى وقتنا هذا، ومؤخرًا، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications) أن جميع الثعابين التي تعيش بيننا اليوم والتي يصل عددها إلى قرابة 4000 نوع، هي نتاج تطور ستة أنواع فقط من الثعابين، هي الأنواع الناجية من وطأة الانقراض الجماعي الذي أصاب الأرض في نهاية العصر الطباشيري.

استندت الدراسة إلى تحليلات جزيئية للثعابين التي تعيش بيننا اليوم، إضافةً إلى السجل الأحفوري للثعابين قبل انقراض الديناصورات وبعده، فكثيرٌ مما نعرفه في يومنا هذا من الأفاعي والثعابين مثل الكوبرا والأناكوندا وثعابين البايثون العملاقة، هي ثعابين حديثة العهد بالأرض، لم تظهر إلا بعد الانقراض الجماعي.

توضح الدراسة أن هناك فروقًا واضحة أظهرتها الحفريات في شكل فقرات أجسام الثعابين في أعقاب انقراض سلالات العصر الطباشيري وظهور مجموعات جديدة، منها ثعابين بحرية عملاقة وصل طولها إلى قرابة 10 أمتار.

يقول نيك لونجريتش -من مركز ميلنر للتطور بجامعة باث بمقاطعة سومرسيت البريطانية، وكبير مؤلفي الدراسة- في تصريحاته لـ"للعلم": "جاءت النتائج مفاجئةً بعض الشيء؛ فقد كنت أتوقع أن الكثير من الثعابين انقرضت عندما اصطدم النيزك بالأرض، لكن العثور على آثار خمسة أنواع ناجية من الانقراض الجماعي أو ستة، تتطور منها جميع الثعابين الحديثة، كان لي بمنزلة الصدمة إلى حدٍّ ما".

كما قالت كاثرين كلاين، من جامعة (FAU) الألمانية والمؤلفة الرئيسية للدراسة في بيان صحفي مفسرةً أسباب ذلك: "إن الكائنات الحية ومنها الثعابين لم يكن باستطاعتها النجاة من الانقراض الجماعي لولا قدرتها على التطور والتنوع والانتشار في موائل جديدة في غضون بضعة ملايين فقط من السنين".

غزو موائل جديدة

وفي مفارقة أخرى شديدة الوضوح، تعيش الثعابين الآن في جميع قارات الكرة الأرضية باستثناء القارة القطبية الجنوبية، أما إذا عدنا بالزمن إلى الوراء لأكثر من 66 مليون عام فسنجد أن الثعابين كان وجودها يقتصر على نصف الكرة الجنوبي فقط، إذ ظهرت لأول مرة بعد الانقراض في آسيا، وفق الدراسة.

يقول لونجريتش: "الانقراض كان بمنزلة شكل من أشكال "التدمير الخلاق"؛ إذ أتاح القضاء على الأنواع القديمة للناجين استغلال الفجوات التي خلت في النظام البيئي الجديد، وتجربة أنماط حياة وموائل جديدة لم تكن قائمةً من قبل"، ويضيف: "يبدو أن هذه سمة عامة للتطور، إنها الفترات التي تلي الانقراضات الرئيسية مباشرة، إذ نرى التطور في أفضل حالاته على المستويين التجريبي والابتكاري"، موضحًا أنه يبدو أن تدمير التنوع البيولوجي في مرحلةٍ ما يفسح المجال لكائنات جديدة من أجل الظهور واستعمار مساحات جديدة من اليابسة، وفي نهاية المطاف تصبح الحياة أكثر تنوعًا من ذي قبل.

لماذا نجت الثعابين

يرى المؤلفون أن قدرة الثعابين على الاحتماء تحت الأرض والمكوث لفترات طويلة دون طعام ساعدتها على النجاة من الآثار المدمرة للنيزك، تقول مروة الحارس -الباحثة في الثعابين بفريق سلام لاب، والمعيدة بقسم علم الحيوان بجامعة الإسكندرية، وغير المشاركة في البحث- في حديثها لـ"للعلم": "إن بعض أنواع الثعابين القديمة التي عاصرت الديناصورات كانت ثعابين حفارة، تعيش تحت الأرض، وطبيعة حياة تلك الثعابين حالت بينها وبين الكوارث الأرضية والمناخية، مما ساعدها على النجاة".

وتعقِّب الحارس: "إن بعض هذه الثعابين لا تزال تعيش في مصر إلى الآن، وتسمى الثعابين العمياء"، وتضيف: "إن موقع التراث العالمي الفريد وادي الحيتان يحمل في ثنايا رواسبه أشكالًا عديدةً لحفريات أنواع الثعابين القديمة التي استطاعت النجاة بعد الديناصورات جنبًا إلى جنب مع حفريات الثعابين الحديثة التي تعيش بيننا اليوم، ونتائج هذه الدراسة تفسر لنا بشكل مبهر كيفية وجود حفريات ثعابين العالم القديم إلى جوار حفريات ثعابين العالم الحديث في مكان واحد"، إن قدرة الثعابين الحفارة في زمن الديناصورات على الاصطياد ليلًا باستخدام الأشعة تحت الحمراء جعلتها بعيدةً عن تأثير الظلام الذي ساد الأرض، وفق "الحارس".

وأظهرت الدراسة أيضًا أنه من أهم عوامل استمرار الثعابين في الحياة انقراض منافسيها، بما في ذلك الديناصورات وأفاعي العصر الطباشيري، مما أتاح للثعابين الانتقال إلى منافذ جديدة وموائل جديدة والوصول إلى قارات جديدة.

الانقراض يضرب من جديد

نعلم جميعًا أن الثعابين من ذوات الدم البارد، أي أنها تحتاج إلى حرارة خارجية لضبط درجة حرارة أجسامها، فماذا لو ساد العالم مناخٌ قارس البرودة؟

منذ حوالي 34 مليون سنة في عصر الأوليجوسين بدأ القطبان الشمالي والجنوبي في التكوُّن، انحسرت البحار وقتها، وتسارع التبريد في أنحاء المعمورة، تراجعت الغابات تدريجيًّا في كثير من الأماكن إلى أن زالت في العديد من القارات، ولا بد من هذا كله أن يؤثر بشكل جذري على حياة الكائنات ومن ضمنها الثعابين.

اجتازت الثعابين وقتها فترةً عصيبة، انقرض فيها الكثير من الأنواع العملاقة مثل ثعبان الجيجانتوفيس الذي عاش في مصر وليبيا، هذا الثعبان ليس عملاقًا بالشكل العادي، لكنه يمثل ثاني أكبر ثعبان عرفته البشرية بعد الثعبان الكولومبي تيتانوبوا الذي سبقه في الانقراض بأكثر من 20 مليون سنة تقريبًا، تشير الدراسة إلى أن الثعابين العملاقة مثل الجيجانتوفيس والثعابين المائية من الباليوفيديا (Palaeophiidae)، التي اعتمدت بشكل كبير على الحرارة العالية ولم تستطع الصمود أمام الانخفاض الشديد في درجات الحرارة.

لكن مرةً أخرى استطاعت الثعابين الحفارة الهروب والنجاة بنفسها، تقول الحارس:" لقد أوضحت الدراسة نقطةً مهمةً في تغيير سلوك الثعابين، فبعد الانقراض الذي حدث نتاج البرودة الشديدة في الأوليجوسين طورت الثعابين لديها خصائص الحياة النهارية على نحوٍ أكثر وضوحًا، فبعدما كانت تعيش وتقتات ليلًا، تمرست أكثر في الاصطياد والمعيشة بالنهار".

ولم تلبث الحياة على الأرض حتى استُؤنفت من جديد، إذ عادت الثعابين وتنوعت بعد الأوليجوسين بصورة أسرع مقارنةً بما حدث أعقاب انقراض الديناصورات، فلا شيء يدوم، لا الموت ولا الحياة، هي فقط لحظات حاسمة من التغيير، التغيير من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة؛  فمن خلال الدراسات المتعددة نجد أن الثعابين ليست حالةً خاصة، لكنها نموذجية إلى حدٍّ كبير لفهم كيفية تأثير الانقراض على الحيوانات والنباتات المختلفة؛ فقد كانت هناك انقراضات هائلة، أعقبها تنوُّع الناجين، ومن خلال هذا التنوع يمكن تتبُّع أصول الكائنات والأحداث المختلفة التي أدت إلى تنوعها، وهنا تتجلى إحدى ميزات الحياة الرائعة في القدرة على التعافي من الأوقات الصعبة والكوارث واغتنام الفرص للتطور، وإنشاء أنواع جديدة من الكائنات الحية؛ فالميزة الأصيلة في تاريخ الحياة على الأرض ليس فقط أن الحياة قادرة على التعافي من الكوارث، بل أنها قادرة على أن تصبح أكثر تنوعًا مما كانت عليه من قبل.