بعد سنوات طويلة من اعتياد المزارعين الإسراف في استخدام الأسمدة والمبيدات الكيماوية التي لا تزال آثارها باقيةً في التربة وفي أجساد المصريين، بات التحول إلى الزراعة العضوية تحديًا فارقًا، حتى مع إطلاق قانون جديد للزراعة العضوية مطلع مارس الماضي.

يستهدف القانون -الذي وافق عليه البرلمان، وأصدره بالفعل رئيس الدولة- التوسع في الإنتاج العضوي؛ لمسايرة قرار الاتحاد الأوروبي بوقف استيراد منتجات الزراعة العضوية من أي دولة ليس لديها قانون للزراعة العضوية بحلول عام 2020.

يتكون القانون الجديد من 10 بنود، تمنح سلطة الرقابة والإشراف على الزراعة العضوية للهيئة القومية لسلامة الغذاء والإدارة العامة للزراعة العضوية، وهما السلطتان المختصتان بوضع مواصفات المدخلات والمنتجات العضوية والحيوية وضوابط عملية الإنتاج ووضع علامات الجودة والرقم الكودي لكل منتج ( يدل على اسم المنتج وجهة المطابقة وتاريخ الإنتاج) -أو ما يُعرف بالزراعة العضوية الموجهة نحو المستهلك أو السوق- إذ يشترط أن تعرف المنتجات بوضوح عبر الشهادات وبطاقات البيانات الموثقة، بما يضمن قدرة المستهلكين على اتخاذ قرارات واعية بشأن كيفية إنتاج هذه الأغذية وتسويقها.

تحدد السلطتان شروطًا لاستيراد المدخلات والمنتجات العضوية وتقديم المساعدات الإرشادية والفنية والعلمية والعملية في مجالات الزراعة العضوية، على أن تحدد اللائحة التنفيذية التفاصيل الخاصة بكل بند.

يقول رائف تمراز -عضو لجنة الزراعة بالبرلمان المصري- لـ"للعلم": إن الهدف من إصدار القانون هو مواكبة العالم فيما يخص اتباع نظام الزراعة العضوية والاستغناء عن الأسمدة الكيماوية، بما يؤهلنا لتصدير منتجاتنا للخارج، وتوفير منتج عضوي "أورجنك" في السوق المحلي؛ للحفاظ على صحة المواطنين.

وأوضح أننا لن نستطيع زراعة جميع الأراضي زراعة عضوية "في يوم وليلة"، لذا من المقرر أن تبدأ الدولة (من خلال أجهزتها المعنية) في المرحلة الأولى من تطبيق القانون بزراعة نسبة محدودة من الأراضي، في حدود 6 إلى 7 ملايين فدان.

وأضاف أن الخطوة التالية هي تشجيع الفلاحين على الزراعة العضوية، مضيفًا أن الفلاح لن يُقبل على التجربة من نفسه، ولا بد من تثقيفه وتأهيله أولًا، مشيرًا إلى أن القانون سيضمن اتباع المواصفات العالمية الخاصة بالزراعة العضوية، بما يُسهم في تعزيز الزراعة المحلية والتصديرية.

فوائد الزراعة العضوية

والزراعة العضوية هي نظام لزراعة النباتات، يستبدل بالأسمدة الصناعية والمبيدات الكيماوية أسمدةً عضوية ومخصبات حيوية، وفق نبيل فتحي السيد، الأستاذ بمعهد البحوث والأراضي التابع لوزارة الزراعة.

وأضاف "السيد" أن هناك العديد من الفوائد التي تعود على التربة ومن ثم المنتجات الزراعية نتيجةً لاتباع أساليب الزراعة العضوية، منها زيادة المادة العضوية في التربة، والمحافظة على العناصر الغذائية فيها، وتنشيط العمليات الحيوية فيها أيضًا، والحد من تلوث البيئة، وزيادة الإنتاجية المحصولية الخالية من الكيماويات، بما يوفر غذاءً نظيفًا وآمنًا.

وتُعَد الزراعة العضوية نظامًا يشمل وقف استخدام المنتجات التخليقية كالأسمدة الاصطناعية والمبيدات، والعقاقير البيطرية، والبذور والسلالات المحورة وراثيًّا، والمواد الحافظة، والمواد المضافة، والتشعيع في الزراعة، وتحل محلها أساليب إدارة تتفق وخصائص كل موقع، بحيث يتم الحفاظ على خصوبة التربة ومنع الآفات والأمراض. 

معوِّقات الزراعة العضوية

يصف خالد غانم، أستاذ الزراعة العضوية ورئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر- القانون بأنه خطوة جيدة من أجل صحة المصريين ودعم الصادرات الزراعية، إلا أن هناك عدة معوقات تعوق تنفيذه على نطاق واسع، أولها أن أغلب الأراضي الزراعية في مصر تشبعت ببقايا الأسمدة والمبيدات الكيماوية على مدار عشرات السنوات، وهو ما يجعلها خارج حيز التطبيق.

ويضيف أن القانون سيقتصر تنفيذه على الأراضي البكر والأراضي الجديدة التي لا يزيد عمرها عن 3 إلى 5 سنوات كحد أقصى.

وأشار إلى أن الدولة تستهدف توسيع رقعة الزراعة العضوية، التي تقدر حاليًّا بـ2.5% فقط من مساحة الأراضي الزراعية في مصر، وفق الاتحاد الدولي للزراعة العضوية، إلى 6.7% بحلول عام 2030، ليتبقى نحو 93% من الأراضي مزروعة زراعةً غير عضوية.

 وينصح أستاذ الزراعة العضوية بأن تطبق عليها برامج الزراعة البيئية، أو نظام وسط بين العضوي والتقليدي، وهو ما سيكون له مردودٌ جيد على الصحة العامة.

المشكلة الثانية في تنفيذ القانون، وفق "غانم"، هي أن مساحات الأراضي الزراعية في مصر مفتتة، وبالتالي سيكون من الصعب على أصحاب المساحات الصغيرة اتباع نظام الزراعة العضوية والنجاح في تسويق منتجاتهم إلا إذا كانت هناك تعاونيات تساعدهم في ذلك، وهو ما يتطلب إصدار قانون تعاوني متعلق بالزراعة العضوية، بحيث يتم تزويد المزارعين بمستلزمات الإنتاج وتسويق محاصيلهم.

ويشدد "غانم" على أن المشكلة الثالثة هي غياب الإرشاد الزراعي العصري لتوعية الفلاح بتقنيات الزراعة العضوية المتطورة وتأهيله لها.

ويرى أن إطلاق القانون مكسب في كل الأحوال، حتى لو طُبق على نطاق محدود ولم يستفد منه المزارع البسيط في البداية، مضيفًا أن علينا تحويله إلى مشروع وطني بما لدينا من موارد صالحة للزراعة العضوية، مثل المخلفات العضوية وطاقة الشمس وغيرها.

وطالب "غانم" البرلمان بالتواصل مع المراكز البحثية المتخصصة عند صياغة اللائحة التنفيذية للقانون للاستفادة من خبراتهم.

يقول محمد برغش -نقيب الفلاحين الأسبق- لـ"للعلم": إن تنفيذ القانون وسط عموم المزارعين يستلزم تطبيق قانون الزراعة التعاقدية، بحيث تلتزم الدولة بشراء محصول الفلاح قبل وضع البذرة، أو عمل وثيقة تأمين ثلاثية تكون الدولة فيها طرفًا ضامنًا بين المزارع والمشتري؛ لضمان حق الفلاح إذا تخلى عنه المشتري، وإلا فلن يتشجع الفلاح للتجربة الجديدة، إضافة إلى ضرورة وجود إرشاد زراعي للفلاح يساعده على نجاح عملية التحول.

مبادرات سابقة

ومن جانبه، يقول خالد أبو العينين، مهندس زراعي ومؤسس مزرعة عضوية بالساحل الشمالي: إن القانون نظم عملية الزراعة العضوية وفق شروط وضوابط، لكنه لم يقدم دعمًا لأصحاب المبادرات الخاصة بالزراعة العضوية أو الراغبين في الانضمام إلى المجال.

وأشار إلى أوجه الدعم التي يحتاج إليها العاملون في مجال الزراعة العضوية من خلال تجربته الشخصية، هي وجود رابطة تضم العاملين في المجال للدعم وتبادل الخبرات، ودورات تدريبية لنقل التكنولوجيا الحديثة الخاصة بالزراعة العضوية إلى مصر، ودعم عملية الإنتاج بمستلزمات الإنتاج العضوي أو بأراضٍ بكر، ونشر ثقافة الأغذية العضوية في المجتمع وأهميتها للصحة، بما يسهل عملية التسويق.

وأشار إلى أنه بدأ تجربته الخاصة في الزراعة العضوية مع مجموعة من المهندسين الزراعيين في شهر أكتوبر الماضي في أرض بكر مساحتها 15 فدانًا تنتج أصنافًا مختلفة الآن، وتسوق محليًّا عبر نظام الاشتراكات على نطاق محافظتي القاهرة والإسكندرية كمرحلة أولى، مضيفًا أن الاشتراكات تزداد بشكل مُرضٍ، في حين يحتاج تحقيق ربح مُجزٍ إلى بعض الوقت.

يسوِّغ "أبو العينين" ارتفاع أثمان المنتجات العضوية إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف ثمن المنتج التقليدي بكون المزارع يحصل على "نصف محصول بضعف تكلفة الإنتاج في حالة الزراعة التقليدية."

وأوضح أنهم يستخدمون الكومبوست سمادًا، ويستعينون بمركبات من الزيوت العطرية الطيارة والإنزيمات النافرة للفطر أو الحشرة، وهي مواد مكلفة، كما أن التغذية محدودة مقارنة بالتغذية بسماد النترات واليوريا المسببين للسرطانات، وهو ما يؤثر على حجم المحصول، كما أن مقاومة الحشرات تتم يدويًّا وليس كيميائيًّا، وهو أمر مرهق للمزارع.

ويتوقف نجاح تجربة مصر في مجال الزراعة العضوية على توافر عدة عوامل، اتفق عليها الخبراء وأصحاب التجارب، وأهمها التثقيف المجتمعي، والإرشاد الزراعي الفاعل، ودعم المزارعين منذ غرس البذرة وحتى تسويق المحصول.